يتناول المقال سيرة عطرة صاغها الراحل الصيدلاني فؤاد قاسم الغرايبه ، كأحد أوائل الخريجين من إيطاليا ومدير صيدلية مستشفى الأميرة بسمة ومؤسس صيدليته العريقة بوسط إربد . وتستمر رسالته الإنسانية المخلصة عبر عائلته الفاضلة وابنه الصيدلاني أنس الذي يواصل إدارة صرح والده الطبي بنفس الأمانة والسمعة الطيبة .

المرحوم الصيدلاني فؤاد قاسم الغرايبه : مسيرة علمية معطاءة وإرث إنساني نبيل

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تزخر ذاكرة الوطن بشكل عام ، ومدينة إربد بشكل خاص ، بسير رجال مخلصين وهبوا حياتهم لخدمة مجتمعاتهم ، وتركوا بصمات جليلة في ميادين العلم والإنسانية لا تمحوها الأيام . ومن بين هؤلاء الأعلام الرواد ، يبرز اسم قامة وطنية وعلمية سامقة غرس في أرض " عروس الشمال " بذار الخير والأمانة الطبية ، فكان بلسمًا دافئًا وملاذًا للمرضى ، وصاغ بجهده وتفانيه حكاية نجاح ملهمة تتناقلها الأجيال بكل فخر واعتزاز .

​ولد الفقيد في مدينة إربد عام 1952 م ، ونشأ في بيئة أردنية أصيلة تقدر العلم والتميز وتتطلع نحو المستقبل بشغف . بدأت مسيرته التعليمية بخطوات واثقة وعزيمة صلبة ، فتلقى دراسته الابتدائية في مدرسة أبو عبيدة عامر بن الجراح الابتدائية في مدينة إربد ، لينتقل بعدها إلى مدرسة عمر المختار الإعدادية حيث صقلت مهاراته وبدايات تطلعاته العلمية ، قبل أن يتوج مرحلته المدرسية في أعرق منارات العلم في شمال المملكة آنذاك ، مدرسة ثانوية إربد ، نائلاً شهادة الثانوية العامة بجدارة عام 1970 م .

​ولأن طموحه العلمي لم تحده الجغرافيا ، شدّ الراحل رحاله غربًا نحو الديار الإيطالية ، ليكون في طليعة الرعيل الأول من الطلبة الأردنيين الذين التحقوا بالجامعات الإيطالية العريقة . واستقر به المطاف في جامعة بيروجيا ( Università degli Studi di Perugia ) المرموقة ، الواقعة في عاصمة إقليم أومبريا بأواسط إيطاليا ( على بُعد حوالي 160 كيلومتراً شمال العاصمة روما ) ، حيث نهل من علوم الصيدلة الحديثة وتبحر في معارفها ، ليعود إلى وطنه عام 1976 م متسلحًا بشهادة علمية رفيعة ورؤية إنسانية واعدة سخرها بالكامل لخدمة أبناء شعبه ووطنه .

​العطاء المهني والرسالة الإنسانية :

​لم تكن الصيدلة في نظر الفقيد مجرد مهنة روتينية لصرف العقاقير ، بل كانت رسالة أخلاقية وإنسانية مقدسة تتطلب أعلى درجات الأمانة والدقة . بدأ مسيرته العملية عام 1977 م بالتحاقه بوزارة الصحة الأردنية ، حيث تولى مسؤولية التفتيش على الصيدليات ، مساهمًا بدور محوري في ضبط جودة القطاع الدوائي الناشئ وتطوير معاييره في ذلك الوقت .

​ونظراً لتميزه العلمي وشخصيته القيادية الفذة وحرصه المتناهي على سلامة المرضى ، ترفع سريعاً عام 1978 م ليصبح مديراً لصيدلية مستشفى الأميرة بسمة التعليمي ، وهو الصرح الطبي المركزي الذي يخدم إقليم الشمال بأكمله . وفي قلب مدينة إربد النابض ، أسس المرحوم " صيدلية فؤاد " العريقة ، والتي لم تكن مجرد مركز لصرف الدواء ، بل تحولت بفضل خُلقه الرفيع وتعاطفه الصادق إلى ملاذ ومقصد لكل محتاج واستشارة ، متميزًا بقدرة فائقة على تبسيط المصطلحات الطبية ومجسدًا أسمى قيم ومبادئ قسم المهنة الأخلاقي ، حيث لا تزال الصيدلية قائمة وتؤدي رسالتها النبيلة إلى يومنا هذا .

​الحياة الأسرية والإرث المستدام :

​إن هذا التميز المهني المشهود حظي دائمًا برعاية وبيئة أسرية دافئة ووقورة صانت هذا الإرث الطيب ، فقد ارتبط المرحوم بزوجة صالحة وإنسانة جليلة وقورة من عائلة " الشيخ سالم " العريقة ، وكانت له خير سند وشريكة في رحلة الكفاح وبناء الأسرة على قيم العلم والأخلاق . وقد أثمر هذا الارتباط المبارك عن عائلة متميزة سارت على خطاه ، حيث أنجب ولداً وبنتين :

1 ) ​الصيدلاني أنس فؤاد الغرايبه : الذي ورث عن أبيه أمانة المهنة الإنسانية وشغفها ، ويتولى اليوم بكل كفاءة واقتدار إدارة " صيدلية فؤاد " في وسط إربد ، محافظاً على هذا الصرح قائماً ومستمراً بنفس الروح الطيبة والسمعة العطرة التي تفيض بالخير .

2 ) ​دينا فؤاد الغرايبه : الابنة التي نشأت في ظلال هذه العائلة الكريمة على قيم الفضل والعطاء .

3 ) ​ريما فؤاد الغرايبه : الابنة التي تمثل مع شقيقيها امتداداً حياً للسيرة الطيبة والذكرى العطرة للوالد الراحل .

​إن شمس الصيدلاني المرحوم فؤاد قاسم الغرايبه وإن غابت عن دنيانا بأمر الله إثر انتقاله إلى الرفيق الأعلى في 16 كانون الثاني عام 2002 م ، إلا أن ذكراه الطيبة تظل حية نابضة بالخير في قلوب كل من عرفوه ، وفي تفاصيل مدينته التي أحبها وأحبته . سيبقى إرثه منارةً تضيء درب عائلته ومحبيه ، وحكاية أردنية يملؤها الوفاء والتميز ، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته .

​وقد استندتُ ، أنا معد هذا المقال ، في تدوين هذه السيرة العطرة وتوثيق معلوماتها بدقة وأمانة ، إلى شهادات حية وتفاصيل موثوقة قُدمت من خلال شقيق المرحوم ، السيد الفاضل فريد قاسم الغرايبه ، الذي ندعو الله له دائمًا بطول العمر والشفاء التام والصحة والبركة ، وكذلك من خلال ابنه البار ، الصيدلاني أنس فؤاد الغرايبه ، متمنين له دوام التوفيق والتفوق والتقدم المستمر في مهنته الإنسانية وحياته .