تستعرض هذه المقالة بلدة حوارة وعراقتها التاريخية الممتدة عبر العصور ، بدءاً من أصل تسميتها وجذورها القديمة ، مروراً بإرثها العمراني وآثارها الاستيطانية المتمثلة في الكنائس والآبار والسدود وطواحين البازلت ، ودورها المحوري ضمن إقليم حوران وحلف مدن الديكابولس وفي العصر العثماني ، وصولاً إلى تاريخ بناء مسجد الحاج نايل إبراهيم الغرايبه ونسب عشيرته الشريف .
حوارة : حكاية أصل وعراقة ممتدة في قلب حوران والشمال الأردني
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تعد بلدة حوارة من أعرق البلدات التاريخية في منطقة حوران والشمال الأردني ، وهي تختزن في طياتها حكايات أمم والحضارات التي تعاقبت على أرضها الطيبة . لم تكن هذه البلدة مجرد تجمع بشري عابر ، بل كانت محطة إشعاع حضاري وديني وثقافي ممتدة منذ أقدم العصور .
أولاً : منطقة حوران .. حدود المجد الجغرافي وأهراء روما :
يمتد إقليم حوران التاريخي في رقعة جغرافية واسعة تشكل حلقة وصل طبيعية والثقافية بين جنوب سوريا وشمال الأردن . فتمتد حدوده من نهر الزرقاء ( الذي كان يُعرف قديماً باسم نهر يَبُوق ) جنوباً وحتى غوطة دمشق شمالاً . وقد اكتسبت هذه المنطقة التاريخية لقب ( أهراء روما ) أو مستودعات ومخازن الغلال والحبوب ، نظراً لخصوبة تربتها الاستثنائية ووفرة إنتاجها الهائل من القمح الذي كان يغذّي روما والإمبراطورية البيزنطية ، حتى اشتهر المثل التاريخي القديم : ( إذا أمحلت حوران جاعت روما ) ، لتظل حوران سلة الخبز والخير العميم على مر العصور .
ثانياً : العصور القديمة .. التنوع العقائدي ودلالات اسم ( حوارة ) :
قبل انتشار المسيحية ، شهدت بلاد الشام تنوعاً عقائدياً وثنياً عريقاً وتعددية في عبادة قوى الطبيعة والآلهة لدى الأقوام الكنعانية والآرامية والنبطية . وفي قلب هذا المشهد العقائدي القديم ، تدل النقوش والآثار على أن سكان حوارة الأوائل عبدوا إلهاً آرامياً يُدعى ( حور ) ، وهو اسم يرتبط لغوياً بشدة البياض .
وترتبط تسمية البلدة بجذورها السريانية والعرقية اللغوية ؛ إذ وُجدت كلمة ( حوارة ) في اللغة السريانية بمعنى البياض ، والمقصود بها الصخرة البيضاء ( الحجر الطباشيري الأبيض ) . وهي تسمية تطلق على التراب أو الصخر اللين الذي أُقيمت عليه البلدة ، ويُعرف هذا الصخر بالعامية باسم ( الحوّار ) أو ( الحُواري ) ، وهو صخر أبيض ناصع وطري استغلّه الأهلون قديماً في البناء ، وصناعة أفران الطابون التقليدية ، وتسوية المنازل .
كما ارتبط هذا المعنى بالدلالة الزراعية الخالدة للبلدة ، حيث تعني الكلمة أيضاً ( القمح المقشور ) الناصع البياض . وكلا التسميتين والمعنيين صحيحان ودقيقان ، لكون حوارة تقوم على صخر لين أبيض ، وتشتهر تاريخياً بإنتاج أجود أنواع القمح بفضل استواء سطحها وانبساط أرضها السهلية الخصبة .
ثالثاً : شواهد الاستيطان البشري القديم والبيئة الغابرة :
تشهد أرض حوارة على قدم الاستيطان البشري عبر معالم وشواهد مادية فريدة تنطق بعراقة المكان :
العيون والآبار القديمة : انتشرت الآبار المحفورة في الصخر لتزويد السكان بالمياه العذبة وخدمة القوافل والزوار ، وحفظ مياه الأمطار .
المقابر والقبور المنحوتة : ضمت البلدة مدافن ومقابر حجرية قديمة وُجدت فيها هياكل عظمية بشرية تعكس طبيعة الحياة والوفاة لكبار القوم والسكان عبر العصور .
اللقى الأثرية في ظهر المغر : كشفت التنقيبات والمواقع الأثرية ، لا سيما في منطقة ( ظهر المغر ) والمغاور المحيطة ، عن قطع فخارية متنوّعة ، ومدامع أثرية زجاجية وفخارية دقيقة ، إلى جانب بقايا متفحمة من الحبوب والقمح القديم الذي يعكس نشاط التخزين والإنتاج الغذائي العريق .
طواحين وجواريش الحبوب : نظراً لاشتهار المنطقة بغزارة إنتاج الحبوب والقمح ، اعتمد الأهالي على طحن وجرش المحاصيل ، مما أدى إلى انتشار آلات طحن وجرش الحبوب بكثرة في هذه المنطقة ، والتي كانت تصنع بمعظمها من حجر البازلت الأسود الصلب .
المستحثات والأودية دائمة الجريان : توثق المستحثات المكتشفة لبقايا نباتات وحيوانات مائية حقيقة بيئية غابرة ، إذ كانت الأودية المحيطة ببلدة حوارة دائمة الجريان وتزخر بالمياه الوفيرة ، ما دعم قيام الحضارات والاستيطان .
رابعاً : العصر البيزنطي وحلف الديكابولس .. النهضة والازدهار الكنسي :
مع انطلاقة الديانة المسيحية من القدس في القرن الأول الميلادي ( حوالي عام 33 م ) ، انتشَرَت الدعوة سريعاً في حواضر بلاد الشام ومدن الشمال الأردني عبر الطرق التجارية وحركة السكان . وبحلول القرنين الثاني والثالث الميلاديين ، تعمقت الجماعات المسيحية في المنطقة لتشمل المدن والأرياف والقبائل في بادية الشام والأردن . ومع صدور مرسوم ميلانو عام 313 م واعتراف الإمبراطورية البيزنطية بالمسيحية ديانة رسمية ، شهدت المنطقة نهضة معمارية ودينية كبرى بُنيت خلالها الكنائس والأديرة والأسقفيات والسدود المائية القديمة لحفظ المياه وتنظيم الري واستثمار تلك الأودية الجارية .
شكل حلف مدن ( الديكابولس ) ( حلف المدن العشر ) اتحاداً تجارياً وثقافياً وعسكرياً إقليمياً هاماً في العصرين الروماني والبيزنطي . ورغم أن تسميته تشير إلى عشر مدن ، إلا أن عدد المدن المنضمة إليه تجاوز هذا الرقم عبر الحقب الزمنية المختلفة ، حيث كانت بعض المدن تنضم للحلف في فترات تاريخية وتنسحب منه أخرى . وقد وقعت غالبية مدن هذا الحلف العريق على أرض الأردن اليوم ، إلى جانب مدن أخرى في سوريا وفلسطين .
وفي هذا النطاق الأثري المزدهر ، أحاطت بحوارة مجموعة من حواضر الديكابولس الشهيرة القريبة منها ، مثل ( كابيتولياس / بيت رأس ) ، و( ديون / إيدون ) ، و( أربيلا / إربد ) ، فضلاً عن منطقة ( الحصن ) التي عرفت قديماً باسم ( ديون ) وفي بعض المراجع باسم ( هيبوس ) ، وكانت تشكل مع إيدون وإربد مثلثاً حضارياً وعمرانياً متكاملاً . وفي هذا العصر الذهبي ، كانت حوارة تابعة إدارياً وجغرافياً لمدينة ( أربيلا ) العريقة ، حيث بلغت حوارة ذروة ازدهارها العمراني والسكاني ، لا سيما في موقع ( البلدة القديمة ) و( ظهر المغر ) .
ففي موقع ( البلدة القديمة ) احتفظت الأرض بخرائب بيزنطية تضم منازل ومغاور ومخازن استخدمها السكان لخزن منتجاتهم الزراعية ومبيت دوابهم والاحتفاظ بالمؤن . ولم تكن حوارة مجرد مركز اقتصادي وزراعي فحسب ، بل شكلت مجمعاً دينياً كنسياً فريداً تشهد عليه أكثر من ستة مواقع أثرية تضم كنائس ومعابد ومقابر فاخرة لكبار القوم .
خامساً : العصر العثماني .. المقرات الإدارية والمعسكرات :
في العصور الإسلامية اللاحقة ، وتحديداً خلال العصر العثماني ، اكتسبت بلدة حوارة أهمية إستراتيجية وإدارية بارزة . فقد تمركز العثمانيون من موظفين وإداريين وجنود في المنطقة لأغراض متعددة ، شملت متابعة الشؤون الإدارية ، وتسيير وإدارة تحركات الجيوش ، فضلاً عن تنظيم جباية وتحصيل الضرائب من السكان .
ولتحقيق هذه الغايات ، استغل العثمانيون موقع البلدة ومبانيها القديمة ، فاتخذوا من بعض المواقع مقرات ومراكز كمعسكرات لمبيت العسكر العثماني ، لا سيما في المنطقة الواقعة تقريباً إلى الشمال من موقع مسجد نايل إبراهيم الغرايبه . كما يذكر علماء الآثار أن الإدارة العثمانية أعادت استخدام بعض المباني الأثرية القديمة القائمة في المنطقة وتحويلها إلى أماكن للحجز والسجن ، مما جعل حوارة مركزاً حيوياً لترسيخ الهيكل الإداري والعسكري العثماني في سهل حوران .
سادساً : العصر الحديث .. مسجد نايل إبراهيم الغرايبه ونسبه الشريف :
على أنقاض كنيسة بيزنطية تعود إلى القرن الأول الميلادي تقريباً ، ولدت حكاية إسلامية مباركة ، فعندما استقرت عشيرة الغرايبه الكريمة في حوارة ، بادر الحاج ( نايل إبراهيم الغرايبه ) إلى تأسيس وبناء مسجد على نفقته الخاصة بجانب روضة حوارة القديمة ( دار علي الخلفات ) .
ويعود نسب باني هذا المسجد المبارك إلى أرومة عشائرية عريقة في المنطقة ؛ فهو نايل بن إبراهيم بن إبراهيم بن محمد بن غريب ( جد عشيرة الغرايبه الممتدة في حوارة والمغير وكفرعان بمحافظة إربد ، والهاشمية وعرجان بمحافظة عجلون ، وطمون بطوباس في فلسطين ) ، ابن محمد الذي يجمع نسبه شجرات ومحيط أبناء عمومته من العودات ( جدّهم يوسف ) ، والإرشيدات والصياحين ( جدّهم ناصر ) ، والقبلان والكنعان ( جدّهم منصور ) . وقد كان نايل أحد أبناء إبراهيم الثمانية ( خليل ، وعلي ، ومحمود ، وحامد ، وحموده ، ومحمد ، ونايل ، وفارس ) ، الذين وضعوا مع عمومتهم من آل عبد ربه وشحادة وشهاب اللبنات الأولى لترسيخ حضور العشيرة وتعمير البلدة .
وقد تميز هذا المسجد العريق بتخطيطه المعماري الدقيق والمرافق الخدمية والتراثية التي لَبَّت احتياجات المصلين والأهالي :
المدخل والساحة الخارجية : كان للمسجد مدخل رئيسي يتجه نحو الجهة الشمالية ، وتقع أمامه ساحة خارجية مبلطة ومسبوكة من الإسمنت لخدمة رواد المسجد .
بئر الماء التراثي : في الزاوية الشمالية الشرقية من الساحة ، حُفر بئر ماء يستفيد منه المصلون للشرب والوضوء وتقديم الخدمات العامة لزوار البيت المبارك .
الساعة الشمسية ( المزولة ) : احتوى المسجد على ساعة شمسية تقليدية ( مزولة ) تُستخدم لتحديد أوقات الصلوات بدقة استناداً إلى حركة ظل الشمس .
المعالم الداخلية والدرج الأثري : ضم بيت الصلاة محراباً مهاباً ومنبراً قديماً ، إلى جانب الدرج الداخلي في الزاوية الشمالية الشرقية للمسجد ، والمستند إلى أعمدة ذات تيجان كورنثية بيزنطية بديعة ، والذي كان المؤذن يصعد من خلاله إلى السطح العلوي ليرفع نداء الحق في كل وقت صلاة .
الأعمدة الأسطوانية : احتفظ البناء في هيكله بأعمدة أسطوانية بيزنطية ذات رؤوس مدببة كانت جزءاً من أصل الكنيسة القديمة .
ولأن الأمانة التاريخية عزيزة ، فإنه عندما هُدم مبنى المسجد القديم في مرحلة لاحقة وأُعيد بناؤه ليحمل اسم ( مسجد عثمان بن عفان ) ، حُفظ الحجر التاريخي المنقوش الذي يوثق قصة البناء ونقل بكل تقدير إلى ( ديوان عشيرة الغرايبه ) في بلدة حوارة ليراه الأبناء والأحفاد .
وما زال هذا الحجر الأثري ينطق ببيوت الشعر الخالدة التي خطها الأجداد بالخط العربي الأصيل :
( إِيَّا الدَّاخِلِ ادْخُلْ فَصَدِّقْ بِالْجِنَانِ ... قَدْ بُنِيَ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَانِ )
( عَامِرُهُ نَائِلٌ مِنْ الْخَيْرَاتِ نَالَ ... فَجَزَاهُ اللهُ قَصْراً فِي الْجِنَانِ )
( مِحْرَابُ إِلٰهِي قَالَ ادْخُلُوا بِرَخَا ... يَفْدُ مَنْ مُخْلِصاً لِلَّهِ قَدْ بَنَى )
( رجب ... )
تعد هذه الأبيات الجميلة والمباركة من النقوش التأسيسية والدينية التراثية التي شاعت على واجهات وأعتاب المساجد والبيوت التاريخية القديمة ، وغالباً ما كان يخطّها البناة أو المتبرعون أو الخطاطون المحليون توثيقاً لعمل الخير وتبركاً بذكر الله ، ولم تُنسب إلى شاعر مشهور أو ديوان أدبي معروف بعينه ، بل هي من الشعر التراثي الديني المنظوم الذي يُخلّد ذكرى عمارة بيوت الله وتأسيسها ، تماماً كما وثق بها الحاج نايل إبراهيم الغرايبه بناء مسجده التاريخي في بلدة حوارة لتكون شاهداً على عمله الصالح وإخلاصه .
هكذا تبقى حوارة ، بصخور ( الحور ) البيضاء ، وبآثارها التي انتقلت من حنايا الكنائس والمساجد لتستقر في ديوان العشيرة ، صفحةً ناصعةً تروي قصة الانتماء والأصالة الممتدة في قلب حوران والأردن الأبي .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) كتاب ( تاريخ الأردن وحضارته ) للدكتور عبد المجيد الشناق .
- 2 ) كتاب ( آثار الأردن وتاريخه ) لنعيم إبراهيم الظاهر .
- 3 ) كتاب ( دراسات في تاريخ الأردن وفلسطين القديم ) لحسين يوسف .
- 4 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه .
- 5 ) مصادر الصور : الدكتور أحمد عبد الله الغرايبه ، ورائد علي الشطناوي ، والمهندس عاطف سعيد الغرايبه .
- 6 ) اللقاء الشفوي والمقابلة الميدانية مع الدكتور معن علي الشطناوي ( المختص في علم الإنسان والأنتثروبولوجيا ) .
- 7 ) المسوح الميدانية والدراسات التوثيقية لآثار ونقوش بلدة حوارة وإقليم حوران .
- 8 ) السجلات التاريخية والوثائق العشائرية وشجرات النسب المحفوظة في ديوان عشيرة الغرايبه .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.