تعد أسماء القرى والمدن العربية سجلات حضارية حية تختزل تاريخ الأمم ولغاتها القديمة . ومن أكثر الظواهر اللغوية التي تشترك فيها عدة دول عربية هي تسمية القرى بكلمة ” كفر ” . هذه الكلمة التي تبدو بسيطة في نطقها ، تحمل في طياتها عمقاً تاريخياً يعود إلى الجذور السامية المشتركة ، لترسم لوحة جغرافية تمتد من مرتفعات الأردن وفلسطين وصولاً إلى ضفاف النيل وأودية لبنان وسوريا .
الكفور: رحلة لغوية وجغرافية من جبال الأردن إلى ربوع العرب
تعد أسماء القرى والمدن العربية سجلات حضارية حية تختزل تاريخ الأمم ولغاتها القديمة . ومن أكثر الظواهر اللغوية التي تشترك فيها عدة دول عربية هي تسمية القرى بكلمة " كفر " . هذه الكلمة التي تبدو بسيطة في نطقها ، تحمل في طياتها عمقاً تاريخياً يعود إلى الجذور السامية المشتركة ، لترسم لوحة جغرافية تمتد من مرتفعات الأردن وفلسطين وصولاً إلى ضفاف النيل وأودية لبنان وسوريا .
دلالة " الكفر " بين اللغة والزراعة :
تعود كلمة " كفر " في أصلها السامي ( والآرامية والسريانية بوجه الخصوص ) إلى معنى " القرية " أو " الضيعة " أو " التجمع الزراعي " . وفي لسان العرب ، يرتبط الجذر ( ك - ف - ر ) بـ " الستر والتغطية " ، وهو ما يتجلى في وصف الفلاح بـ " الكافر " لأنه يغطي البذور في باطن الأرض . ولا يقف هذا التشابه عند حدود لغاتنا السامية ، بل يمتد عالمياً ليتقاطع مع الكلمة الإنجليزية ( Cover ) التي تحمل ذات المعنى ( التغطية ) . لذا ، فإن " الكفر " هي القرية الوادعة التي تغطيها الأشجار أو تسترها الجبال .
" الكفور " الأردنية : خارطة ممتدة :
لا تقتصر القرى التي تبدأ بكلمة " كفر " في الأردن على محافظات الشمال كإربد وعجلون وجرش فحسب ، بل تمتد لتشمل مناطق أخرى مثل البلقاء ( السلط ) ، مما يؤكد شمولية هذا النمط المعماري والزراعي القديم . وتتمثل هذه القرى الـ 14 في :
الانتشار العربي الواسع لظاهرة " الكفور " :
لا يقف استخدام هذا المصطلح عند حدود الأردن ، بل هو قاسم مشترك في الهوية الجغرافية العربية ، ونذكر منها :
في فلسطين :
نجد ( كفر ياسيف ، كفر كما ، كفر كنا ، كفر قدوم ، وكفر عقب ) .
في سوريا :
تشتهر بـ ( كفر نبل ، كفر جالس ، كفر بهم ، كفر هود ، وكفر لاها ) .
في لبنان :
تنتشر في جباله ووديان ( كفر دبيان ، كفر كلا ، كفر شيما ، وكفر شوبا ) .
في مصر :
نجدها حاضرة بقوة في محافظات الدلتا مثل ( كفر الشيخ ، كفر هلال ، كفر حماد ، وكفر شبرا اليمن ) .
إن كلمة " كفر " هي خيط لغوي يربط بين ضيعاتنا وقرانا العربية ، ليؤكد أننا ننتمي إلى حضارة زراعية وإنسانية واحدة ، جذورها ضاربة في عمق التاريخ ، وفروعها تظلنا جميعاً .
قائمة المصادر والمراجع :
- صحيفة الدستور الأردنية ، مقال ( الأصول السريانية لأسماء البلدات وقرى محافظة إربد ) ، منشور بتاريخ 15 / 6 / 2022 م .
- الباحث عمر الدجاني ، مقال ( لماذا تبدأ العديد من القرى بكلمة كفر ؟ ) ، منشور عبر موقع طقس العرب ، 2024 م .
- موقع ( FactJo ) الإخباري ، تقرير ( عدد قرى الأردن التي تبدأ بكلمة كفر ) ، منشور بتاريخ 22 / 3 / 2023 م .
- مجلة ( TQ Magazine ) ، دراسات في الطبوغرافيا والأسماء التاريخية لبلاد الشام ، صادر في عام 2021 م .
- د . محمود الغرايبة ، دراسات في تاريخ شمال الأردن القديم ، منشورات جامعة اليرموك ، 2019 م .
- أرشيف المركز الوطني للمعلومات ، توثيق أسماء القرى والبلدات الأردنية ، 2020 م .
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.