في حقبةٍ ليست ببعيدة من تاريخ الأردن ، كان ” البيدر ” في القرية يمثل أكثر من مجرد مساحة ترابية لجمع المحاصيل ، كان هو القلب النابض للحياة الاجتماعية والاقتصادية ، والملتقى الثقافي الذي تُقاس عليه الأماني بالحقائق . هناك ، حيث يمتزج غبار التبن بعرق الجباه ، وُلدت فلسفة الإنسان الأردني البسيطة والعميقة ، والتي صاغها في قوالب من الأمثال الشعبية الخالدة ، ليعلن أن موسم الحصاد هو ” موسم خير ممزوج بالمعاناة ” ، فمنذ أكثر من خمسين عاماً كان هو المورد الرئيس الذي يشكل أكثر من 90 % من دخل القرى

تراث أردني • ذاكرة الحصاد • البيادر

بيادرُ الخيرِ في التراثِ الأردنيّ: ملتقى العطاءِ وديوانُ الذاكرةِ الشعبيةِ

في حقبةٍ ليست ببعيدة من تاريخ الأردن ، كان " البيدر " في القرية يمثل أكثر من مجرد مساحة ترابية لجمع المحاصيل ، كان هو القلب النابض للحياة الاجتماعية والاقتصادية ، والملتقى الثقافي الذي تُقاس عليه الأماني بالحقائق . هناك ، حيث يمتزج غبار التبن بعرق الجباه ، وُلدت فلسفة الإنسان الأردني البسيطة والعميقة ، والتي صاغها في قوالب من الأمثال الشعبية الخالدة ، ليعلن أن موسم الحصاد هو " موسم خير ممزوج بالمعاناة " ، فمنذ أكثر من خمسين عاماً كان هو المورد الرئيس الذي يشكل أكثر من 90 % من دخل القرى .

بيادر الخير في التراث الأردني
البيدر الأردني: مساحة الحصاد وملتقى الذاكرة الشعبية

البيدرُ في مرآةِ الأمثالِ الشعبيةِ :

تعد الأمثال المتعلقة بالبيدر مخزناً لخبرات الفلاحين وحكمتهم في التعامل مع الحياة والرزق ، ومن أبرز هذه الأمثال :

" حساب الحقل ما بيجي على حساب البيدر " : ويُضرب للتحذير من الاعتماد على التوقعات النظرية قبل رؤية النتائج الفعلية .
" قشاش البيدر " : يصف الشخص الفطن الذي يجمع من بقايا الحصاد واللقاط ما قد يفيض عن حاجة الملاك .
" اللي بدق على البيدر ، بشبع خبز " : يحث على العمل الميداني المباشر والجهد البدني كسبيل وحيد لتأمين العيش .
" بيدر المليح بستريح " : للتأكيد على أن من أتقن زراعته وعمله سيجد الرضا وقت الحصاد .
" مثل حلاق البيادر " : إشارة إلى نظام المقايضة ، حيث كان الحلاق والناطور يتقاضون أجورهم صاعاً من القمح فور انتهاء الموسم .
" طوّل يا بيدر على ما ييجي القشار " : يُقال عند الرغبة في كسب الوقت أو انتظار إتمام أمر ما .
" اللي لميناه على البيدر طيرته الشرقية " يُضرب عند ضياع الجهد أو تبدد الرزق الذي تم جمعه بعناء في لحظة مفاجئة، وتشبيهاً بـ "الشرقية" ( ريح شرقية قوية ) التي تطير المحصول ( القمح ) من " البيدر " قبل تخزينه. يُستخدم كثيراً في السياقات الأردنية والفلسطينية للإشارة إلى ضياع الفرص أو فشل مساعٍ طويلة الأمد.

إيقاعُ الوقتِ ورحلةُ المعاناةِ ... من المنجلِ إلى " الْصْبِّةْ " :

تبدأ الاستعدادات مع إطلالة شهر حزيران لجني محاصيل الحنطة والشعير والعدس والحمص ، حيث يبدأ البحث عن العمال ( الفعالة ) وتجهيز " المناجل " . وبعد الحصاد وتكديس الأغمار ، تبدأ عملية " الرجاد " أو " ارجاد " ( نقل المحصول للبيدر ) بوسائط بدائية كالحيوانات التي تُسرج بـ " الشاحر " ( سلم خشبي ) ، أو بواسطة " العربانة " التي يرفع إليها " الشَيَّالَة " الأغمار باليد .

تستمر الرحلة في نظام يومي دقيق ، يبدأ مع " بزوغ الفجر " للترتيب ، ثم يترقب الفلاح " وقت الظهيرة " لعملية " الدريس " . وتستخدم لهذه الغاية أداة " الحيلين " " لوح الدراس " المكونة من قطعتين خشبيتين ومقعد للسائق ، يركب عليها " الصوج " ( أسطوانة خشبية مسنونة بقطع معدنية او حجارة صوانية تسمى اللكامات ) لهرس المحصول . ولدرس المحصول ( الدراسة ) طقوس تبدأ بمد " الدريخة " وتجميعها بشكل حلقي يسمى " الشِيرْ " ، حيث تتم عمليات التكسير ثم التنعيم بطريقة معاكسة ، وهي عملية محفوفة بالمخاطر كرفسات الحيوانات الغادرة أو سقوط الأطفال تحت الحيلين .

فنُّ محاورةِ الريحِ ... التذراي والمداري :

بعد انتهاء الدرس ( الدراسة ) ، تبدأ مرحلة " التذراي " ( أو التدراي ) ، وهي المرحلة الأكثر دقة وحساسية ، حيث يعتمد الفلاح على حركة الهواء التي تكون مناسبة عادة بعد صلاة الفجر أو بعد العصر لفصل الحب عن التبن والقَصْرِينْ . وتستخدم لهذه العملية " المداري " ( المذاري ) الخشبية ، وهي أدوات يدوية بأصابع خشبية متباعدة تُصنع من خشب السنديان أو الزيتون ، ليرفع بها الفلاح " الدريخة " في مهب الريح .

تليها مرحلة الهز والغربلة بواسطة " الغرابيل والصوانيت " لنحصل على قمح نظيف يسمى " الْصْبِّةْ " ، يعبأ في " شوالات الخط الأحمر " . أما التراب الناعم فيشكل كومة تسمى " المطربيات " ، وللأطفال معها قصص في لعب " اقلول " أو " الدواحل " ، وفرحة كبرى بأخذ حصتهم ( الْشَرْيَةْ ) لاستبدالها من الدكان بما لذ وطاب .

أهازيجُ الوجدِ ونغماتُ التعبِ الجميلِ :

كان يرافق هذا الجهد فيضٌ من الأهازيج التي تمنح الفلاحين طاقةً تتحدى تعب الأبدان :

أهازيجُ الدراس : " يا ربي تبارك فيه .. وتحفظ صاحبه وتغنيه " ، و " دِرسِك يا قمحْ من ذهب ... يا بركةٍ من ربٍ وهب " .

أغاني التذراي : " يا ربي ريحٍ طيبة ... تشفي القلوبِ العاطبة " ، و " يا هبوب الشمالي طيّر التبن .. خل القمح يصفى لعزّ الوطن " .

أهازيجُ الوجد : " يا بيدر طوّل .. لعلّ الحبيب يمر " .

بينَ الرزقِ والوجعِ ... مخاطرُ وقصصٌ لا تُنسى :

رغم الأفراح ، لم يخلُ البيدر من أحداث مؤسفة كـ " حريقة البيدر " و " الشاتية " المفاجئة التي تسبب عفن المحصول ، والزوابع العاتية وسرقات الليل التي تجبر الفلاحين على النوم فوق العرمة . كما لا تُنسى لدغات الأفاعي وعملية " التتبين " الشاقة لنقل التبن إلى " المتبن " ، حيث يستنشق العمال غباراً كثيفاً في سبيل لقمة العيش المغمسة بالتعب .

" العونة " والوفاء ... دستور البيدر غير المكتوب :

البيدر هو قيمة " العونة " و " الفزعة " ، وملتقى اجتماعي تروى فيه الحكايات وتُقام فيه حلقات السامر . هو المكان الذي يذكرنا بشخصيات بسيطة تركت أثراً في ذاكرتنا في سهول حوران والريف الأردني . إن توثيق هذا التراث هو وفاء لآبائنا وأجدادنا الذين عاشوا بالبساطة وراحة البال رغم كل المعاناة ، وهو ما تحرص " وزارة الثقافة والمراكز والهيئات التي تعنى بالتراث " اليوم على صونه كجزء من الهوية الوطنية .

المصادر والمراجع :

  1. الموقع الرسمي لمديرية التراث – وزارة الثقافة الأردنية .
  2. وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، تقارير التراث الثقافي .
  3. مقال " موسم الحصاد " للكاتب عبد الرحمن قدور ( مدونة بني عامر ) .
  4. صحيفة الرأي الأردنية ، " بيادر القمح عز وكرامة قبل العولمة " .
  5. أرشيف الوكالة العربية السورية للأنباء ( سانا ) ، " أغاني الحصاد تراث " .
  6. أرشيف التراث الثقافي الأردني ( ich.gov.jo ) .
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.