تنام بلدة حوارة على كتف إربد الشرقي، كقصيدة ريفية خطتها يد الزمان بمداد من حبر وتراب. لم تكن هذه البلدة يوما مجرد إحداثية جغرافية عابرة على خارطة شمال الأردن، بل كانت ولا تزال شاهدا حيا على عبقرية المكان وإنسان حوران الأصيل، الذي حول السهل الممتد إلى قصة صمود وبناء، ونقش تاريخه على الحجر البازلتي العتيق

مقالة تاريخية توثيقية

حوارة في أواخر العهد العثماني ذاكرة السهل الممتد وسيرة الطين والوثيقة:

تنام بلدة حوارة على كتف إربد الشرقي، كقصيدة ريفية خطتها يد الزمان بمداد من حبر وتراب. لم تكن هذه البلدة يوما مجرد إحداثية جغرافية عابرة على خارطة شمال الأردن، بل كانت ولا تزال شاهدا حيا على عبقرية المكان وإنسان حوران الأصيل، الذي حول السهل الممتد إلى قصة صمود وبناء، ونقش تاريخه على الحجر البازلتي العتيق.

تكتسب حوارة أهمية جغرافية استثنائية من موقعها المتميز، إذ تقع في الجهة الشرقية من مدينة إربد، وتعد بمثابة البوابة الشرقية لعروس الشمال، وتتميز بأراضيها السهلية الخصبة المنبسطة التي طالما كانت مطمعا للزراعة والاستقرار. ولعل هذا السهل المنبسط وتربته هما السر وراء اسمها العريق، إذ يعود سبب تسمية حوارة بهذا الاسم في أصله اللغوي والتاريخي إلى الحُوّر، وهو البياض الناصع الذي يميز تربتها الكلسية الحورية التي تغطي أجزاء واسعة من أراضيها ، فغدت التسمية مرآة لطبيعة الأرض وصفاء تربتها، وقد تعود تسميتها ايضا إلى بياض قمحها المقشور، إذ تتميز هذه سهولها الرحبة والخصيبة بإنتاج أجود أنواع القمح الذي يمتد كبساط من ذهب على أراضيها المعطاءة.

حوارة

إن تتبع تاريخ حوارة في أواخر العهد العثماني، ليس ترفا فكريا، بل هو غوص في أعماق الهوية الأردنية المستقرة. فإذا ما استنطقنا الصخر والوثيقة، نجد أن هذه البلدة قد حظيت بحضور وازن في بطون السجلات الرسمية والدراسات التاريخية الحديثة، مما يجعلها أنموذجا مثاليا للقرية الفلاحية التي وازنت بين قسوة الظروف وهيبة الحضور.

في محراب الوثيقة العثمانية حكاية الأرض والإنتاج:

حين نعود بالزمن إلى القرن السادس عشر الميلادي، تفتح لنا دفاتر الطابو العثمانية أبواب حوارة القديمة. في تلك الدفاتر العتيقة، قيدت حوارة كواحدة من أنشط قرى ناحية بني جهمة التابعة للواء عجلون لم تكن مجرد أسماء تتلى، بل كانت مجتمعا نابضا بالحياة، فلاحين مستقرين ارتبطت أسماؤهم بأرضهم ارتباط الروح بالجسد.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ناحية بني جهمة هي إحدى النواحي التاريخية الهامة في شمال الأردن، وكانت تتبع لقضاء عجلون خلال العهد العثماني، وتشمل مدينة إربد القصبة ومجموعة من القرى المحيطة بها . عُرفت أيضا باسم بني البطين (البطون) نسبة لزعامة عشائر البطاينة لها، وكان مركزها منطقة البارحة (غرب مدينة اربد) . ومن أبرز تفاصيل هذه الناحية أن مركزها كان قرية البارحة التي أصبحت جزءاً من مدينة إربد حاليا، وضمت الناحية العديد من القرى، منها إربد، والبارحة، وكفريوبا، وبشرى، وحوارة، وعلعال، وبيت راس، وحكما، ومرو، وكفر جايز، وسال، وزبدا، وجمحا. وقد ارتبطت الناحية تاريخيا بـ عشائر البطاينة، وتحديداً عائلة سعد العلي البطاينة بني البطين، وتعتبر من أقدم النواحي الإدارية في ريف إربد، ووثقت سجلات الضرائب العثمانية ملكية الأراضي فيها، خاصة في قرى مثل حوارة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، وتعد ناحية بني جهمة جزءا أصيلا من النسيج الاجتماعي والاداري لتاريخ محافظة إربد الحديث والمعاصر.

حوارة في الوثائق

تخبرنا تلك القيود المالية الدقيقة أن حوارة كانت سلة غذاء لشرق الاردن وما جاورها من بلدان (تتأكد الأهمية الإنتاجية الفائقة لسهول هذه البلدة في الذاكرة الشعبية لأهالي حوران من خلال المثل السائد < خبز حوارة وصل إسطنبول >، وهو ما يُعد مؤشرا تاريخيا على جودة وفرة إنتاج القمح الحوراني، ودليلا على وصول خيرات المنطقة إلى مراكز القرار في الدولة العثمانية ومناطق شاسعة في الشرق الأدنى)، حيث فرضت عليها الضرائب على إنتاج الوجبة الذهبية من القمح الحوراني، والشعير، والكروم، ورسم الماشية. هذا التوثيق الرقمي الجاف في ظاهره، يحمل في طياته أعمق معاني الاستقرار الحضري، ويثبت أن البلدة لم تكن يوما محطة عابرة، بل كانت موطنا للإنتاج والعمل والعطاء.

سجلات المحاكم الشرعية نبض الحياة والعدالة:

ومع بزوغ فجر التنظيمات العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، انتقلت حوارة إلى طور جديد من التوثيق المدني من خلال سجلات محكمة إربد الشرعية. هنا، لم تعد الوثيقة تذكر الضرائب فقط، بل أصبحت تسجل نبض الإنسان من أفراحه، وأتراحه، ومعاملات البيع والشراء، وقضاياه اليومية.

تظهر السجلات تماسك المجتمع الحواري، فتروي لنا حركة بيع الأراضي ورهنها، وتفاصيل الإرث العائلي، ومعاملات الزواج، والصلح العشائري الذي كان يتم في مضافات القرية برعاية وجهاء البلدة. لقد عكست هذه السجلات وعيا قانونيا لافتا لأهل القرية، الذين آمنوا بالدولة ومؤسساتها لحفظ حقوقهم وتوثيق روابطهم الاجتماعية.

البناء والإنسان العمارة التي تشبه أهلها:

لم تكن العمارة في حوارة مجرد مأوى، بل كانت مرآة للنفس البشرية وللبيئة المحيطة. في تلك الحقبة، نهضت البيوت بنظام العقود والقناطر مستندة على الحجر الكلسي والبازلتي، لتصنع لوحة معمارية فذة. تتوسطها الساحات السماوية، السيح، لتجمع العائلة، وتجاورها مخازن الحبوب، التبان، لتؤمن قوت العيال. وفي قلب كل حارة، كانت المضافة تشرع أبوابها كرمز للكرم والرجولة، والقرية برمتها تلتف حول الكتاب الذي كان المنارة الأولى لتعليم الأبناء الحرف والقرآن على يد الشيخ الخطيب.

بيوت حوارة

إن حوارة في أثر المراجع والمؤرخين، وقد ظهر ذلك جليا في مؤلفات الدكتورة هند أبو الشعر وغيرها من سدنة التاريخ، ستبقى بلدتي حوارة أنموذجا للقرية الأردنية الولودة، التي منحت الوطن خيرة رجالها، وظلت وفية لترابها وسهلها الخصيب.

حوارة القديمة
حوارة التاريخية

المصادر والمراجع المعتمدة:

1. أبو الشعر ، هند ، إربد وجوارها الناحية المعمارية والاجتماعية 1850 - 1928 م ، منشورات بنك الأردن ، عمان ، 1995 م.
2. البخيت، محمد عدنان، دراسات في تاريخ بلاد الشام الأردن، عمان، 1983 م.
3. دفاتر الطابو والتحرير العثمانية، الأرشيف العثماني في إسطنبول، الدفتر رقم 97 والدفتر رقم 185 ، الخاصين بلواء عجلون وناحية بني جهمة.
4. سجلات محكمة إربد الشرعية ، المحفوظة في مركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية ، الفترة من 1880 م - 1920 م.
5. شهادة ميلاد صادرة في العهد العثماني، باسم: مصطفى سليم الفارس الغرايبة وزوجته اكسيبة سليمان الغرايبة، صادرتان عام 1320هـ / 1902 م، وثائق خاصة محفوظة لدى الباحث ( قيصر صالح الغرايبة).
6. مجموعة صور من صفحة الدكتور احمد عبد الله جميل الغرايبة (صفحة نبش الذاكرة على الفيسبوك)
7. مجموعة صور من صفحة الدكتور علي الشطناوي على الفيسبوك.

قيصر صالح الغرايبة
الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
كاتب وباحث في التاريخ الاجتماعي

يهتم بتوثيق الذاكرة المحلية والتاريخ الاجتماعي بأسلوب أرشيفي راقٍ يجمع بين الدقة واللغة الأدبية.