يمثل تاريخ الأردنيين الغساسنة نموذجاً حضارياً شامخاً جمع بين الحكمة السياسية ، والسيادة العسكرية ، والعمران التراثي الخالد في ثرى الأردن عبر أربعة قرون .

دولة الغساسنة في الأردن القديم : أربعة قرون من الحكمة السياسية والسيادة الحضارية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​الجذور والنشأة والتواجد التاريخي في الأردن :

​تُشكل الحقبة الغسانية في تاريخ الأردن الشامخ والشرق العربي إحدى أنصع صفحات العبقرية السياسية والعسكرية . ويعود أصل الغساسنة تاريخياً إلى قبيلة الأزد القحطانية التي هاجرت من اليمن بعد تصدع سد مأرب ، وتسموا بهذا الاسم نسبة إلى " عين غسان " في تهامة حيث توقفوا أثناء رحلة هجرتهم .

​وقد استوطنت قبائل الغساسنة ومجموعاتهم المتحالفة مناطق واسعة من الأردن ، ولا سيما حوران و البلقاء و جنوب الأردن ( بما فيها الكرك ومادبا ) ، ليكونوا مكوناً أساسياً راسخاً في نسيج المنطقة قبل وبعد التأسيس الفعلي لإمارتهم . واستمرت أرض الأردن - المأهولة والمعمورة منذ أكثر من خمسمئة ألف سنة قبل الميلاد والتي شهدت على أرضها أولى التجمعات السكانية والمجتمعات - حاضنةً لهذا الامتداد العريق الذي أثمر عن تأسيس كيان دولتي راسخ الحضور وممتد النفوذ .

​النظام السياسي والعلاقة ببيزنطة :

​فلأكثر من أربعة قرون ممتدة ، أقام الأردنيون الغساسنة نظاماً سياسياً متقدماً جمع باقتدار فريد بين الحزم المركزي والإدارة المحلية المرنة ، مُجسدين فلسفة حكم عميقة استندت إلى مفهوم الملك بوصفه راعياً أميناً لشعبه ، ومسؤولاً أول عن صون أمنه واستقراره وحماية حياضه .

​وقد انعكست فلسفة الحكم هذه بوضوح في وصايا ملوكهم الخالدة ، وفي الألقاب الرسمية الرفيعة التي حملوها ، والتي جمعت بين السلطة السياسية والدور الديني والمهابة الروحية .

​عمل الغساسنة كحلفاء استراتيجيين للإمبراطورية الرومانية الشرقية ( بيزنطة ) لحماية الحدود الجنوبية والشرقية لبلاد الشام من هجمات البادية ودولة المناذرة ( حلفاء الفرس ) . وقد جمعوا في إدارتهم بين الحكم المركزي وإدارة محلية اعتمدت على توافق القبائل وحفظ الأمن الذاتي . وفي الجانب الديني ، اعتنق الغساسنة الديانة المسيحية ( الأرثوذكسية الشرقية ) ، واستغلت الدولة البيزنطية هذا الرابط العقائدي لتعزيز تحالفهم السياسي .

​وتتجلى فلسفة الحكم وشرعية السلطة بين السياسة والدين بأبهى صورها في شخصية الملك الأردني الغساني الحارث بن جبلة ( الملقب بـ * المُنذر * و * باتريكيوس * في المصادر البيزنطية ) ، الذي جمع في شخصيته القيادية بين رئاسة الدولة والجيش من جهة ، والرعاية المباشرة للأسقفية والكنيسة المشرقية ( الكنيسة اليعقوبية / الأرثوذكسية ) من جهة أخرى . فكان رأساً للمملكة ورئيساً لأسقفيتها في آن واحد ، داعماً للحرية العقائدية ومدافعاً صلباً عن الهوية الدينية لشعبه في مواجهة ضغوط البلاط البيزنطي .

​الامتداد الجغرافي وبنية الحكم المعقدة :

​تكشف النقوش الأثرية الغسانية ، إلى جانب السجلات السريانية والبيزنطية والرومانية ، عن بنية حكم معقدة ومحكمة امتد نفوذها وإدارتها من حوران و البلقاء و الجبية و أم الجمال إلى فلسطين و الشام و شمال الجزيرة العربية و تدمر و الرصافة وصولاً إلى البحر .

​وقد أظهر الغساسنة قدرة استثنائية على إدارة التحالفات الإقليمية وتسيير الشؤون الإدارية والدفاع عن حدودهم وصون حريتهم الدينية في مرحلة مفصلية ومتلاطمة من تاريخ الأردن والمنطقة . فوازَنوا بحنكة عالية بين تحالفهم مع الإمبراطورية البيزنطية وبين الحفاظ الكامل على استقلاليتهم الذاتية وسيادتهم الميدانية ، حامين ثغور منازلهم وباديتهم من الغزوات والغارات .

​الحياة الاجتماعية والثقافية والموروث الحضاري والنقوش الأثرية :

​لم يكتفِ الغساسنة بالمهارة العسكرية والتنظيم الإداري ، بل أقاموا مجتمعاً أردنياً متقدماً يتسم بالطبقية المنظمة والتنوع الاقتصادي بين النخب والحكام والمزارعين والتجار والعمال ، وبرعوا في شتى نواحي الحياة الاجتماعية والثقافية :


​ولعل خير شاهد أثري على هذا النفوذ القيادي والحضور العمراني العربي ما تكشف عنه المواقع والنقوش الأثرية في الأردن ، ومنها قرية " نتل " الأثرية ( قرب عمّان وجنوب مدينة مادبا ) ، حيث كُشف عن كنيسة غسانية أثرية تضم أرضيتها الفسيفسائية نقوشاً نذرية وإهدائية باللغة اليونانية لعدد من أبناء المنطقة وشيوخها . ويبرز في شمال تلك الأرضية الفسيفسائية نقش نذري صريح لشيخ عربي ، جاءت ترجمته :

​" كنذر لخلاص الأكثر شهرة ، ثعلبة الشيخ بن عوض الله " .

​وتحمل كلمة ( الشيخ ) في هذا النقش دلالة تاريخية وسياسية بالغة الأهمية ، إذ تعبر عن رتبة ( Phylarch - فيلارك ) الرسمية في التنظيم الروماني - البيزنطي ، والتي كانت تُمنح لزعماء القبائل وملوك العرب الغساسنة الذين تولوا إدارة المناطق والقبائل العربية وحفظ أمن الحدود .

​كما يُبرز الرسم والتوثيق الأثري لنقش كنيسة نتل الغسانية نصاً إهدائياً خالداً يُقرأ في كلماته :

​" أوه يا حارث يا ابن الحارث " .

​وهو نقش تاريخي نذري يوثق حضور ملوك الغساسنة وأمراؤهم ورعايتهم المباشرة للمؤسسات العمرانية والدينية في ثرى الأردن .

​كما غدت بلاطات ملوك الغساسنة ، لا سيما بلاط الملك الحارث بن جبلة وابنه المنذر بن الحارث ، منارات أدبية وثقافية استقطبت كبار شعراء العرب في الجاهلية والإسلام ، وفي مقدمتهم النابغة الذبياني و حسان بن ثابت و علقمة الفحل ، الذين أشادوا بأخلاق ملوك الغساسنة ، وكرمهم ، وفروسيتهم ، وعمران ديارهم الممتدة في ثرى الأردن والشام .

​النهاية والمحطة المفصلية :

​انتهى حكم الغساسنة السياسي بعد معركة اليرموك عام 636 ميلادية بين المسلمين بقيادة خالد بن الوليد والجيش البيزنطي وحلفائه الغساسنة ، لتبدأ بعدها حقبة إسلامية جديدة ومشرقة في الأردن وبلاد الشام . وما زالت عائلات وعشائر عديدة في الأردن ( مثل الكرك ومادبا وغيرهما ) تحتفظ بجذورها وانتمائها التاريخي الأصيل للغساسنة .

​لقد أثبت الإرث الغساني أن الاستقرار السياسي المترسخ في الأردن القديم كان ولا يزال مرتكزاً على وعي الأهلين بضرورة الجمع بين القوة والحكمة ، وبين حماية الحدود ورعاية الإنسان . وظلت مدائنهم وحصونهم وشواهد نقوشهم وعشائرهم الممتدة شاهداً حياً على دورهم المحوري في تمهيد الطريق أمام التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة مع فجر العصر الإسلامي .

​إن تاريخ الغساسنة في الأردن ليس مجرد حقبة زمنية غابرة ، بل هو فصل أساسي من فصول الشخصية الأردنية التاريخية التي جمعت عبر العصور بين العروبة الأصيلة ، والانفتاح الحضاري ، والقدرة الفائقة على بناء الدولة وصونها .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) كتاب ( الأردن في العصر البيزنطي ) للدكتور عبد المجيد الشناق .
  3. 2 ) كتاب ( تاريخ الغساسنة ونفودهم في بلاد الشام ) للدكتور إحسان عباس .
  4. 3 ) كتاب ( العرب في العصر البيزنطي والتنظيمات القبليّة في الأردن ) لنعيم إبراهيم الظاهر .
  5. 4 ) كتاب ( دراسات في تاريخ الأردن القديم وآثاره ) لحسين يوسف .
  6. 5 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه .
  7. 6 ) أبحاث ودراسات مؤسسة ( إرث الأردن ) الخاصة بتاريخ ونقوش الأردنيين الغساسنة .
  8. 7 ) المسوح الميدانية والدراسات التوثيقية لآثار ونقوش كنيسة نتل وكنائس مادبا وحوران .