تروي المقالة كيف يمكن لموقف إنساني عفوي ومشاركة بسيطة في لحظة إمتحان أن تهدم أسوار الجفاء وتخلق صداقة متينة تتجاوز كل الحدود الوهمية .

خط فلوماستر عريض ... عن الجدران التي تهدمها ساندويشة ونظرة أمل

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​بدأت قصتي معه من موقف طفولي بامتياز ، خلاف حاد في اليوم الأول على مقاعد الدراسة . كان يرفض تماماً وضع حقيبته السوداء على الأرض خوفاً عليها من الاتساخ ، ويصر على وضعها فوق المقعد المشترك بيننا ، مما ضيق علي المساحة وأثار غضبي .

​أمام هذا الإصرار ، اهتدينا إلى حل جذري بنفس طفولي : رسمنا خطاً عريضاً بقلم " فلوماستر " يقسم الطاولة والمقعد إلى نصفين متساويين . رسمنا حدوداً وهمية شعارها " لا تقترب من حدي ولا أقترب من حدك " . ساد الجفاء ، وأعلنت قطيعة دبلوماسية بين طفلين يجلسان على نفس المقعد ، هو يجلس متضايقاً بجانب حقيبته ، وأنا ألتزم بنصفي المحدد ، وعلى الرغم من أن خيار الانتقال إلى مقعد آخر كان متاحاً لكلينا ، إلا أن أحداً منا لم يمتلك الجرأة لخطوة كهذه .

​ظلت تلك الرمية بالقلم تشبه سوراً عالياً من الطوب الزجاجي ، نرى بعضنا من خلاله لكننا لا نتواصل . حتى جاء الامتحان الأول . وبينما كنا نختبئ خلف الكتب لخوض الاختبار ، ألمحت إجابته الخاطئة على أحد الأسئلة . وبدافع طفولي عفوي ودون تفكير ، همست له بالإجابة الصحيحة . التفت إليّ بنظرة ملؤها الذهول والدهشة ، قبل أن تتسلل ابتسامة دافئة إلى وجهه ، ليذوب خط الفلوماستر العريض بيننا لبرهة من الزمن .

​عند تسليم الأوراق ، قال لي بصوت خافت : " شكراً " .

​ومع دق جرس الاستراحة ، أخرج ساندويشته الخاصة ، وقسمها من المنتصف بحب ، ثم قدم لي نصفها . أخذتها كي لا أكسر خاطره ، وابتسمت قائلاً : " تستطيع الآن أن تجلس براحة وتضع حقيبتك بيننا " ، فرد بابتسامة أعذب : " لا ، سأعلقها على ظهر المقعد الأمامي " .

​منذ تلك اللحظة ، ولدت صداقة متينة . بقي الخط القلمي على الطاولة ، لكننا كففنا عن رؤيته ، وصارت علاقتنا أقوى من السور الزجاجي الوهمي . تقاسمنا المشاغبات والضحكات والذكريات وحتى الخلافات البسيطة حتى أنهينا المرحلة الثانوية عام 2010 م .

​بعد التوجيهي ، غاص كل منا في معترك الحياة . فرقتنا المشاغل والمسؤوليات الكبيرة ، بعد أن كان أقصى ما يفرقنا هو عطلة نهاية الأسبوع والعطل الرسمية . مرت الأشهر والسنين دون لقاء ، واعتدنا على هذا البعد الذي تفرضه الدنيا وتلاهيها ، لكن الشوق يعيدنا دوماً إلى تلك الأيام الدافئة ، إلى الطابور الصباحي ، والفرصة ، وصوت بياع الكعك عند باب المدرسة ، وإلى كل التفاصيل الصغيرة ... وعلى رأسها ، خط الفلوماستر العريض الذي علّمنا كيف تبدأ الصداقات الحقيقية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) شبكة جوهرة الصفوة ( مقالات ودراسات تاريخية حول قصة أغوات الحرم النبوي الشريف وتاريخهم وأدوارهم وما بقي من أثرهم ) .
  3. 2   ) صحيفة اليوم السعودية ( تقرير : دكة الأغوات لا تزال حتى الآن داخل المسجد النبوي ) .
  4. 3   ) موقع معالم نبوية ( منصة توثيق المعالم التاريخية في المدينة المنورة ) .
  5. 4   ) صحيح البخاري وصحيح مسلم ( الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في شأن أهل الصفة ) .
  6. 5   ) كتب التفسير المعتمدة ( تفسير آيات الإنفاق والفقر المتعلقة بأهل الصفة في سورة البقرة ) .
  7. 6   ) كتب التاريخ والتواريخ المدنية ( وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للإمام السمهودي ) والموسوعات التاريخية العامة .