يُعد القضاء العشائري في الأردن واحداً من أرسخ الركائز الاجتماعية والتاريخية التي حفظت السلم الأهلي، وصانت دماء الناس، وأعراضهم، وأموالهم عبر قرون خلت. لم يكن هذا القضاء يوماً مجرد أحكام اعتباطية تُفرَض بسطوة القوة، بل كان منظومة قانونية متكاملة غير مكتوبة، استمدت روعتها وقوتها من الوعي الجمعي، والتقاليد العربية الأصيلة، ومبادئ الدين الحنيف. وبالرغم من قيام الدولة الأردنية الحديثة وتطور جهازها القضائي النظامي، إلا أن القضاء العشائري ظل صمام أمان يساند القانون، ويسهم بفاعلية في وأد الفتن وحل النزاعات المعقدة التي قد تعجز القوانين المدنية الجامدة عن مداواة جروحها الاجتماعية الغائرة.

​القضاء والصلح العشائري في الأردن .... ميزان العدالة والأعراف في الوجدان الشعبي

​بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​​يُعد القضاء العشائري في الأردن واحداً من أرسخ الركائز الاجتماعية والتاريخية التي حفظت السلم الأهلي، وصانت دماء الناس، وأعراضهم، وأموالهم عبر قرون خلت. لم يكن هذا القضاء يوماً مجرد أحكام اعتباطية تُفرَض بسطوة القوة، بل كان منظومة قانونية متكاملة غير مكتوبة، استمدت روعتها وقوتها من الوعي الجمعي، والتقاليد العربية الأصيلة، ومبادئ الدين الحنيف. وبالرغم من قيام الدولة الأردنية الحديثة وتطور جهازها القضائي النظامي، إلا أن القضاء العشائري ظل صمام أمان يساند القانون، ويسهم بفاعلية في وأد الفتن وحل النزاعات المعقدة التي قد تعجز القوانين المدنية الجامدة عن مداواة جروحها الاجتماعية الغائرة.

القضاء والصلح العشائري في الأردن

خصائص القضاء العشائري الأردني:

​تتجلى عبقرية هذا النظام في سمات فريدة جعلته قادراً على الصمود والاستمرار، ومن أبرزها:

  • ​سرعة البت في القضايا: يتميز بالحسم السريع لمنع تفاقم الأزمات ، وتطويق ردود الفعل الثأرية الغاضبة.
  • الطابع التصالحي: لا يهدف القضاء العشائري إلى العقاب المجرد، بل يرمي في جوهره إلى " تطييب الخواطر " وإعادة الوئام المفقود بين الأطراف المتنازعة.
  • المسؤولية التضامنية: تقع المسؤولية المادية والمعنوية على العشيرة بأكملها وليس على الجاني وحده، مما يشكل رادعاً جماعياً لكل فرد من أفرادها.
  • الالتزام الطوعي: تنبع قوة الأحكام ونفاذها من الهيبة الأدبية للشيوخ والقضاة، والتقديس الفطري الذي توليه القبيلة لكلمتها ومواثيقها.

​أركان العملية القضائية والصلح العشائري:

​تعتمد المحاكمات العشائرية على مصفوفة من الإجراءات والمصطلحات الدقيقة التي تضمن سير العدالة وحقن الدماء:

  • ​كفيل الدفا (كفيل المنعة والدم): هو الوجيه الذي يتعهد ويضمن حماية الجاني وأهله من أي اعتداء أو ثأر قد يُشن عليهم من طرف أهل المجني عليه. وإذا حدث أي اعتداء في ظل كفالته، يُعتبر ذلك إهانة شخصية بالغة له تسمى " تقطيع وجه “، وتستوجب أحكاماً مغلظة.
  • كفيل الوفا (كفيل الأداء والمال): هو الشخص الذي يتعهد ويضمن التزام الجاني وعشيرته بدفع كافة المبالغ المادية المترتبة عليهم (كالدية أو تعويضات الأضرار)، بالإضافة إلى الالتزام بشروط الصلح الأخرى كعدم تكرار الإساءة.
  • العطوة العشائرية: هي الهدنة الأمنية المؤقتة التي تُعطى من أهل المجني عليه بوساطة شيوخ ووجهاء (الجاهة)، وتمنع بموجبها أي أعمال ثأرية ريثما يتم الفصل في القضية.
  • الجلوة العشائرية: وهي من أقسى الأحكام العشائرية، وتتمثل في ترحيل الجاني وأقاربه عن منطقة سكن عشيرة المجني عليه حقناً للدماء، ومنعاً للاحتكاك المباشر الذي قد يؤجج الصراع.
  • التشميس (الشخص المُشمّس) : وهو إجراء صارم تلجأ إليه العشيرة للتبرؤ من أحد أفرادها كثير المشاكل والاعتداءات، لرفع الغطاء العشائري والحماية عنه رسمياً أمام سائر العشائر والدولة، فلا تلتزم العشيرة بدفع أي تعويضات عن جرائمه ولا تتدخل لحمايته.
  • الصلح العشائري: هو الغاية الأسمى التي تتوج برفع الرايات البيضاء، وشرب القهوة، والمصافحة إعلاناً رسمياً لطي صفحة الخلاف وغسل القلوب من الأحقاد.
الصلح العشائري

تصنيفات القضاة العشائريين وتخصصاتهم:

​تخصص القضاء العشائري بذكاء وفطرة في فرز القضاة حسب نوع الجريمة والنزاع، ومن أبرزهم:

  • ​قاضي القلطة: وهو المرجع القضائي الأعلى ، ويختص بالنظر في القضايا الكبرى والمستعصية ، وله صلاحية تبديل الأعراف أو سن أعراف جديدة تناسب النوازل الطارئة.
  • مبيّض الوجوه: وهو القاضي الذي ينظر في قضايا " تقطيع الوجه " (أي نكث العهود، أو الاعتداء على شخص في جوار أو حماية شخص آخر)، وتعد أحكامه غليظة جداً للحفاظ على هيبة الكفالات.
  • قاضي الدم (المنشد): ويختص بالنظر في قضايا القتل، والدم، والاعتداءات الجسدية البالغة.
  • قاضي العرض (المسوّر): ويختص بالنظر في قضايا العرض والاعتداء على الحرمات، وتكون أحكامه صارمة ومغلظة صيانةً للشرف الرفيع.
  • قاضي الرسان (أهل الرسن): وهم القضاة المتخصصون في حل النزاعات المتعلقة بالخيول، والمواشي، والحدود الزراعية.

​مَن يتولى القضاء وما هي صفاته؟

​يتولى القضاء عادة كبار الوجهاء، وأصحاب الفراسة، وورثة القضاء (بيوتات القضاء). ويُشترط فيمن يجلس في "مسند" القضاء العشائري أن يتحلى بصفات أخلاقية ومهارية استثنائية، من أبرزها:

  • ​ العدل والنزاهة المطلقة التي لا تميل مع الهوى.
  • قوة الذاكرة لحفظ السوابق القضائية والأعراف المبني عليها الأحكام.
  • الفراسة والنباهة لتمييز الصادق من الكاذب.
  • البلاغة وفصل الخطاب لصياغة الحكم بعبارات موجزة بليغة لا تقبل التأويل.
  • سعة الصدر والأناة للاستماع لكافة الخصوم.

​نماذج على قضاة العشائر في الأردن:

​اشتهر الأردن عبر تاريخه بوجود رجالات وقضاة عشائريين سارت بذكر أحكامهم الركبان، وشكلوا مراجع قضائية يُحتكم إليها في الملمات:

نماذج من قضاة شمال الأردن:

​حظي شمال الأردن ببيوتات قضاء ورجالات عُرفوا بالدهاء والنزاهة والقدرة على فصل الخصومات، ومنهم:

  • ​الشيخ مفلح السالم البطاينة (البارحة - إربد): قاضٍ عشائري مشهور من رجالات الشمال ، عُرف بالحكمة والقدرة على فصل الخصومات المعقدة.
  • الشيخ تركي الكايد العبيدات (كفر سوم - إربد): جمع بين الزعامة الوطنية والقضاء العشائري، واشتهر بإنصاف المظلومين.
  • الشيخ سعد العلي البطاينة (إربد): كان مرجعاً في حل النزاعات العشائرية في منطقة الشمال.
  • الشيخ خلف محمد التل (إربد): الذي عُرف بفرط ذكائه وحرصه على إرساء الصلح بين العشائر.

​دور رجالات عشيرة الغرايبة في الشمال:

​ولم تكن عشيرة الغرايبة بمعزل عن هذا الدور الإنساني والوطني النبيل، إذ أفرزت من كبارها شخوصاً رسخوا مبادئ الصلح ووئام المجتمع في محافظة إربد وتحديداً في بلدة حوارة. وقد كان كبار العشيرة، ومخاتيرها، وهيئة الاختيارية الخاصة بها يُعدون من كبار وجهاء المنطقة، ومقصداً دائماً لحل النزاعات المعقدة، وفصل الخصومات المستعصية، وإبرام العطوات العشائرية. لقد سخر هؤلاء الوجهاء ورجالات الهيئة حياتهم بصدق لإصلاح ذات البين، وبذلوا جهوداً مباركة في حفظ السلم والوئام على مستوى العشيرة وكذلك في محيطهم الاجتماعي الأوسع.

رجالات عشيرة الغرايبة

​نماذج من قضاة الأردن بشكل عام والبادية:

  • ​الشيخ حديثة الخريشا (من شيوخ بني صخر): من أشهر قضاة البادية الأردنية ، عُرف برجاجة العقل والهيبة العظيمة في إبرام الصلح.
  • الشيخ عودة أبو تايه (من شيوخ الحويطات): ارتبط اسمه بالفروسية ولكنه كان أيضاً مرجعاً قضائياً مهاباً في جنوب الأردن.
  • الشيخ مثقال الفايز (من شيوخ بني صخر): الذي لعب دوراً كبيراً في توطيد السلم العشائري في وسط الأردن.

​مراسم عقد جلسات الصلح العشائري (بروتوكول التسامح):

​تُعد جلسة الصلح العشائري بمثابة "المحكمة الشعبية الكبرى" التي تُعلن فيها نهاية النزاع رسمياً، وتخضع لبروتوكول صارم موروث عبر الأجيال:

​مراسم التحضير والانطلاق (الجاهة):

​تبدأ المراسم بتشكيل ما يُعرف بـ "الجاهة " ، وهي وفد رفيع المستوى يضم شيوخ العشائر ، والوجهاء ، يتوجهون جميعاً إلى ديوان عشيرة المجني عليه بعد أخذ الموافقة المسبقة لضمان السير الآمن للإجراءات.

​فتح المجلس والحديث الافتتاحي:

  • ​فنجان القهوة المتروك: يوضع الفنجان أمام خطيب الجاهة على الأرض دون شربه ، إشارة عرفية تعني " لن نشرب قهوتكم حتى تقبلوا طلبنا في الصلح “.
  • خطبة الجاهة: يقف المتحدث باسم الجاهة طالباً التكرم بالصفح وقبول الصلح حباً وكرامة.
  • الرد من أهل الحق: يقف متحدث باسم أهل المجني عليه، ويرد بكلمات ترحب بالجاهة وتنزع الأحقاد، ويختم بالنزول عند رغبة الوجوه الكريمة، وهنا يطلب من الشيخ أن يشرب فنجانه، فيشربه إعلاناً بقبول المبدأ.

​تلاوة صك الصلح وتحديد الشروط:

  • ​تحديد الدية أو التعويضات: يتم الاتفاق على المبالغ المادية المفروضة ، وهنا يتجلى كرم العشائر الأردنية بالتنازل عن أجزاء كبيرة من المبلغ إكراماً للجاهة.
  • كتابة الصك وتوقيعه: يُكتب " صك الصلح " بعبارات حاسمة تمنع تجدد الخلاف، ويوقعه كبار العشيرتين، والشهود، والكفلاء.

​طقوس الختام وإعلان الوئام:

  • ​ المصافحة والمعانقة: لكسر حاجز الخوف والكره وغسل القلوب بين المتخاصمين.
  • ربط الراية (تبييض الوجوه): يقوم أهل الجاني برفع راية بيضاء إشادةً بكرم أهل المجني عليه الذين عفوا وتنازلوا عن حقهم، ويُردد الجميع عبارة "بيّض الله وجوهكم “.
جلسات الصلح العشائري

إن القضاء والصلح العشائري في الأردن يمثل تراثاً إنسانياً وقانونياً ملهماً، استطاع أن يوفر الأمن والعدالة في فترات تاريخية غاب فيها حضور الدولة المركزية. واليوم، يتكامل هذا القضاء العرفي مع القضاء النظامي الحديث في الأردن ليشكل حالة فريدة من التناغم الاجتماعي، تضمن سيادة القانون من جهة، وتحافظ على وشائج القربى والصلح الأهلي المتين من جهة أخرى.

​قائمة المصادر والمراجع:

  1. ​ العبادي، أحمد. (القضاء العشائري في الأردن)
  2. الرقاد، علي. (الأعراف والتقاليد العشائرية الأردنية)
  3. أبو حسان، محمد. (تراث البدو القضائي: نظرياً وعملياً)
  4. دراسات مركز الأردن للبحوث والمأثورات الشفوية والاجتماعية في شمال الأردن.
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.