يستعرض المقال تاريخ الصُّفّة ودكة الأغوات في المسجد النبوي الشريف، مسلطاً الضوء على أصولهما التاريخية ومكانة أهل الصفة وأدوار خدام الحرم عبر العصور.
الصُّفّة ودكة الأغوات في رحاب المسجد النبوي الشريف
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يحظى المسجد النبوي الشريف بمكانة عظيمة في قلوب المسلمين ، فهو مأوى الروح ومهبط السكينة ، ويضم بين أركانه جنبات طاهرة ومعالم تاريخية خالدة تشهد على حقب مضيئة من تاريخ الإسلام والمسلمين ، ومن أبرز هذه المعالم التي ترتبط بذاكرة المكان وتفوح بعبق النبوة والزهد والتفاني في خدمة الحرم الشريف ( الصُّفّة ) و ( دكة الأغوات ) اللتان تحكيان قصصاً من التراحم والتعفف والخدمة المباركة عبر العصور .
أولاً : الصُّفّة أو دكة الأغوات : الموضع والتأسيس :
تعد " الصُّفّة " و " دكة الأغوات " معلماً تاريخياً وثيق الصلة بتاريخ المسجد النبوي ، حيث ترتبط هاتان الحقبتان بذات الموقع تقريباً في الركن الشمالي الشرقي للمسجد القديم . والصُّفّة عبارة عن مكان في مؤخرة المسجد النبوي الشريف ، في الركن الشمالي الشرقي منه ، غربي ما يعرف اليوم بـ ( دكة الأغوات ) . وهي مكان في مؤخرة المبنى القديم من المسجد النبوي الشريف ، غرب ما يعرف اليوم بدكة الأغوات ، وهي دكة طولها 12 متراً في عرض 8 أمتار ، تعلو عن الأرض بنحو نصف متر . أمر به النبي محمد صلى الله عليه وسلم فظُلل بجريد النخل ، وأُطلق عليه اسم ( الصفة ) أو ( الظلة ) . وقد أُعدت الصفة لنـزول الغرباء العزاب من المهاجرين والوافدين الذين لا مأوى لهم ولا أهل فكان يقل عددهم حيناً ، ويكثر أحياناً ، وكان النبي كثيراً ما يجالسهم ، ويأنس بهم ، ويناديهم إلى طعامه ، ويشركهم في شرابه ، فكانوا معدودين في عياله .
بقي مكان الصفة في المسجد الشريف ماثلاً إلى أن جاءت توسعة الوليد بن عبد الملك ، فتغير مكانها إلى ما يعرف اليوم بدكّة الأغوات حيث بلغت التوسعة ذلك المكان .
ثانياً : دكة الأغوات : الموقع والسبب والوضع الحالي :
1 ) الموقع : مصطبة مرتفعة قليلاً تقع في مؤحرَة المسجد النبوي ( شمال الروضة الشريفة وعلى يسار الحجرة النبوية ) .
2 ) سبب التسمية : سُميت نسبةً إلى ( الأغوات ) ، وهم خدّام الحرم النبوي الشريف والقائمون على شؤونه عبر القرون ( وخاصة في العهدين المملوكي والعثماني ) الذين قدموا من أقطار مختلفة بقصد المشاركة في خدمة المسجد النبوي وحراسة الحجرة النبوية الشريفة ، وخصص لهم هذا المكان للجلوس أثناء نوبات الحراسة والخدمة .
3 ) الوضع الحالي : بقيت الدكة معلماً تاريخياً بارزاً لا يزال حتى الآن داخل المسجد النبوي يراه الزوار في القسم الخلفي من المسجد القديم ، وتُعد شاهداً عريقاً على حقبتين عظيمتين : صدر الإسلام ( أهل الصفة ) وعصور خدمة الحرم المتلاحقة ( الأغوات ) .
ثالثاً : أهل الصفة بالمدينة : زهدٌ وتعفّف ورعاية مجتمعية :
هم فقراء المهاجرين ، وكانوا نحوًا من أربعمائة رجلٍ ، وذلك لأنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لهم أهل ولا مال فُبنيت لهم . وكان أهل الصفة من المتعبدين المنقطعين لتلقي العلم والعبادة ولم ينشغلوا بمتاع الدنيا ولكنهم أيضًا لم ينقطعوا عنها فقد كانوا يشاركون الصحابة في الغزوات ويخرجون للعمل ولكنهم كانوا فقراء يعيشون على التمر والصدقة ولقد نزل فيهم قوله تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [ سورة البقرة : 273 ] .
وكان المسلمون يتناولونهم بالرعاية فيأخذ الواحد الرجل والرجلين من أهل الصفة يطعمهم في بيته ، أو يبعثون بصدقاتهم من الرطب لأهل الصفة فكانت تعلق السقف وأراد المنافقون أن يفعلوا ذلك رياءً منهم وليس شفقة على حال أهل الصفة فكانوا يرسلون لهم الرطب الرديء وجاء فيهم قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [ سورة البقرة : 267 ] .
رابعاً : الأحاديث والآثار المروية عن أهل الصفة :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته ) .
عن فضالة بن عبيد قال : ( كان النبي صل الله عليه وسلم إذا صلى يخر رجال من قامتهم لما بهم من الجهد ، وكانوا أصحاب الصفة ، حتى تقول الأعراب : إن هؤلاء لمجانين ، فلما قضى الصلاة انصرف إليهم فقال : لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة ، قال فضالة : وأنا مع النبي يومئذ ) .
عن أبي حرب أن طلحة حدثه وكان من أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم قال : ( أتيت المدينة وليس لي بها معرفة فنزلت في الصفة مع رجل فكان بيني وبينه كل يوم مد من تمر ، فصلى رسول الله صل الله عليه وسلم ذات يوم فلما انصرف قال رجل من أصحاب الصفة يا رسول الله أحرق بطوننا التمر وتخرقت عنا الخنف ؟ فصعد رسول الله صل الله عليه وسلم فخطب ثم قال : ( والله لو وجدت خبزًا أو لحمًا لأطعمتكوه أما أنكم توشكون أن تدركوا ومن أدرك ذلك منكم أن يراح عليكم بالجفان وتلبسون مثل أستار الكعبة ) قال : فمكثت أنا وصاحبي ثمانية عشر يومًا وليلة ما لنا طعام إلا البرير حتى جئنا إلى إخواننا من الأنصار فواسونا وكان خير ما أصبنا هذا التمر ) .
خامساً : إضاءات تاريخية وتوثيقية مضافة حول مكانة أهل الصفة :
تُشكل ( الصفة ) في التاريخ الإسلامي نموذجاً فريداً للمدرسة الروحية والتربوية الأولى التي تفرغت للعلم والارتباط الوحياني المباشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث كان أصحابها مرجعاً في حفظ السنة النبوية الشريفة وأحاديث المصطفى ، وفي مقدمتهم الصحابي الجليل أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه الذي كان من ألازمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم رواية للحديث . وقد وثقت المصادر التاريخية والتفاسير عظم صبرهم وجلد صبرهم على شظف العيش ، لتظل ( الصفة ) و ( دكة الأغوات ) رمزاً خالداً للزهد والتعفف والتراحم الاجتماعي في المجتمع النبوي الشريف .
وفي الختام ، تظل هذه المعالم العريقة منارة إلهام للأجيال المتعاقبة ، تذكرنا بأروع صور البذل والزهد في صدر الإسلام ، وتجسد في الوقت ذاته عظمة الرعاية والخدمة المستمرة للحرمين الشريفين على مر التاريخ ، ليتبقى أثر ( الصُّفّة ) و ( دكة الأغوات ) شاهد صدق على تاريخ مكين متصل الجذور بقلب المدينة المنورة الطاهرة .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) شبكة جوهرة الصفوة ( مقالات ودراسات تاريخية حول قصة أغوات الحرم النبوي الشريف وتاريخهم وأدوارهم وما بقي من أثرهم ) .
- 2 ) صحيفة اليوم السعودية ( تقرير : دكة الأغوات لا تزال حتى الآن داخل المسجد النبوي ) .
- 3 ) موقع معالم نبوية ( منصة توثيق المعالم التاريخية في المدينة المنورة ) .
- 4 ) صحيح البخاري وصحيح مسلم ( الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في شأن أهل الصفة ) .
- 5 ) كتب التفسير المعتمدة ( تفسير آيات الإنفاق والفقر المتعلقة بأهل الصفة في سورة البقرة ) .
- 6 ) كتب التاريخ والتواريخ المدنية ( وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للإمام السمهودي ) والموسوعات التاريخية العامة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.