لا يمثل سوق البخارية في مدينة إربد مجرد حيز جغرافي لممارسة التجارة، بل هو ” عنوان بارز ” في ذاكرة المكان، وملتقى وجداني للعائلات الإربدية عبر العقود. إنه شاهد عيان حي على تحولات “عروس الشمال“، وتطورها من بلدة وادعة إلى مركز حضري كبير، حاملاً في زواياه قصص الهجرة، التنظيم، والنهوض من بين الركام.

سوق البخارية في إربد .... ذاكرة الوجدان ومعلم التراث العصي على النسيان

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​​لا يمثل سوق البخارية في مدينة إربد مجرد حيز جغرافي لممارسة التجارة، بل هو " عنوان بارز " في ذاكرة المكان، وملتقى وجداني للعائلات الإربدية عبر العقود. إنه شاهد عيان حي على تحولات "عروس الشمال“، وتطورها من بلدة وادعة إلى مركز حضري كبير، حاملاً في زواياه قصص الهجرة، التنظيم، والنهوض من بين الركام.

سوق البخارية في إربد

الجذور والنشأة: من بخاري إلى تل إربد

​تعود بشائر تأسيس السوق إلى مطلع القرن العشرين، تزامناً مع قدوم عائلات من مدينة بخارى في أوزبكستان، مثل عائلة خليل البخاري، الذين استقروا في إربد طلباً للأمان. أقيم السوق في بداياته قرب "تل إربد" التاريخي، حيث بدأ بمجموعة دكاكين صغيرة داخل "بركسات" وبسطات متواضعة موازية لمبنى البلدية القديم.

الجذور والنشأة

عهد " البراكيات" وتنظيم مفلح السعد عام 1949 م:

​شهد عام 1949 م تحولاً تنظيمياً لافتاً بمبادرة من المرحوم مفلح السعد، حيث تم إنشاء ما عرف بـ "البراكيات" المصنوعة من الزينكو والصاج. كانت هذه المحلات تمتد على مساحات ضيقة لا تتجاوز المترين، وبأجرة رمزية بلغت ديناراً واحداً سنوياً، مما ساهم في ازدهار النشاط التجاري وتدفق البضائع من سوريا ولبنان وفلسطين.

البراكيات

الحريق الكبير والنهوض في شارع الهاشمي:

​في بداية الستينات، واجه السوق امتحاناً صعباً إثر نشوب حريق هائل أتى على " البراكيات " ومحتوياتها، وهي الحادثة التي استنفرت إطفائيات النجدة من عمان والقدس. وعلى إثر هذا المصاب، وبروح المسؤولية الوطنية، قدم المرحوم محمود باشا الغرايبة عرضاً لبناء سوق حديث من الخرسانة المسلحة في موقعه الحالي بشارع الهاشمي.

​وفي هذا السياق التاريخي، وبناءً على ما أفاد به الدكتور زكريا غالب الغرايبة، فإن قطعة الأرض التي شُيد عليها سوق البخارية الحالي كانت تعود ملكيتها أصلاً لجده المرحوم رشيد محمود الغرايبة، والذي باعها للمرحوم الباشا محمود الخالد الغرايبة ليتم إنشاء هذا المعلم الحضاري عليها. وبحلول عام 1964 م، انتقل التجار رسمياً إلى السوق الجديد، لتبدأ مرحلة جديدة من عمر هذا المعلم العريق.

الحريق الكبير والنهوض

​ عبق الماضي في بضائع الحاضر:

​يحتفظ السوق حتى يومنا هذا بمزيج فريد من المعروضات التي ترفض الاندثار. فهو موئل لوازم الخياطة، العطور، وأدوات الحلاقة القديمة، إلى جانب الحرف اليدوية النادرة كصناعة السيوف والشباري، والأمشاط التقليدية المعروفة بـ "سن الفيل"، فضلاً عن المسابح والخردوات التي تجمع بين الأصالة والحداثة.

عبق الماضي في بضائع الحاضر

​ القيمة الاجتماعية: سوق العرائس وملتقى الأجيال:

​يظل سوق البخارية المقصد الأول للعائلات لتجهيز " كسوة العرس “، وهو ما يمنحه قيمة عاطفية كبرى. ويروي المعمرون كيف كانت الرحلة إلى السوق قديماً تمثل "حدثاً سياحياً " ، حيث كان أهالي القرى المحيطة بإربد يقطعون مسافات تصل إلى 15 كم على ظهور الخيول للوصول إليه. هذا الارتباط الوثيق حافظ عليه تجار مثل محمود البخاري، الذين توارثوا المحلات كأمانة تاريخية.

​ التحديات واستشراف المستقبل:

​رغم عراقة السوق، إلا أنه يواجه خطر فقدان طابعه التراثي نتيجة غياب الاهتمام الكافي بالحرف التقليدية. وهناك مطالبات مستمرة من قبل التجار والمجتمع المحلي لوزارة السياحة والجمعية الأردنية للمحافظة على التراث، بضرورة دعم الحرفيين وإعادة إحياء الصناعات اليدوية، لضمان بقاء السوق معلماً سياحياً ينبض بالحياة.

التحديات واستشراف المستقبل

​إن سوق البخارية ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل هو سجل لتاريخ إربد، بدأ من رماد الحريق ليقف شامخاً بفضل رؤية رجالاتها. سيبقى هذا السوق " أردني الهوية " بلمسات " بخارية “، يربط بين ذكريات الأجداد وتطلعات الأبناء في قلب عروس الشمال.

​قائمة المصادر والمراجع:

  1. ​ الأرشيف التاريخي لبلدية إربد الكبرى ، سجلات التنظيم والأسواق.
  2. مذكرات وشهادات شفوية من تجار سوق البخارية (إربد)
  3. إفادة الدكتور زكريا غالب الغرايبة، حول ملكية أرض السوق.
  4. وثائق تاريخية حول حريق سوق إربد القديم (مطلع الستينات)
  5. الأبحاث الميدانية للأستاذ قيصر صالح الغرايبة، توثيق معالم إربد.
  6. موسوعة التراث الشعبي الأردني، مادة الأسواق التقليدية
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.