يتناول هذا المقال التوثيق التاريخي والتراثي لحرفة الحايك ( النساج ) في شمال الأردن ، مستعرضاً أدواتها ، أساليب عملها ، تحدياتها ، وواقعها المعاصر .

حرفة الحايك ( النساج ) في شمال الأردن : ذاكرة النسيج الريفي وأصالة التراث الشفوي

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُعدّ حرفة الحايك ( النساج ) من أعرق المهن التراثية التقليدية التي عرفتها قرى وبلدات شمال الأردن ( محافظات إربد ، عجلون ، وجرش ، وسهل حوران عموماً ) . لقد شكلت هذه المهنة اليدوية ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد المنزلي المكتفي ذاتياً قبل ظهور المنسوجات الحديثة والمعامل الآلية ، حيث اعتمد " الحايك " على مهارة يدوية وفنية عالية لنسج الأقمشة والبسط باستخدام النول الخشبي ونسج خيوط الصوف والقطن وشعر الماعز .

أولاً : طبيعة المهنة والأدوات التقليدية :

​تعتمد عملية الحياكة على أجهزة وأدوات خشبية وطبيعية مصممة بحرفية دقيقة تناسب بيئة الشمال الريفية :

​1  ) النَّوْل الخشبي : الأداة الأساسية والمحرك الرئيسي للحائك ، وتعتمد ميكانيكياً على حركة متناسقة ومتقنة للأطراف الأربعة ( اليدين والقدمين ) لتحريك خيوط السداة واللحمة .

2  ) المطواية والمثلث : أدوات خشبية تُستخدم لشد الخيوط ( مثل خيوط القطن الأصلي ) وتجهيزها لبدء عملية النسيج .

3  ) المِشْط : يُصنع عادة من " القصيب " ( القصب المحلي ) المجموع من أودية الشمال ومشاريعها المائية ، ويُستخدم لتنظيم الخيوط ورصّها بانتظام أثناء النسيج .

4  ) المادة الخام : الصوف الأبيض والأسود وشعر المعز ، بعد تنظيفه وغسله بالمقالي وغزْله بـ " المغزل " اليدوي قبل تسليمه للحايك .

ثانياً : تقسيم العمل بين الرجال والنساء ( الحياكة بين الجنسين ) :

​لم تكن الحياكة بمفهومها الشامل مقتصرة على الرجال الذكور فحسب ، بل كانت إرثاً تشاركياً متكاملاً بين النساء والرجال في القرى والبوادي الأردنية :


ثالثاً : مكان عمل الحائك ( بين البيت والسوق ) :

​ارتبط مكان عمل الحائك بطبيعة البيئة والمجتمع :


رابعاً : أبرز منتجات الحايك :


خامساً : التحديات والأخطار التي كانت تواجه الحائك :

​رغم القيمة الاجتماعية والاقتصادية للأنشطة التي كان يقوم بها الحائك ، إلا أنه كان يواجه جملة من الصعوبات والأخطار الجسدية والبيئية أثناء ممارسته اليومية لهذه المهنة الشاقة :

​1  ) الإجهاد البدني والآلام العضلية : جلوس الحائك لساعات طويلة في وضعية واحدة ثابتة أمام النول الخشبي ، مع الاعتماد المستمر على حركة القدمين ( لدوس البدالات ) واليدين ( لتحريك المكوك والمشط ) ، كان يتسبب في آلام حادة ومزمنة في الظهر ، اليدين ، والمفاصل .

2  ) أمراض الجهاز التنفسي والعيون : كان تطاير الغبار وغبار الغزل والألياف الصوفية والقطنية الدقيقة أثناء عمليتي النسيج والتدوير يؤدي إلى مشاكل تنفسية وحساسية الصدر ( كالسعال المزمن ) ، بالإضافة إلى إجهاد العينين وضعف النظر الناجم عن التركيز الدقيق في الخيوط الدقيقة تحت إضاءة الغرف القديمة الخافتة .

3  ) المخاطر الصحية الناتجة عن المواد الخام والصبغات : التعامل المباشر مع أصواف الماعز والأغنام غير المعالجة كيميائياً كان يعرض الحائك للحشرات والطفيليات ، إلى جانب استنشاق أبخرة الصبغات الطبيعية والكيميائية البدائية أثناء غلي الخيوط وتلوينها .

4  ) تقلبات الموسم وتلف المواد : الاعتماد الكبير على مواسم جز الصوف وغزله كان يجعل دخل الحائك متذبذباً ، ناهيك عن خطورة تلف الأكوام الصوفية أو الخيوط المخزنة نتيجة الرطوبة أو الآفات ( مثل السوس والدود ) في البيوت والورش القديمة .

سادساً : تقنية " إعادة التدوير " ( الاستدامة القديمة ) :

​من أبهر صور إدارة الموارد قديماً في قرى الشمال ، كان ما يُعرف بـ إعادة تدوير الأقمشة والخرق ، حيث كان الأهالي يجمعون الملابس والأقمشة البالية والمهترئة ويأخذونها للحايك ليقوم بطحنها وتقطيعها ، ثم دمجها مع خيوط القطن لنسجها من جديد في صورة سجاد أو بسط دافئة ومتينة ومجدية اقتصادياً .

سابعاً : التوثيق المحلي وأشهر عائلات الحرفة في إربد :

​ارتبطت الحرفة بعائلات وشخصيات تركت بصمة في الذاكرة الشعبية للمنطقة وثّقتها المصادر التراثية والمواقع المحلية :

​1  ) عشيرة الغزلان ( عائلة أبو درويش - حوارة إربد ) : تُعد من أبرز وأشهر الأمثلة التراثية في بلدة حوارة إربد ، حيث تعلم أحفاد " أبو درويش " من عشيرة الغزلان مهنة الحياكة وغزل البسط والسجاد والفجج وتوارثوها عبر الأجيال ، وكان يقصدهم أهالي البلدة والقرى المجاورة لتلبية احتياجاتهم قبل أن تتوقف المهنة منذ عقود .

2  ) الحائك أبو فاروق ( إربد والشونة ) : من الممارسين المعروفين الذين حافظوا على النول الخشبي وصناعة البسط التراثية ذات النقوش الحورانية .

3  ) الحائك محمد السليم ( الرمثا ) : اشتهر بصناعة المخالي والعدول وأغطية الخيل والإبل من شعر المعز وصوف الغنم على مستوى سهل حوران .

4  ) حياكو " حارة الخمايسة " وسوق الجمعة القديم ( مدينة إربد ) : حيث كانت تنتشر الورش والدكاكين الصغيرة لنسج العباءات والبسط الشعبية للمضافات .

ثامناً : واقع الحرفة حالياً ( في شمال الأردن وعموم المملكة ) :

​تحول المشهد المهني لحرفة الحياكة اليوم بشكل جذري ، حيث انتقلت من كونها ركيزة اقتصادية يومية إلى موروث ثقافي وفني تحيط به التحديات :


قائمة المصادر والمراجع

  1. ائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) موقع حوارة الإلكتروني ( Kenana Online ) ، أرشيف توثيق مهنة الحياكة في حوارة - إربد .
  3. 2  ) مجلة الگاردينيا الثقافية العامة ، مقال : " أيام زمان - الجزء الثاني والعشرون / مهنة الحايك ( النساج ) " .
  4. 3  ) شبكة الجزيرة نت ، تقرير : " صانع الحايك بالقيروان يقاوم غزو المنسوجات الحديثة " .
  5. 4  ) أرشيف متحف التراث الشعبي الأردني ، جامعة اليرموك ، إربد - الأردن .