في الحنايا النابضة لمدينة إربد، وتحديداً حيث يضج شارع عمر بن الخطاب بالحياة، يقف سوق الغرايبة شاهداً حياً، وصرحاً اقتصادياً شامخاً يُشار إليه بالبنان. إنه ليس مجرد تجمّع للمحلات التجارية، بل هو جزء أصيل ومتجذر في الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية لعروس الشمال، يروي بفخر قصة تطور مذهلة، ومسيرة كفاح تجاري صاغتها رؤية رجل عصامي قبل أكثر من نصف قرن.

سوق الغرايبة في إربد: رحلة عبر الزمن والجمال، وجوهرة مكنونة في قلب عروس الشمال

في الحنايا النابضة لمدينة إربد، وتحديداً حيث يضج شارع عمر بن الخطاب بالحياة، يقف سوق الغرايبة شاهداً حياً، وصرحاً اقتصادياً شامخاً يُشار إليه بالبنان. إنه ليس مجرد تجمّع للمحلات التجارية، بل هو جزء أصيل ومتجذر في الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية لعروس الشمال، يروي بفخر قصة تطور مذهلة، ومسيرة كفاح تجاري صاغتها رؤية رجل عصامي قبل أكثر من نصف قرن.

البدايات: غرس طيّب في زمن الثقة والصفاء:

تعود جذور هذه الحكاية إلى عام 1917 م ، وهو العام الذي شهد ميلاد مؤسس هذا الصرح، المرحوم عبد الرحمن عبد الله الصالح الغرايبة. ولد في مرحلة تاريخية فارقة كانت فيها إربد تخطو أولى خطواتها للتحول من بلدة زراعية وادعة إلى مركز تجاري هام في شمال الأردن. نشأ الفقيد في بيئة بسيطة، لكنها كانت زاخرة بقيم العمل الدؤوب والاعتماد على النفس، وهي القيم التي صقلت وشكلت أساس مسيرته المهنية لاحقاً.

في تلك الحقبة، لم تكن التجارة علماً يُدرس في الأكاديميات، بل كانت مدرسة الحياة اليومية في ردهات الأسواق هي المعلم الأول. ومن خلال الاحتكاك المباشر بالتجار والتعامل الصادق مع الزبائن، اكتسب خبرته تدريجياً، متعلماً أصول البيع والشراء وإدارة العلاقات القائمة على الثقة. وقد عُرف منذ عنفوان شبابه بالنشاط والحيوية والقدرة الفذة على بناء شبكة علاقات واسعة، مما مكّنه من ترسيخ مكانته في سوق إربد عاماً بعد عام.

تجارة عابرة للحدود وعمل مؤسسي رائد:

في زمن كانت فيه الأسواق في بلاد الشام مترابطة اقتصادياً وعضوياً، توسعت آفاق أعمال عبد الرحمن الغرايبة لتتجاوز الحدود الوطنية. امتدت نشاطاته التجارية لتصل إلى مدينتي حيفا والخليل العريقتين في فلسطين، حيث كان يتبادل السلع والبضائع مع التجار هناك. كانت هذه التجارة ترتكز في المقام الأول على الثقة الشخصية والسمعة الطيبة، قبل العُقود الرسمية، مما أسهم بشكل فاعل في تعزيز حركة سوق إربد وربطها بالأسواق الإقليمية الحيوية في تلك الفترة.

ومع تطور الحركة التجارية في المدينة، غدا عبد الرحمن الغرايبة من الوجوه المرموقة والمعروفة في الساحة الاقتصادية الإربدية، وكان في طليعة التجار الذين ساهموا في دعم النشاط الاقتصادي المحلي وتنشيطه. وتأكيداً لدوره المؤسسي، كان عضواً في غرفة تجارة إربد، وهي المؤسسة العريقة التي لعبت دوراً محورياً في تنظيم العمل التجاري وتمثيل مصالح قطاع التجار في المدينة.

رحلة التحول الكبير: من حبة الخردل إلى الصرح الشامخ:

لقد كانت البداية متواضعة جداً في مظهرها قبل عام 1973 م ، لكنها كانت مدفوعة بطموح لا يحده أفق. انطلق المرحوم عبد الرحمن بمحل بقالة صغير دكان يقع مقابل دائرة الجوازات القديمة في شارع عمر بن الخطاب.

ومع حلول عام 1973 م، بدأت الملامح الكبرى للسوق بالتبلور والوضوح، حين اتخذ الحاج عبد الرحمن قراراً استراتيجياً ومفصلياً بإنشاء مجموعة من المحلات التجارية في ذات الموقع. كان هذا القرار بمثابة نقطة تحول جوهرية، انتقل بها النشاط من التجارة العامة والبقالة إلى التخصص الدقيق والاحترافي في عالم الجمال والأناقة.

وفي عام 1978 م، خطى خطوة تاريخية أخرى بتأسيس سوق الغرايبة رسمياً، عاكفاً على تطويره وتحويله تدريجياً ليصبح نواة لسوق تجاري متكامل. ومع ازدهار الحركة التجارية، واكب المرحوم هذا التطور بإنشاء طابق ثانٍ للسوق.

موقع سوق الغرايبة

اليوم، يمتد السوق جغرافياً وبشكل مهيب، من شارع ابن زيدون الموازي لشارع السينما من الجهة الجنوبية، ويلتقي مع شارع عمر بن الخطاب في قلب المدينة النابض. ويصل عدد محلاته حالياً إلى أكثر من 25 محلاً تجارياً، تتوزع على الطابقين وتضج بالحياة والحركة اليومية، حيث يلعب السوق منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي دوراً حيوياً ومحورياً في تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة برمتها.

عائلة الغرايبة: ريادة تاريخية وسبق حضاري موثق:

إن ارتباط اسم السوق بالعائلة لم يأتِ من فراغ أو محض صدفة، بل هو نتاج طبيعي لملكية واسعة ومساهمة تجارية فاعلة ومتجذرة في هذا الشارع الاستراتيجي. وتشير السجلات والوثائق التاريخية بوضوح إلى أن تجار عائلة الغرايبة كانوا من الرواد الأوائل والسبّاقين الذين أدخلوا أنظمة وآليات التجارة الحديثة إلى مدينة إربد.

وفي زمن غابر كانت فيه خدمات الاتصال تقتصر على كبرى المؤسسات والدوائر، سجلت السجلات والوثائق القديمة أرقام هواتف خاصة بمحلاتهم التجارية، مما يعكس بوضوح مكانتهم الاقتصادية المرموقة، ودورهم الريادي في ربط المدينة بشبكة التجارة الحديثة والمتطورة في وقت مبكر.

الهوية التجارية: الملاذ الأول والأخير لكل عروس:

ما يمنح سوق الغرايبة بصمته الفريدة ويجعله جوهرة مكنونة هو تخصصه الدقيق والعميق، الذي جعل منه مقصداً إجبارياً لا يغيب عن بال الباحثين والباحثات عن التميز والرقي. تتركز المعروضات والخدمات في السوق على محاور أساسية تلبي أرقى الأذواق:

المكياج وأدوات التجميل: تشكيلة باهرة وواسعة من أرقى الماركات العالمية، تشمل كل ما تحتاجه المرأة من ماسكارا، وآيلاينر، وكونسيلر، وكريمات أساس ذات جودة عالية.

العطور والساعات: عالم ساحر من الروائح الزكية والنفيسة، وأحدث التصاميم العصرية والبدعية لساعات اليد.

الإكسسوارات والزينة: مجموعة متكاملة ومبهرة من الإكسسوارات النسائية، والورود الصناعية الزاهية، والكلف الراقية التي تشبع كافة الأذواق والمناسبات.

تجهيز العرائس: يمثل السوق المحطة الشاملة، المتكاملة، والأولى بلا منازع، لكل ما تحتاجه العروس لتجهيز نفسها وتألقها بأبهى صورة في ليلة العمر.

الموقع الاستراتيجي وتكامل النسيج التجاري:

يستمد السوق أهميته البالغة وعناصر جذبه من موقعه المتوسط والحيوي في قلب مدينة إربد. إنه يتربع وسط نسيج تجاري متنوع ومتكامل، حيث تجاوره محلات الألبسة، والأحذية، والحقائب، بالإضافة إلى صالونات الحلاقة وورش الخياطين. هذا التنوع المحيط جعل من السوق مركزاً حيوياً، وقطباً جاذباً لا يمكن تجاوزه أو تخطيه عند الحديث عن تجربة التسوق الحقيقية في وسط المدينة.

الإرث الخالد والقيم الإنسانية النبيلة للمؤسس:

لقد كان المرحوم عبد الرحمن الغرايبة نموذجاً فذاً لجيل من الرجال الذين بنوا أمجادهم التجارية بصبر، واجتهاد ، وعلى أسس راسخة من الاستقامة. عرفه كل من تعامل معه بأنه رجل هادئ الطباع، متزن في قراراته، قريب من قلوب الناس، ويحرص كل الحرص على التعامل مع الآخرين بمنتهى الاحترام والتقدير.

كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن نجاح التاجر الحقيقي لا يُقاس بحجم الأرباح المادية وحسب، بل يرتكز بالدرجة الأولى على السمعة الطيبة والصدق والاستقامة المطلقة في التعامل. كما عُرف بقلبه الكبير وميله الفطري لمساعدة الآخرين، وخاصة التجار الشباب الذين كانوا في بداية طريقهم الشاق في السوق، حيث كان لا يبخل عليهم بالنصح الصادق والخبرة العميقة التي اكتسبها عبر عقود طويلة من العمل الدؤوب.

انتقل المرحوم إلى رحمة الله تعالى ورضوانه عام 2013 م ، بعد حياة حافلة ومديدة امتدت لأكثر من تسعين عاماً، شهد خلالها وعاصر تحولات تاريخية كبرى في مسيرة الأردن والمنطقة. وبقي اسم سوق الغرايبة شامخاً، وشاهداً حياً على رؤيته الثاقبة، وإسهامه الجليل في ازدهار مدينة إربد التجارية، ليظل حضوره العطر حياً ونابضاً في ذاكرة المدينة وفي سجل تاريخها الاقتصادي والاجتماعي.

كلمة وفاء وشكر مستحق:

ختاماً، لا يسعنا إلا أن نتقدم ببالغ الشكر وعظيم التقدير للسيد عبد الله الغرايبة، أحد القائمين على إدارة السوق، الذي تفضل علينا وزودنا بهذه المعلومات التاريخية الدقيقة والقيمة، لنتمكن من توثيق هذا المعلم التجاري العريق، وسيرة مؤسسه الفذ، كقصة نجاح ملهمة سطرتها عائلة الغرايبة بمداد من ذهب في سجل تاريخ الأردن الاقتصادي. رحم الله عبد الرحمن عبد الله الغرايبة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لمدينته ووطنه، وجعل الجنة مثواه.

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:

  1. مقابلة شخصية وحصرية مع السيد عبد الله الغرايبة ، أحد القائمين على إدارة السوق ، إربد ، نيسان 2026 م .
  2. سجلات الرخص التجارية والمهنية الرسمية الصادرة عن بلدية إربد الكبرى ، مغطية فترات زمنية مختلفة وعقوداً متباينة .
  3. جولة ميدانية تفصيلية وتوثيق بصري دقيق قام به الأستاذ قيصر صالح الغرايبة لشارع عمر بن الخطاب ومنطقة وسط المدينة ، آذار 2026 م .
  4. البيانات التجارية الرسمية والموثقة عبر منصة دلوني الأردنية المتخصصة بأسواق مدينة إربد .
  5. التاريخ الشفوي الموثوق والمتوارث جيلاً بعد جيل من وجهاء وكبار تجار عائلة الغرايبة العريقة في محافظة إربد .
  6. السيرة التاريخية والشخصية الموثقة للمرحوم عبد الرحمن عبدالله الغرايبة 1917 – 2013 ، مؤسس وباني سوق الغرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.