بين عراقة الماضي وإشراقة الحاضر ، تقف بلدية إربد شاهدة على مسيرة وطن ، وقصة بناء صاغها رجال أوفياء نذروا أنفسهم لخدمة ” عروس الشمال ” . في هذا المقال ، ابحر في ذاكرة ” أم البلديات ” الأردنية ، لكي اوثق محطات العطاء ، ونستذكر القامات التي تعاقبت على رئاستها ، مسلطا الضوء على حقب مفصلية شكلت الهوية الحضارية للمدينة ، وعلى رأسها حقبة الوفاء والنزاهة التي قادها الباشا محمود الخالد الغرايبة

صفحات المدن والمؤسسات

إربد .... سيرة " أم البلديات " من فجر التأسيس 1881 م إلى أفق التحديث : محطات الوفاء في ذاكرة المكان وعطاء القامات

قراءة في سيرة بلدية إربد الكبرى، ومحطات العطاء، والقامات التي صنعت ذاكرة المدينة.

نص يوثق سيرة بلدية إربد منذ التأسيس، بوصفها مرآة لتطور المدينة والدولة وعطاء رجالاتها الأوفياء.

إربد .... سيرة " أم البلديات " من فجر التأسيس 1881 م إلى أفق التحديث : محطات الوفاء في ذاكرة المكان وعطاء القامات
​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​بين عراقة الماضي وإشراقة الحاضر ، تقف بلدية إربد شاهدة على مسيرة وطن ، وقصة بناء صاغها رجال أوفياء نذروا أنفسهم لخدمة " عروس الشمال " . في هذا المقال ، ابحر في ذاكرة " أم البلديات " الأردنية ، لكي اوثق محطات العطاء ، ونستذكر القامات التي تعاقبت على رئاستها ، مسلطا الضوء على حقب مفصلية شكلت الهوية الحضارية للمدينة ، وعلى رأسها حقبة الوفاء والنزاهة التي قادها الباشا محمود الخالد الغرايبة .

اتحدث إربد عن نفسها ، لا بلسان الزمان فحسب ، بل بشواهد المكان وعراقة المؤسسات التي سبقت في وجودها قيام الدولة ، لتعلن للعالم أن " عروس الشمال " كانت وما زالت منارة للإدارة والوعي الديمقراطي . ومن على قمة " تل إربد " الشامخ ، بدأت الحكاية في عام 1881 م ، حين تأسست بلدية إربد كأول مجلس بلدي في تاريخ الأردن ، لتكون النواة الأولى للعمل المؤسسي المنظم .

بلدية إربد
صورة افتتاحية توثق حضور بلدية إربد وعراقة المدينة ومؤسساتها.

​فجر التأسيس : من الحجر والطين إلى سدة الإدارة :

​في العهد العثماني ، وتحديداً حين كانت إربد مركزاً لقضاء عجلون التابع لولاية دمشق ، انطلقت المسيرة من غرفة واحدة متواضعة مبنية من الحجر والطين في " الحارة الفوقا " . هناك ، تشكل أول مجلس بلدي برئاسة الشيخ محمد الحمود الخصاونة ، الذي أرسى القواعد الأولى للعمل البلدي حتى عام 1890 م . ثم تلاه في عام 1891 م الشيخ سعيد حسن الشرايري ، كأول رئيس منتخب شعبياً ، ليقود دفة المدينة بحكمة واقتدار حتى عام 1902 م .

​ومع مطلع القرن العشرين ، سجل التاريخ الحقبة الأطول في عمر البلدية برئاسة الشيخ مصطفى قاسم حجازي ( 1903 – 1928 م ) ، عاصر خلالها تحولات سياسية كبرى . ومع نشوء الدولة الأردنية ( امارة شرق الاردن ) في عام 1921 م ، برز اسم الشيخ عبد القادر أحمد التل ، الذي نال ثقة الإربديين في فترتين انتخابيتين ( 1929 – 1932 م ، و 1936 – 1939 م ) ، تخللهما رئاسة السيد محمد عواد حجازي ما بين عامي 1933 و 1936 م .

​حقبة محمود الخالد الغرايبة : " الباشا " وسادن الحق ( 1939 – 1943 م ) :

​وفي سجل الخالدين ، تبرز محطة الباشا محمود الخالد الغرايبة ، الذي أبصر النور في قرية " المغير " عام 1900 م ، ليكون شعلة متقدة في الحركة الوطنية العروبية . هذا الرجل الذي صهرته الخبرة الإدارية والقانونية منذ العهد العثماني وفي " حكومة إربد المحلية " ، عاد بطلب من الأمير المؤسس عبد الله بن الحسين ليتولى رئاسة بلدية إربد في عام 1939 م خلفاً للسيد عبد القادر التل .

كان الباشا قبل تبوُّئه منصب رئاسة بلدية إربد عام 1939 م ، خدم الباشا في سلك وزارة الداخلية الأردنية إبان عهد الإمارة ، حيث شغل وظيفة ' كاتب الرسائل ' ، وهي مرتبة إدارية رفيعة توازي في هيكلها التنظيمي المعاصر منصب ' رئيس الديوان '.

​تميزت حقبة محمود الخالد بالنزاهة والترفع والعدالة المطلقة . فقد نقل " هيبة المعلم " وحرصه على النظام إلى أروقة البلدية ، فكانت فترته مثالاً للانضباط الإداري والمالي . لم تكن البلدية في عهده مجرد مؤسسة خدمية ، بل كانت بيتاً مفتوحاً لكل الإربديين ، حيث رسخ مفهوم " المسؤول القدوة " الذي يوازن بين تحديات التوسع العمراني وبين الحفاظ على أصالة المدينة وهويتها . لقد وظف " الباشا " وجاهته وثقة القيادة به لخدمة المزارعين وتطوير الخدمات وحماية المظلومين ، فظل اسمه محفوراً في ذاكرة الوطن كأحد رجالات الرعيل الأول الذين أسهموا في بناء الدولة بإمكانيات متواضعة وإرادة صلبة .

محمود الخالد الغرايبة
من أبناء عشيرة الغرايبة

محمود الخالد الغرايبة

أحد رجالات الغرايبة الذين تولوا رئاسة بلدية إربد بين عامي 1939 و1942، وقد ارتبط اسمه بحقبة الوفاء والنزاهة والعدالة الإدارية في ذاكرة المدينة.

قراءة الصفحة الخاصة بمحمود الخالد الغرايبة

​مسيرة العطاء عبر الأجيال :

​استمرت قافلة البناء ، فتولى السيد خلف أحمد مرعي التل المسؤولية بالتعيين ( 1942 – 1950 م ) ، ثم السيد سامح حجازي حتى عام 1954 م . ومع عودة المجالس المنتخبة ، تسلم السيد مفلح السعد البطاينة الأمانة ( 1955 – 1962 م ) ، يليه السيد نعيم عبد القادر التل ( 1964 – 1967 م ) . وفي السبعينيات ، برزت قامات إدارية وازنة ، حيث تولى الباشا محمد أحمد سليم البطاينة الرئاسة بالتعيين ( 1970 – 1977 م ) ، ثم الدكتور صبحي غنيمة ( 1977 – 1979 م ) ، والسيد سامي ارشيدات ( 1980 – 1982 م ) .

​العصر الحديث وإربد الكبرى :

​دخلت إربد مرحلة جديدة من التنظيم مع تولي المحامي عبد الرؤوف ارشيد التل الرئاسة بالانتخاب ( 1995 – 1999 م ) ، ثم تلتها فترات إدارية للجان برئاسة المحامي عبد الرحيم الحتاملة والمهندس وليد المصري . ومع عودة المجالس الكبرى ، تعاقب على الرئاسة كل من السيد غازي الكوفحي والمهندس حسين بني هاني ، وصولاً إلى رئاسة الدكتور قبلان الشريف كرئيس لجنة ، ومن ثم المهندس نبيل الكوفحي منذ عام 2022 ولغاية 2025 م ، وحاليا يرأسها رئيس لجنة بلدية وهو السيد عماد العزام منذ تموز 2025 م ، وحتى يومنا هذا .

​ تقف بلدية إربد الكبرى كشاهد حي على تطور الدولة الأردنية . فمن شارع الملك عبد الله الثاني الذي كان طريقاً ترابياً في عام 1900 م ، إلى المخططات الشمولية الحديثة ، ظلت البلدية هي الركيزة الأساسية في حياة المواطن . إننا ونحن نستذكر هذه السير العطرة ، إنما نؤكد أن إربد ستبقى " أولاً " بأهلها ، وتاريخها ، ورجالاتها الذين لم يبخلوا يوماً بعطائهم . رحم الله من رحل من بناة هذا الصرح ، حفظ الله إربد الأبية، وأدامها عروساً للشمال ومنارةً تفيضُ جوداً وسخاءً , لتبقى دوماً موطناً للفضل ، ورمزاً خالداً للخير والعطاء في ظل أهلها الكرام.

وثيقة من الذاكرة البلدية

وثيقة تاريخية في الصحافة

وثيقة تاريخية من بلدية إربد
وثيقة تاريخية من ذاكرة بلدية إربد ومسيرتها المؤسسية.
سجل بصري للرؤساء

صورة جامعة لرؤساء البلدية

صورة لرؤساء البلدية
صورة جامعة لجميع الأشخاص الذين تولوا رئاسة البلدية.
قيصر غرايبة
الكاتب

قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.