مثّل النشاط الحربي الأيوبي الموجه من دمشق نحو إمارة الكرك الصليبية في شرق الأردن ( وخاصة في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي 1183 – 1188 م ) حجر الزاوية في استراتيجية القضاء على الوجود الصليبي في بلاد الشام . كانت الكرك تمثل تهديداً مباشراً لطرق الحج والتجارة ، ومعقلاً لقوى الغدر تحت إمرة ” رينالد دي شاتيون ” ( أرناط ) ، مما جعل تحريرها ضرورة قصوى لتأمين الدولة الإسلامية وتحقيق النصر الحاسم في حطين .

شرق الأردن • الأيوبيون • الكرك وحطين

إقليم السواد والنشاط الحربي الأيوبي: من حصار الكرك إلى فجر حطين وتأسيس الإمارة

مثّل النشاط الحربي الأيوبي الموجه من دمشق نحو إمارة الكرك الصليبية في شرق الأردن ( وخاصة في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي 1183 - 1188 م ) حجر الزاوية في استراتيجية القضاء على الوجود الصليبي في بلاد الشام . كانت الكرك تمثل تهديداً مباشراً لطرق الحج والتجارة ، ومعقلاً لقوى الغدر تحت إمرة " رينالد دي شاتيون " ( أرناط ) ، مما جعل تحريرها ضرورة قصوى لتأمين الدولة الإسلامية وتحقيق النصر الحاسم في حطين .

إقليم السواد والنشاط الحربي الأيوبي
إقليم السواد والنشاط الحربي الأيوبي: من حصار الكرك إلى فجر حطين

أولاً : إقليم السواد ... الرئة الخضراء وسلة غلال الفتح الأيوبي :

يُعد " إقليم السواد " ( أو سواد الأردن ) من أهم المصطلحات الجغرافية التي ميزت شمال الأردن عبر العصور ، وهو النطاق الجغرافي الخصيب الممتد ما بين نهر اليرموك شمالاً ونهر الزرقاء جنوباً . وتعود سر تسميته بـ " السواد " إلى كثافة الغطاء النباتي من أشجار السنديان والزيتون والبطم ، التي كانت تكتسي بها الجبال فتبدو للناظر من بعيد " سوداء " من شدة خضرتها وتكاثف ظلالها ، بالإضافة إلى سواد تربتها البركانية الغنية التي جعلت منها " مخزن الغلال " والممول الأول لجيوش الفتح الإسلامي بالأرزاق والمؤن .

ثانياً : الموقع والمنطلق الاستراتيجي :

أ ) في قلب ريف إربد الشمالي ، برزت بلدة " فوعرة ( فوعرا ) " التي استمدت اسمها من وعورة تضاريسها الجبلية الصعبة . هذه الوعورة لم تكن عائقاً بل كانت حصناً طبيعياً استثمره القائد صلاح الدين الأيوبي كمنطقة " تحشد صامت " .

ب ) يبرز " وادي القصير " التابع لبلد فوعرة ( فوعرا ) كشريان تكتيكي ، حيث استخدمه الجيش الأيوبي كممر التفافي آمن للانتقال نحو الغور ، بعيداً عن أرصاد القلاع الصليبية الجاثمة فوق المرتفعات المقابلة .

ت ) اعتمد صلاح الدين في تحضيراته لمعركة حطين ( 1187 م ) على هذه التضاريس لإخفاء وحدات النخبة وتدريب الجند على القتال في الظروف الصخرية القاسية ، حيث عسكر في هذه المناطق وأشرف ميدانياً على توزيع " الكراديس " العسكرية .

ثالثاً : إقليم السواد ... القاعدة اللوجستية والعمق الدفاعي :

أ ) مثل هذا الإقليم العمق الاستراتيجي لمدينة دمشق ، حيث كان المصدر الرئيسي لتأمين المؤن والخيول والاحتياجات اللوجستية للقوات المرابطة على خطوط المواجهة .

ب ) ساهمت وفرة المياه والمراعي في إقليم السواد في صمود الجيش الأيوبي خلال فترات الحصار الطويلة ، مما مكنه من الاستمرار في المناوشات العسكرية دون انقطاع الإمداد .

رابعاً : النشاط الحربي الأيوبي ضد إمارة الكرك ( 1183 - 1188 م ) :

أ ) حصار الكرك الأول ( 1183 م ) : قاد صلاح الدين جيشاً من دمشق وحاصر القلعة حصاراً شديداً رداً على غارات أرناط البحرية ، ونصب سبعة مجانيق لقصف الحصن ، لكنه انسحب مؤقتاً لفك الحصار عن المدينة نتيجة وصول نجدات صليبية ضخمة .

ب ) حصار الكرك الثاني ( 1184 م ) : عاد السلطان من دمشق لضرب حصار آخر ، واقتحم أجزاء من المدينة ، إلا أن الخندق العميق للقلعة حال دون دخولها ، فاتجه لتدمير مناطق صليبية أخرى لزعزعة استقرارهم .

ت ) الحصار النهائي والتحرير ( 1187 - 1188 م ) : بعد النصر في معركة حطين ، بدأ حصار طويل استمر أكثر من سنة ، حتى استسلمت الحامية في نوفمبر 1188 م ، وسلّم صلاح الدين الكرك لأخيه الملك العادل لإعادة ترميمها .

خامساً : منجزات حضارية وتواجد ميداني في إربد :

أ ) قام السلطان صلاح الدين بجولات استطلاعية في ريف إربد ، وأشرف على حفر الآبار وتأمين مصادر المياه ، وعقد تحالفات مع القبائل المحلية لضمان ولائها .

ب ) المسجد الصلاحي : في قلب مدينة إربد ، أمر صلاح الدين بتأسيس مسجد عُرف بالمسجد الصلاحي ، وهو النواة التي أقيم عليها " مسجد إربد الكبير " في عهد الإمارة الاردنية ( عام 1929 م تقريباً ) ، حيث تمت صيانته وتوسعته بالحجارة البازلتية السوداء .

ت ) قلعة عجلون : بناها القائد عز الدين أسامة بين عامي ( 1184 - 1185 م ) لتكون عين المسلمين على الغور ومركزاً إدارياً لإقليم السواد .

سادساً : ولادة إمارة شرق الأردن الأيوبية ( 1229 م ) :

أ ) وُلدت إمارة الكرك الأيوبية في 6 تموز ( يوليو ) 1229 م ( 12 شعبان 626 هـ ) ، عندما غادر الملك الناصر داود دمشق واستقر في الكرك ، لتصبح إمارة خاصة بالأردنيين تشمل الكرك والشوبك والبلقاء والسلط .

ب ) نجح الملك الناصر داود في بناء جيش أردني خاص من أبناء العشائر ، واستطاع من خلال هذه القوة تحرير القدس مرة أخرى عام ( 1239 م ) بعد عشر سنوات من الاحتلال الصليبي .

ت ) اتسمت هذه الإمارة بالاستقرار السياسي والعلمي ، حيث أصبحت الكرك محجاً للعلماء والشعراء ، وأُنشئت فيها " القلعة الناصرية " وقاعة للعرش تليق بمكانة الملوك .

سابعاً : العبقرية العسكرية والتحليل الاجتماعي :

أ ) استثمر صلاح الدين " تل الأقحوانة " عند مخرج نهر الأردن كنقطة تجميع استراتيجية ، ومكنته مرتفعات فوعرة من الإشراف الكامل على تحركات العدو .

ب ) تميزت الشخصية الأردنية عبر التاريخ بتبني مبدأ " الصراع من أجل البقاء " ، حيث حافظ الأردنيون على قوتهم وتكيفوا مع القوى القادمة ، وساندوا صلاح الدين بدافع الغيرة على أرض الإسلام ، فكانوا جنوداً أوفياء في حطين .

ت ) ظهرت في هذه الحقبة أهمية وحدة العشيرة ووحدة الوطن ، حيث ساهمت العشائر الأردنية في حماية الديار وتأمين القوافل ، وبرزت مفاهيم اجتماعية مثل " العطوة " و " الصلح " لضبط الأمن المجتمعي .

إن تضافر القوة العسكرية المنطلقة من دمشق مع الصمود الأردني في إقليم السواد ، والتحصينات الفريدة في الكرك وعجلون ، جعلت من شرق الأردن القاعدة الصلبة التي انكسر عليها المشروع الصليبي . فمن " فوعرة ( فوعرا " بدأت الخطط ، وفي " الكرك " تأصلت الإمارة ، لتبقى هذه الأرض منطلقاً للفتح ومنارة للحضارة الإسلامية .

الكرك وإقليم السواد في الذاكرة الأيوبية
الكرك وإقليم السواد: قاعدة الصمود ومنطلق الفتح في الذاكرة الأيوبية

المصادر والمراجع :

  1. د . عويدي العبادي ، تاريخ الأردن وعشائره ، الحلقة السادسة .
  2. الأردن في العهدين الأيوبي والمملوكي ، معهد ( Ifpo ) .
  3. الموسوعة التاريخية ، حصار الكرك ومعركة حطين .
  4. وكالة عمون الإخبارية ، صفحات من تاريخ الأردن .( 29 ) .
  5. التراث الثقافي الأردني ، توثيق عجلون وإقليم السواد .
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.