تظل الأوراق القديمة والوثائق التاريخية نوافذ نطل منها على ملامح زمن مضى، لكنه لم يرحل من الذاكرة. وبين أيدينا اليوم وثيقة اجتماعية نادرة من أرشيف الدكتور زكريا غالب الغرايبة، هي بطاقة دعوة لحفل عقد قران تعود لعام 1961م ، تجمع بين عائلتين كريمتين من رجالات إربد: الغرايبة والحلبوني. هذه الورقة البسيطة في مظهرها، العميقة في دلالاتها، كانت البداية لمسيرة رجل لم يكن عابراً في تاريخ الأردن، بل كان قامة علمية ووطنية فذة، هو المرحوم الدكتور حسن رشيد الغرايبة، أبو محمد.

وثيقة اجتماعية وتاريخية من أرشيف إربد

إربد .... ذاكرة الوفاء وقصة المجد: بطاقة فرح من عام 1961م توثق مسيرة الدكتور حسن رشيد الغرايبة .... سيرة الأرض والعلم والوفاء للجذور

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

تظل الأوراق القديمة والوثائق التاريخية نوافذ نطل منها على ملامح زمن مضى، لكنه لم يرحل من الذاكرة. وبين أيدينا اليوم وثيقة اجتماعية نادرة من أرشيف الدكتور زكريا غالب الغرايبة، هي بطاقة دعوة لحفل عقد قران تعود لعام 1961م ، تجمع بين عائلتين كريمتين من رجالات إربد: الغرايبة والحلبوني. هذه الورقة البسيطة في مظهرها، العميقة في دلالاتها، كانت البداية لمسيرة رجل لم يكن عابراً في تاريخ الأردن، بل كان قامة علمية ووطنية فذة، هو المرحوم الدكتور حسن رشيد الغرايبة، أبو محمد.
بطاقة دعوة حفل عقد القران
بطاقة الدعوة الأصلية — أرشيف تاريخي
١
بين الأمس واليوم: أدب التواصل

تأخذنا هذه البطاقة إلى زمن كانت فيه الكلمة المطبوعة هي جسر المحبة والتقدير، حيث كانت المطابع في الستينيات منتشرة والورق متداولاً بين الناس كوسيلة رسمية وحيدة لإعلان الأفراح وتمتين الروابط الاجتماعية. وعلى الرغم من الثورة الرقمية التي نعيشها اليوم، حيث حلت وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وماسنجر وواتساب والبريد الإلكتروني محل الورق، إلا أن لتلك البطاقة المطبوعة هيبة خاصة وقيمة توثيقية لا تمحوها سرعة التكنولوجيا. لقد كانت الدعوة الورقية تُحمل باليد، وتُحفظ في الصدور قبل الأرشيف، مما يمنح المناسبة ثقلاً اجتماعياً يفتقده التواصل الرقمي المعاصر.

٢
عشيرة الغرايبة: ريادة اجتماعية وفكر مستنير

تعكس هذه الوثيقة جانباً من تطور عشيرة الغرايبة واطلاعها المبكر على كل ما هو متقدم ومطور في الشأن الاجتماعي والتقني. ففي الوقت الذي كانت فيه المجتمعات تمر بمراحل انتقالية، كانت عشيرة الغرايبة تكرس تقاليد اجتماعية راقية تدمج بين الالتزام بالعادات العربية الأصيلة وبين الانفتاح على أدوات العصر، وهو ما يظهر جلياً في استخدام المراسلات المطبوعة والعناوين البرقية المسجلة، مما يعكس وعياً مؤسسياً وفكراً مستنيراً في إدارة الروابط الاجتماعية ومواكبة الحداثة منذ بدايات الدولة.

٣
ليلة من زمن الوفاء

في يوم الجمعة، الموافق 28 تموز من عام 1961م ، ازدانت منطقة جوار دائرة (مكتب) بريد إربد بوفود المهنئين الذين حضروا تلبية لدعوة السيد رشيد المحمود الغرايبة بمناسبة عقد قران ولده حسن على شقيقة السيد أكرم محمد سعيد الحلبوني. كان الحفل في منزل السيد سعدي الحلبوني، في وقت كانت فيه البيوت هي الحاضنة للأفراح، والقلوب هي المستقر للمودة. ومن الملاحظ في تلك البطاقة الإشارة إلى العنوان البرقي: غرايبة ، حلبوني – اربد ، مما يؤكد الوجاهة الاجتماعية والاطلاع الواسع لرجالات العشيرة آنذاك .

٤
سليل الأرض وسنابل حوران

العريس الذي احتفت به إربد آنذاك، هو الدكتور حسن الغرايبة، 1929 – 2005 م، ابن بلدة حوارة الأبية، سليل سهل حوران الذي شكل عبر التاريخ مخزن القمح ومصدر الخبز. نشأ في كنف والده الحاج رشيد الغرايبة، المزارع بالوراثة، ووالدته الحاجة خديجة الحسين، في بيت عُرفت فيه فلاحة الأرض وتربية الماشية بوصفها نمط حياة لا مجرد حرفة.

٥
رحلة العلم: من حوارة إلى العالم

تميز الدكتور حسن بتفوقه الدراسي، حيث انتقل من مدرسة إربد إلى مدرسة السلط الثانوية، ثم عاد ليحصل على الثانوية من مدرسة إربد ضمن أفواجها الأولى. اختار مواصلة طريق العلم، فسافر إلى جمهورية مصر العربية والتحق بجامعة القاهرة، كلية الزراعة. وبسبب تفوقه، أوفدته الحكومة إلى جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، حيث نال عام 1957م تأهيلاً علمياً متقدماً. ولم تتوقف طموحاته حتى حصل عام 1966م على درجة الدكتوراه في تربية الأغنام من جامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا.

٦
مسيرة عطاء في بناء الدولة

وضع الدكتور حسن علمه في خدمة الزراعة الوطنية، وتدرج في المناصب حتى أصبح أميناً عاماً لوزارة الزراعة خلال الفترة 1978 – 1980م . كما انتُدب للعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة مديراً للزراعة، وشغل منصب عضو في المجلس الوطني الاستشاري عام 1983م، والأمين العام المساعد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية بين عامي 1985 و 1990م.

٧
الرحيل والبقاء

في شباط من عام 2005 م ، ترجل الفارس عن صهوة جواده، ورحل الدكتور حسن الغرايبة تاركاً خلفه إرثاً علمياً ومهنياً كبيراً. إن هذه البطاقة التي نحتفظ بها اليوم من أرشيف الدكتور زكريا غالب الغرايبة، ليست مجرد ذكرى لزواج، بل هي توثيق لنهضة عشيرة ورجال بنوا بالعلم مجداً، وبالوفاء تاريخاً. سيبقى الدكتور حسن الغرايبة كالأشجار المثمرة، يعطي بصمت، ويبقى حاضراً في القلوب ما بقيت أرض تنبت الحياة.

قائمة المصادر والمراجع
  1. بطاقة دعوة حفل عقد قران السيد حسن رشيد المحمود الغرايبة ، إربد ، الصادرة بتاريخ 28 تموز 1961م .
  2. أرشيف الدكتور زكريا غالب الغرايبة ، مجموعة الوثائق التاريخية والاجتماعية لرجالات مدينة إربد.
  3. سيرة الدكتور حسن رشيد الغرايبة (1929 – 2005) ، دراسة توثيقية للأدوار الأكاديمية والمناصب القيادية لأبناء ورجالات عشيرة الغرايبة ، صفحة المهندس داوود هشام الغرايبة على الفيسبوك.
قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.