تنتصب وثيقة استسلام الحي اليهودي في القدس القديمة، الممهورة بتاريخ الثامن والعشرين من أيار عام 1948 م، كشاهد تاريخي فذ يوثق لحظة انكسار الغطرسة الصهيونية أمام عنفوان واحترافية الجيش العربي الأردني. إنها وثيقة لم تخط بالمداد فحسب، بل نقشت بحد السيوف المشرعة، وبصيرة القائد الاستراتيجي الفذ الكولونيل – وهي رتبة تعادل حالياً رتبة العقيد – عبد الله التل (أبا المنتصر)، بطل معركة القدس وقائد الكتيبة السادسة، الذي أدار المعركة بعقل الحكيم وقلب الجسور

وثيقة تاريخية • القدس 1948 م • الجيش العربي الأردني

سيوف القدس: قراءة استراتيجية في وثيقة إذعان " الهاجاناه " للجيش العربي الأردني (1948 م)

تنتصب وثيقة استسلام الحي اليهودي في القدس القديمة، الممهورة بتاريخ الثامن والعشرين من أيار عام 1948 م، كشاهد تاريخي فذ يوثق لحظة انكسار الغطرسة الصهيونية أمام عنفوان واحترافية الجيش العربي الأردني. إنها وثيقة لم تخط بالمداد فحسب، بل نقشت بحد السيوف المشرعة، وبصيرة القائد الاستراتيجي الفذ الكولونيل - وهي رتبة تعادل حالياً رتبة العقيد - عبد الله التل (أبا المنتصر)، بطل معركة القدس وقائد الكتيبة السادسة، الذي أدار المعركة بعقل الحكيم وقلب الجسور.

سيوف القدس وثيقة استسلام الحي اليهودي في القدس القديمة
سيوف القدس: وثيقة العزة والانتصار في القدس القديمة عام 1948 م

أ) السياق العسكري وطوق الحصار الحاسم:

استعر لظى المعركة فجر 27 أيار حين شن الرئيس (النقيب ) محمود الموسى هجوماً كاسحاً من الشمال ، مسنداً ببطولة السرية التي قادها الرئيس ( النقيب ) بركات طراد الخريشا ، وفئة الملازم مصطفى إبراهيم ، حيث دكوا حصون " الهاجاناه " واحتلوا مواقعهم الدفاعية . وقد سُقي هذا النصر بدم الشهادة والجرحى، إذ أصيب البطل بركات الخريشا بجرح خطير وهو في مقدمة رجاله، وحين زاره التل وجده ملفعاً بضماداته لكنه ظل صامداً يقدم تقدير موقف عسكري ، واعداً بإنهاء المعركة إما باستسلام العدو أو دكه بالكامل . وفي ظلال هذا الصمود ، كان الملك عبد الله الاول ابن الحسين يتابع التطورات بشغف المؤمن ، قائلاً للتل - الذي عُين لاحقاً حاكماً عسكرياً للقدس لبروز دوره القيادي - : " أريد منك يا عبد الله أن تدعوني للصلاة في المسجد الأقصى المبارك يوم الجمعة القادم " .

ب) جذور الصراع والاستيطان الحديث في القدس :

إن هذا الانتصار العسكري لم يكن وليد الصدفة ، بل كان كبحاً لمخطط استيطاني حديث بدأ يغرس أنيابه في القدس منذ منتصف القرن التاسع عشر ، وتحديداً عام 1855 م ، حين أُسس أول حي يهودي خارج الأسوار ( مشكانوت شعنانيم ) بدعم من موشي مونتفيوري . وتوالت المحاولات الصهيونية مستغلة " قانون تملك الأجانب " عام 1869 م ، لتتمدد الأحياء مثل (حي موشيه اليمني ) ومستوطنة ( موتسا ) ، وصولاً إلى تسارع الاستيطان في عهد الانتداب البريطاني . لذا، جاء استسلام الحي اليهودي عام 1948 م ليقطع الطريق على هذا التمدد الذي استهدف هوية المدينة العربية الكنعانية (اليبوسية ) ( نسبة للعروسين و هم قبيلة كنعانية عربية ، يُعتبرون بناة القدس الأصليين وأول من استوطنها في الألف الثالث قبل الميلاد، حيث أطلقوا عليها اسم " يبوس ". هم الجذر الحضاري الأول للمدينة ، والذين صمدوا فيها بقرون قبل أي وجود تاريخي آخر ) .

ت) بنود وثيقة الاستسلام ( 28 أيار 1948 م)

عند فجر 28 أيار ، نفذ محمود الموسى خطة الهجوم المركز النهائي بمناورة مخادعة من الجنوب ، بينما كان الهجوم الرئيسي من الشمال . وتحت وطأة القتال الذي دار من شارع إلى شارع ومن بيت إلى بيت ، رفعت " الهاجاناه " الأعلام البيضاء في الساعة التاسعة صباحاً بعد أن نفدت ذخيرتهم وتهاوت قواهم . ونزولاً عند رغبة يهود القدس القديمة ، أملى الفريق الأول ( عبد الله التل ) - هذا القائد الذي وُصف بالقومي الإسلامي لصلابة مبادئه - شروطه التي انصاع لها الفريق الثاني ( موشيه روزنك ) صاغراً ، وتضمنت :

نزع السلاح : التسليم الكامل لكافة الأسلحة والعتاد الحربي للجيش الأردني .
الأسر العسكري : اقتياد جميع المحاربين من الرجال كأسرى حرب لدى القوات الأردنية .
الاعتبار الإنساني : إخلاء سبيل الشيوخ والنساء والأطفال والجرحى من ذوي الحالات الحرجة إلى القدس الجديدة بواسطة الصليب الأحمر .
ذمة الفرسان : تعهد الجيش العربي الأردني بصون أرواح كل من ألقى سلاحه ، في تجسيد نبيل لأخلاق الفروسية العربية والرحمة الإسلامية .
السيادة المطلقة : بسط السيطرة الكاملة وغير المنقوصة للجيش العربي على الحي اليهودي في القدس العتيقة .

ث ) رمزية " مسدس الهاجاناه " والوثيقة التاريخية :

تتجسد قمة الإذعان في المشهد الذي وصفه " إسحق رابين " في مذكراته بـ " المنظر المريع " ، حين رأى وفد الكهنة يتقدم بطلب الاستسلام . وفي كنيسة الأرمن ، وبحضور شخصيات وطنية كالشيخ مصطفى السبلعي وكامل عريقات والدكتور عزت طنوس وموسى الحسيني وفاضل الرشيد ، قام ضابط " الهاجاناه " موشيه روزنك بتسليم مسدسه الشخصي للكولونيل ( العقيد ) عبد الله التل ، في اعتراف ميداني صريح بسقوط القوة الصهيونية أمام بأس المقاتل الأردني . إن هذا المسدس ، والوثائق الموثقة ، تظل برهاناً مادياً قاطعاً على هذا الانتصار الملحمي الذي سطره التل ، والذي وثق لاحقاً شهادته على تلك المرحلة في كتابه الشهير " كارثة فلسطين " .

صورة العسكري عبد الله التل
صورة العسكري : عبد الله التل

ج ) الرؤية الاستراتيجية للقائد التل :

تكشف المرويات التاريخية عن البصيرة النافذة لعبد الله التل ومحمود الموسى ، حيث ترك الموسى الدبلوماسية للتل ليتفرغ لضبط النظام وحماية الأسرى بشرف عسكري رفيع . وقد استشرف التل مآلات التدخلات الدولية ( خطة برنادوت ) ورفضها ، مناشداً القيادة بالاستمرار في الزحف المقدس ، إذ كان يدرك أن ساعات قليلة من القتال كانت كفيلة بتطهير القدس بالكامل من دنس الاحتلال ، مما يمنح المفاوض العربي قوة لفرض شروطه ، بعيداً عن الهدن التي استغلها الصهاينة لإعادة حشد صفوفهم .

إن وثيقة عام 1948 م هي " وثيقة العزة " التي تبرهن أن الجيش العربي الأردني قد حافظ على القانون الدولي والأعراف الإنسانية وتقاليده العريقة حتى في ذروة الحرب . ستظل هذه الحادثة نيشاناً على صدر التاريخ ، وشاهداً حياً على أن الجيش الأردني بقيادة أبطال كعبد الله التل ومحمود الموسى كان الحارس الأمين لقدسية القدس ، وأن سجله مرصع ببطولات تأبى النسيان .

المصادر والمراجع:

  1. سجلات القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي ( أرشيف حرب 1948 م ) .
  2. مذكرات القائد عبد الله التل " كارثة فلسطين " .
  3. أرشيف وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) وصحيفة الرأي ( وثائق المئوية ) .
  4. شهادة الكابتن صلاح عبد الله التل والمؤرخ معن أبو نوار ( وكالة عمون ) .
  5. الوثائق والصور الموثقة للمسدس ولحظات الاستسلام التاريخية .
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.