عندما يرتقي شهيد مثل زياد سليمان قاسم طناش الشطناوي (المعروف حركياً باسم زياد القاسم) ، ابن قرية حوارة الإربدية في الأردن، فإن قصته لا تُقرأ كحدث معزول، بل كفصل متجدد في ملحمة تلاحم تاريخي عضوي عميق يربط ضفتي نهر الأردن (1). ولد الشهيد في حوارة عام 1951 م، وتربى في بيئة عشائرية أردنية غرست فيه أن القضية الفلسطينية هي قضية الأردنيين الوجودية، وقضية كل العرب، وهذا الوعي القومي والعروبي هو الذي قاده بطلاً مقبلاً غير مدبر ليضحي بروحه على ثرى لبنان الطاهر

ذاكرة الشهداء • حوارة / إربد • الأردن

ابن حوارة / إربد: الشهيد الفدائي الأردني زياد سليمان قاسم طناش الشطناوي ... امتداد للتلاحم التاريخي وقصة " الجرح الأخضر " الذي صار نشيداً للأحرار

مسيرة الدم ... من " حوارة " إلى بيروت وحصاد شجر الأرز المتشابك:

عندما يرتقي شهيد مثل زياد سليمان قاسم طناش الشطناوي (المعروف حركياً باسم زياد القاسم) ، ابن قرية حوارة الإربدية في الأردن، فإن قصته لا تُقرأ كحدث معزول، بل كفصل متجدد في ملحمة تلاحم تاريخي عضوي عميق يربط ضفتي نهر الأردن (1). ولد الشهيد في حوارة عام 1951 م، وتربى في بيئة عشائرية أردنية غرست فيه أن القضية الفلسطينية هي قضية الأردنيين الوجودية، وقضية كل العرب، وهذا الوعي القومي والعروبي هو الذي قاده بطلاً مقبلاً غير مدبر ليضحي بروحه على ثرى لبنان الطاهر (2).

الشهيد الفدائي الأردني زياد سليمان قاسم طناش الشطناوي
الشهيد الفدائي الأردني زياد سليمان قاسم طناش الشطناوي — ذاكرة لا تغيب

أولاً: حوارة إربد ... منبت النضال والعمق العشائري والبيئة الثورية:

ولد الشهيد زياد في قلب قرية حوارة التاريخية، مسقط رأسه، التابعة لمحافظة إربد في شمال الأردن.

حوارة كحاضنة للنضال: تاريخياً، كانت قرى إربد وحوارة، بحكم قربها الجغرافي والثقافي والمصيري من فلسطين، حواضن للمد القومي والعروبي. ففي الخمسينيات والستينيات، نشأ زياد وغيره من شباب العشائر الأردنية على حكايا الثوار وفدائيي فلسطين، وتأثروا بعمق بفكرة الوحدة المصيرية (3).

عشيرة الشطناوي والأصل العربي: يُعد الانتماء لعشيرة الشطناوي، وهي إحدى كبرى وأعرق عشائر حوارة ومنطقة إربد، دليلاً على تجذر الشهيد في الأرض الأردنية التي لم تبخل يوماً بدمائها من أجل فلسطين والأمة (4).

صورة توثيقية للشهيد زياد الشطناوي
من حوارة إلى الذاكرة العربية — صورة في إطار الوفاء

ثانياً: العمق والتلاحم التاريخي الأردني - الفلسطيني ووحدة الفداء:

قضية فلسطين ... قضية الأردن. هذا ليس مجرد شعار، بل هو واقع تاريخي سطرته سواعد الأردنيين ودماؤهم، وزياد الشطناوي هو تجسيد لهذا التلاحم العضوي :

تضحيات الجيش العربي: منذ عام 1948 م، سطر الجيش العربي الأردني أروع ملاحم البطولة في الدفاع عن القدس واللطرون وباب الواد، حيث روى آلاف الشهداء الأردنيين ثرى بيت المقدس بدمائهم الزكية (5).

المتطوعون الأردنيون: على مر العقود، لم ينتظر الأردنيون الجيوش النظامية فقط، بل هب متطوعون أردنيون كثر للانخراط في الثورات الفلسطينية المتعاقبة (مثل ثورة 1936 م)، وفي صفوف المقاومة. سيرة زياد الشطناوي هي مثال حي لهذا التلاحم، حيث قرر كفدائي شاب أن يقاتل في الساحات العربية (كما في لبنان)، وهو جزء لا يتجزأ من مسؤوليته تجاه فلسطين والأمة (6).

ثالثاً: سيرة النضال واستشهاده فوق ثرى لبنان:

في عام 1975 م، وفي ظل تصاعد العدوان الصهيوني على لبنان وتعاظم التحديات أمام القضايا العربية، قرر ابن حوارة الفدائي أن يضحي في سبيل ما نشأ عليه من قيم (7).

الاسم الحركي " زياد القاسم “: انخرط زياد في العمل الفدائي ببيروت متخذاً الاسم الحركي " زياد القاسم “، وكان زميلاً في السكن للشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة أثناء حصار بيروت عام 1982 م (8). وفي تلك الفترة، كان من مقتضيات العمل الفدائي السلوك الثوري والضرورات الأمنية ألا يُسأل عن الأصول والمنابت أو الاسم الصريح، فكان التعامل عن طريق الاسم الحركي (9).

موقف الأم الأردنية: تذكر الشهادات أن والدة الشهيد زياد كانت تحضر من الأردن إلى لبنان بلباسها الشعبي الأردني لتطمئن على أولادها (زياد وشقيقه الفدائي الآخر الذي جاء معه من الأردن) ، وكانت تحتضن كل الفدائيين وتطمئن عليهم كأنهم أولادها (10).

الاستشهاد والعدوان الصهيوني: ارتقى زياد بطلاً فوق ثرى لبنان الطاهر عام 1982 م (وفي روايات أخرى أثناء غارة صهيونية خلال حصار بيروت) ، دفاعاً عن عروبته وصوناً لكرامة الأمة في مواجهة العدوان الصهيوني الغاشم (11).

رابعاً: " الجرح الأخضر " ... من حوارة إلى نشيد للثوار والأحرار:

إن استشهاد الفدائي زياد الشطناوي، ابن حوارة، لم يمر دون أن يترك أثراً عميقاً في الوجدان الثقافي العربي الملتزم، حيث ألهمت قصة دفنه ولادة واحدة من أهم القصائد والأغاني الوطنية (12).

قصة القصيدة و " الجرح الأخضر “: يروي الشاعر الدكتور عز الدين مناصرة أنه استشهد زياد في إحدى المعارك البطولية، ومن شدة القصف المتواصل لم يستطيعوا دفنه إلا بعد 3 أيام (13). وفي أثناء مراسم التشييع، تصادف وجود أم فلسطينية " ختيارة " وقالت بلهجتها العامية البسيطة (سبحان الله جرحه لسة أخضر)، أي أن جرح الشهيد ما زال ينزف دماً قانياً (14)

قريحة الشاعر عز الدين مناصرة: علقت كلمات العجوز البسيطة في ذهن الشاعر الفلسطيني الكبير عز الدين مناصرة (وهو من مواليد بني نعيم - الخليل، وكان المناضل والكاتب وأحد مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين ورابطة الكتاب الفلسطينيين) (15). تفجرت قريحة الشاعر ليكتب بعدها قصيدته الشهيرة “بالأخضر كفناه " رثاءً لزميله الفدائي الأردني (16).

ألحان وصوت مارسيل خليفة: سمع الموسيقار الكبير مارسيل خليفة القصيدة والقصة خلفها، فلحنها وغناها بصدق (17). صدح مارسيل بـ “بالأخضر كفناه " عام 1984 م في ملعب الصفا في بيروت أمام مائة ألف متفرج، لتصبح نشيداً للثوار والأحرار في كل مكان (18).

رمزية اللون الأخضر: القصيدة ليست مجرد كلمات، بل هي رمزية للشهيد الذي يُزف باللون الأخضر (لون الكرامة والأرض، والخصوبة، والأمل الذي تنبثق منه دماء الشهداء) (19). إن اقتران اسم الشهيد " زياد الشطناوي " بهذا العمل الفني يجعل من ذكراه جزءاً من الذاكرة الوجدانية للشعوب العربية كافة، وليس الأردن وفلسطين فقط (20).

المصادر والمراجع:

  1. الوثيقة التوثيقية العائلية للشهيد، موثق الصفحة: حمادة شرايري.
  2. مناصرة، عز الدين. (1976 م). " قصائد مرثاة زياد الشطناوي " (دراسة أدبية) . بيروت.
  3. الشناق، محمود. (1998 م). " الأردن وفلسطين: وحدة الدم والمصير “. إربد: مؤسسة حمادة للدراسات والطباعة والنشر.
  4. مقابلة شخصية مع بعض وجهاء حوارة وعائلة الشطناوي، إربد، الأردن (تموز 2024 م).
  5. أبو سيف، هاني. (2005 م). " الشهداء الأردنيون على أرض فلسطين: دراسة تاريخية “. عمان: وزارة الثقافة الأردنية.
  6. الشهادات الثقافية حول حياة الفدائي زياد القاسم في بيروت (بسام أبو صافية، غالب ابوساكوت النعيمي).
  7. جريدة الدستور الأردنية (أرشيف 1975 م). " خبر استشهاد زياد سليمان الشطناوي في لبنان “.
  8. الموسوعة الفلسطينية. (مادة: عز الدين مناصرة - الجرح الأخضر) .
  9. الشهادات والتوثيقات المرسلة من الصديق بسام أبو صافية وموقع الرابطة الثقافية المعرفية.
  10. قصص التلاحم العربي في بيروت أثناء حصار 1982 م.
  11. المواقع الإلكترونية الداعمة ( https://amlineage.com/genealogy/people/show/3555 ) .
  12. خليفة، مارسيل. (1977). ألبوم " وعود من العاصفة “، أغنية " بالأخضر كفناه “.
  13. الشهادات الثقافية حول مناسبة قصيدة " بالأخضر كفناه " .
  14. التوثيق الإلكتروني ( https://pal48.ps/ar/article/1076/twitter ) .
  15. المواقع الإخبارية الأردنية والفلسطينية الموثقة ( https://www.sarahanews.net/987063-قصة-شهيد-لمن-لا-يعرف-من-هو،-زياد-شطناوي/ ) .
  16. التوثيق الإلكتروني ( https://pal48.ps/ar/article/1076/twitter ) .
  17. حكايات الأغاني الوطنية والملتزمة.
  18. التوثيقات الثقافية الفنية لأغنية " بالأخضر كفناه “.
  19. رمزية الألوان في الأدب المقاوم.
  20. الشهادات الإلكترونية الداعمة ( https://kenanahnews.com/68044/ ).
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.