في قراءة متأنية لهذه الوثيقة التاريخية التي يعود تاريخها إلى الرابع عشر من تشرين الأول لعام (1958) م، نجد أنفسنا أمام أكثر من مجرد إعلان وفاة، نحن أمام بوابة تفتح لنا سجلات الذاكرة لجيل العصاميين الأوائل في شمالنا الحبيب. إنها سيرة المرحوم الحاج سليم الفارس الغرايبة، الرجل الذي صاغ قصة نجاحه بجهده وعرقه في زمن كانت الأرض فيه هي المبتدأ والخبر.

المرحوم الحاج سليم الفارس الغرايبة: حكاية كفاح أزهرت بين سنابل حوارة

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

نص الوثيقة التاريخية:

" مصطفى ويوسف الغرايبة وعموم عشيرة الغرايبة في إربد - حوارة - المغير ينعون بوفاة الحاج سليم الفارس الغرايبة وستشيع جنازته في تمام الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر اليوم الواقع في 14 / 10 / 1958 م - في حوارة. وإنا لله وإنا إليه راجعون “.

الحاج سليم الفارس الغرايبة

في قراءة متأنية لهذه الوثيقة التاريخية التي يعود تاريخها إلى الرابع عشر من تشرين الأول لعام (1958) م، نجد أنفسنا أمام أكثر من مجرد إعلان وفاة، نحن أمام بوابة تفتح لنا سجلات الذاكرة لجيل العصاميين الأوائل في شمالنا الحبيب. إنها سيرة المرحوم الحاج سليم الفارس الغرايبة، الرجل الذي صاغ قصة نجاحه بجهده وعرقه في زمن كانت الأرض فيه هي المبتدأ والخبر.

دلالات النعي والوعي الحضاري:

يستوقفنا في هذه الوثيقة جانب حضاري لافت، وهو الاعتماد على " بطاقات النعي المطبوعة " أو الإعلانات الورقية الموزعة في وقت مبكر جداً (عام 1958) م في بلدة (حوارة) . إن استخدام هذا الأسلوب في النعي وتوزيعه في أماكن مختلفة من البلدة يعكس التطور الذي وصلت إليه عشيرة الغرايبة، ومدى انفتاحها المبكر على الحواضر الكبرى والدول المجاورة.

كما يحمل هذا الإعلان دلالات دينية واجتماعية عميقة، فهو يهدف إلى إشهار الوفاة على أوسع نطاق، ليس فقط لجمع الناس في مراسم التشييع، بل لفتح الباب أمام من له حقوق أو التزامات مادية على المتوفى لمراجعة ذويه، وهو ما يُعرف بـ " تبرئة الذمة “، مما يعكس رقي الوعي القانوني والشرعي والحرص على الأمانة في ذلك المجتمع القروي المترابط.

جذور عابرة للحدود:

تشير الروايات الشفوية المتواترة إلى أن الحاج سليم قد أبصر النور (تقديراً) في العقد السابع من القرن التاسع عشر الميلادي. ومن لفتات القدر الجمالية أن والدته هي السيدة (آمنة الحميد الجهماني)، ابنة مدينة (نوى ) السورية القابعة في قلب سهل حوران (تتبع إدارياً لمحافظة درعا) . هذا الامتداد يجسد وحدة النسيج الاجتماعي والترابط الجغرافي بين إربد ودرعا، حيث لم تكن الحدود السياسية لتقف عائقاً أمام صلات القربى والمصاهرة.

ونشأ الحاج سليم في بيت عز محاطاً بأشقائه: (إبراهيم، والعبد، وسليمان، ومحمد). كما تذكر الروايات أن والده فارس الإبراهيم كان متزوجاً من السيدة (رحمة العلي الشحادة الغرايبة)، والتي أنجبت (ذهيبة الفارس) والدة المختار المرحوم سعيد الغرايبة ووحيد الغرايبة.

رحلة إيمانية عبر البحار وحكاية تميز:

يُعد المرحوم الحاج سليم من أوائل الرعيل الذين شدوا الرحال إلى بيت الله الحرام في ظروف تطلبت عزيمة صادقة. وقد جسدت رحلته الإيمانية مساراً مختلفاً عما كان سائداً بالتوجه جنوباً عبر الصحراء، حيث انتقل المرحوم الحاج سليم الفارس الغرايبة في رحلة الحج براً من بلدته (حوارة) متوجهاً نحو الشمال الغربي إلى ميناء (حيفا) الفلسطيني. ومن ميناء حيفا، ركب البحر متن تضحيات السفر عبر السفينة التي أبحرت به وصولاً إلى ميناء (جدة)، ومن ثم أتم مناسك الحج في مكة المكرمة.

وفي تفاصيل هذه الرحلة البحرية التاريخية، تروى حكاية نادرة تؤكد دماثة خلق الحاج سليم وتميزه، فبينما كانت السفينة تشق طريقها من حيفا إلى جدة وعلى متنها جموع الحجيج، جرت مسابقة أو اختيار " لأفضل حاج " راكب على السفينة. كان المعيار في هذا الاختيار هو التميز بالأدب الرفيع، والأخلاق العالية، وروح التعاون، والتطوع لمساعدة الآخرين في أمور السفينة المختلفة. وبفضل ما حباه الله من سجايا كريمة وخلق حسن ، حاز الحاج المرحوم سليم الفارس الغرايبة على هذه الجائزة التقديرية كـ " أفضل حاج " على متن الرحلة. وكانت الجائزة عبارة عن مبلغ مالي تمثل في استرداد كامل لرسوم الرحلة وتكاليف السفر، وكان في ذلك الوقت يبلغ ثلاث دنانير (غير محددة المصدر أو الدولة التي تعود لها) . وقد كانت رحلة العودة بذات الطريق عبر ميناء جدة ثم بحراً إلى حيفا ومنها براً إلى دياره، حاملاً معه بركة الحج ووسام الأخلاق الرفيعة.

بين الأرض والسنابل: رحلة العلم والعمل:

لم يكن الحاج سليم الفارس الغرايبة رجلاً عادياً، بل كان نموذجاً للإنسان المرتبط بترابه، وكما روي لنا من الأجداد أنه قد تلقى العلم ودرس في "كتاتيب" جامع أحمد باشا الجزار في مدينة عكا الفلسطينية.

وتشير بعض الروايات أيضاً إلى أن طموحه العلمي قد قاده للسفر والدراسة في (إسطنبول) ، عاصمة الخلافة العثمانية آنذاك، لفترة بسيطة من الوقت، مما أضفى على شخصيته ثقافة واسعة. إلا أن شغفه الحقيقي ظل مخلصاً لفلاحة الأرض، فكانت سنابل القمح في حوارة هي شاهده الأكبر على عنائه وجلده.

وبفضل هذه الحكمة، أصبح مرجعاً لعشيرته (الغرايبة) في إربد وحوارة والمغير، حيث كانت تُستشار حكمته في الأمور الخاصة والعامة، مستمداً وقاره من بركة الأرض وقوة الانتماء.

مستودع الأمانات وراعي العيال:

إلى جانب مكانته العشائرية وعصاميته، تميز المرحوم الحاج سليم بخلق رفيع وأمانة متناهية جعلت منه محط ثقة مطلق ومستودعاً لأسرار وأموال أهل بلدته. فقد كان معظم الناس يستأمنونه على أثمن ما يملكون ، ففي حالات خروج أي شخص من بلدة حوارة للسفر أو لأي شأن آخر، كان يضع ويؤمن أماناته ومقتنياته الثمينة عند الحاج سليم الفارس الغرايبة لثقته التامة بحفظه لها. ولم يقتصر الأمر على المال فحسب، بل كان الشخص المسافر أحياناً يؤمن " عياله " (أهله وأطفاله) تحت رعاية وحماية الحاج المرحوم سليم الفارس الغرايبة طوال فترة غيابه، لما عرف عنه من مروءة وشهامة وحرص على الجار والقريب.

إرث ممتد: الأبناء والبنات:

لقد بارك الله في نسل المرحوم، فترك وراءه غراساً طيبة من الأبناء والبنات الذين حملوا ذكره الطيب. فمن زوجته الأولى السيدة (حسنة أبو البصل - البصول -)، أنجب كلاً من: (مصطفى، يوسف، آمنة، فاطمة، وبدرة). أما من زوجته الثانية السيدة ( زينب طلافحة) ، فقد أنجب ابنته (نوفة). هذا البناء الأسري المتين كان الركيزة التي استند إليها الحاج سليم في حياته العصامية.

السمات الشخصية: الشايب الأحمر:

تميز الحاج سليم بشخصية قوية ومستقلة، لا تعرف الاتكال على الآخرين. كان معتداً بأصله، فخوراً بعائلته، واثقاً بقدراته. ولوسامته الملحوظة وجمال طلته مع تقدمه في السن، أطلق عليه محبوه لقب (الشايب الأحمر)، وهو لقب يجمع بين مهابة الشيب وحيوية الملامح التي صبغتها شمس حوران.

الشايب الأحمر

رحيل الفارس وبقاء الأثر:

ترجل الفارس عن صهوة الحياة في يوم مشهود من أيام خريف عام (1958) م، وتحديداً في الرابع عشر من تشرين الأول ، حيث ووري ثرى بلدته (حوارة) التي أحبها وأعطاها من ريع شبابه وكد يده. رحل الحاج سليم الفارس الغرايبة جسداً، لكنه ترك وراءه سيرة تُروى للأجيال عن معنى العصامية والاعتداد بالذات والأمانة والخلق الرفيع. لقد غاب " الشايب الأحمر " عن مجالسنا، لكن صدى حكمته لا يزال يتردد في سنابل القمح التي رعاها، وفي قلوب أحفاده الذين يحملون إرثه بكبر وفخر.

رحم الله الحاج سليم، وجعل مثواه الجنة، فما زالت سيرته كعطر حوران، تفوح طيباً كلما قُلبت صفحات التاريخ.

المصادر والمراجع:

  1. وثيقة إعلان وفاة ورقية قديمة صادرة بتاريخ (14 / 10 / 1958) م. (مصدر الوثيقة: أرشيف المرحوم الحاج غازي مصطفى الغرايبة)
  2. مقابلة خاصة مع السيد مهند غازي الغرايبة (أحد أبناء حفيد المرحوم الحاج سليم الفارس الغرايبة)، للحصول على تفاصيل رحلة الحج، مسابقة متن السفينة، ومعلومات الأمانة.
  3. الروايات المتواترة من أعيان وكبار السن في عشيرة الغرايبة (فيما يخص تقدير تاريخ الولادة واسم عائلة الوالدة، واللقب)
  4. السجلات التاريخية لمنطقة حوارة وإربد (الحقبة الفلاحية)
  5. الأستاذ قيصر صالح الغرايبة (صاحب المقال) ، ما يحفظه في ذاكرته كما سمعها من الآباء والأجداد
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.