يتناول هذا المقال سيرة الشهيد الأردني البطل نجيب السعد العلي البطاينة موثقاً نشأته في إربد ودمشق ومسيرته العسكرية ضابطاً في الجيش العثماني قبل أن ينتقل للمشاركة في معارك الجهاد ضد الغزو الإيطالي في ليبيا حيث سطر ملاحم بطولية خالدة في مسوس والشلظمية والكردايسي نال على إثرها شهادة العز والبطولة كأول شهيد أردني وعربي على التراب الليبي امتداداً لتضحيات عائلته العريقة في خدمة قضايا الأمة .
الشهيد نجيب السعد العلي البطاينة : سيفٌ أردنيٌّ صقلتهُ رمالُ ليبيا
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
لم تكن سيرة الشهيد نجيب السعد العلي البطاينة مجرد محطات في حياة ضابط عسكري ، بل كانت ملحمةً قوميةً انطلقت من شمال الأردن لتخطَّ فصولها على رمال الجبل الأخضر في ليبيا ، مرسخةً مفهوم العروبة العابرة للحدود بوصفه أول شهيد أردني وعربي على التراب الليبي .
النشأة في ظلال المجد :
وُلد نجيب عام 1882 م في قرية البارحة بإربد ، في بيتِ والده الشيخ سعد العلي البطاينة ، شيخ مشايخ بني جهمة والزعيم الذي كان يقصده القاصي والداني لحل الخلافات . في هذا البيت ، تشرّب نجيب مبادئ الفروسية والقيم العربية ، قبل أن يرحل إلى دمشق ليتلقى علومه في مدرسة عنبر ، ثم يُتوج طموحه بالالتحاق بالكلية العسكرية في الأستانة ، حيث تخرج عام 1905 م برتبة ملازم ثانٍ . لم تكن حياته الوظيفية عادية ، فقد عمل قيماً للحج ومرافقاً للأمير ، وبدأ صقل وعيه القومي بانتسابه للجمعية القحطانية السرية عام 1909 م ، التي كانت حاضنةً للفكر التحرري .
نداء الواجب من اليمن إلى ليبيا :
لم يقف نجيب عند حدود الخدمة العسكرية التقليدية ، بل قادته الأقدار للمشاركة في جبهة اليمن عام 1910 م لإخماد ثورة الإمام يحيى . وحين حطَّ الرحال في ليبيا عام 1911 م برفقة القادة عزيز علي المصري وعلي خلقي الشرايري ، كان يدرك أن المعركة تتجاوز الدفاع عن أقاليم عثمانية ؛ إنها معركة وجود للأمة ضد الغزو الإيطالي . وعندما وقعت معاهدة أوشي التي تخلت فيها تركيا عن ليبيا ، أبى نجيب إلا أن يكمل مسيرة الجهاد ، منتقلاً إلى هضبة برقة ليصبح فارساً من فرسان الحركة السنوسية بقيادة الشيخ أحمد الشريف .
مسيرة المعارك والبطولات :
لقد خاض الشهيد مسيرةً جهاديةً زاخرةً بالمواقف التي تعكس صلابة الإرادة ، حيث بدأت فصول بطولاته في عام 1913 م بمعركة محروقة ، وهي المعركة التي قادها المجاهد محمد بن عبد الله اليوسفي من الجانب العربي ضد القائد الإيطالي مياني ، حيث استمر الاشتباك الضاري لخمس ساعات اتسمت بالعنف ، وتمكن فيها المجاهدون من تكبيد الضباط الطليان خسائر كبيرة ، وهي المعركة التي وصفها المؤرخون بأنها إحدى أهم معارك الجهاد .
وفي يوم 28 شباط 1914 م ، خاض نجيب معركة الشلظمية التي استمرت أكثر من عشر ساعات ، وكان نجيب قائدها وفارسها وجريحها ، حيث استطاع فيها المجاهدون تكبيد العدو أكثر من 300 قتيل في فتحٍ عظيم للمقاومة الليبية ، رغم وقوع 200 شهيد من صفوف الثوار . وفي اليوم التالي مباشرة ، أول آذار 1914 م ، خاض معركة الكردايسي التي كانت أشد وجعاً على الجيش الإيطالي ، حيث اعتمد نجيب أسلوب القتال النظامي الكر والفر والمباغتة ، فتمكن من قتل أكثر من سبعة ضباط طليان برتب متقدمة ، وتدمير أسلحة وذخائر وسيارات تموين . وفي هذه المعركة ، أظهر نجيب صلابة أسطورية ، إذ أخرج الرصاصة التي أصابته في ساقه بيده ورفض التراجع ، حتى توج مسيرته بالشهادة في معركة مسوس يوم 4 آذار 1914 م ، بعد قتال ضارٍ نال فيه الشهادة في ساحة البطولة .
ذاكرةٌ حيةٌ ووفاءٌ لا ينضب :
لقد أحبّ الشعب الليبي نجيب البطاينة ، وأصبح اسمه نجيب الحوراني رمزاً للنضال . وقد بكاه الشيخ أحمد الشريف السنوسي بكاءً مراً ، وذكره القادة كأشجع الشجعان . تجسد الوفاء في تسمية شوارع ليبية باسمه ، وفي تلك الرحلة التاريخية التي قام بها شقيقه المرحوم الدكتور عارف البطاينة لزيارة ضريحه بدعوة من الرئيس السابق لليبيا معمر القذافي ، وفي زيارة زوجته المرحومة السيدة فايزة السنوسي لضريحه عام 1965 م ، في قصة إنسانية تربط الأردن بليبيا برباط الدم والمصير .
إرثُ عائلةٍ لا يهدأ :
إن قصة نجيب البطاينة ليست حدثاً منقطعاً ، بل هي حلقة في سلسلة نضال عائلة البطاينة العريقة ، التي امتدت لتشمل تضحيات حفيده الشهيد راتب البطاينة في معركة الكرامة ، حيث هجم بدبابته على العدو الصهيوني حتى نال الشهادة . إنها قصةُ أحرارٍ نذروا أنفسهم لأرضهم ، فكان الجد شهيداً في مسوس بليبيا ، وكان الحفيد شهيداً على ثرى فلسطين ، ليظل التاريخ شاهداً على أن هذا البيت الأردني قد صاغ البيان التحريضي لنهضة الأمة بالدم والفعل ، لا بالقول وحده .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) أرشيف التاريخ العسكري العربي والليبي : توثيق معارك الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي .
- 2 ) شهادات ومرويات العائلات التاريخية والمؤرخين المحليين : توثيق سيرة الشهيد نجيب السعد العلي البطاينة .
- 3 ) الذاكرة الوطنية والتاريخية المصورة : سجلات توثيق الأعلام والقيادات العسكرية الأردنية المغتربة .
- 4 ) الدراسات التاريخية المعاصرة : توثيق دور الضباط الأحرار في الحركات التحررية العربية

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.