لطالما كانت الحاجة أم الاختراع، ولطالما كان الإنسان هو المحرك الأساسي لعجلة الحياة في أزمنة سبقت ثورة الآلات والتقنيات . وفي قلب الحواضر والمدن العربية والإسلامية القديمة ، برزت شخصيات لم تكن مجرد أدوات لتقديم الخدمة ، بل كانت صمام أمان للمجتمع وعماداً ليومياته . ومن بين هذه المهن التاريخية ، تتربع مهنة ( السَّقَّـا ) كواحدة من أنبل الحرف التقليدية التي جسدت مفهوم التكافل الإنساني والجهد البدني المخلص

مهنة من ذاكرة المدن والحواضر القديمة

السقا: شريان الحياة القديم وصمود التراث أمام الحداثة

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​لطالما كانت الحاجة أم الاختراع، ولطالما كان الإنسان هو المحرك الأساسي لعجلة الحياة في أزمنة سبقت ثورة الآلات والتقنيات . وفي قلب الحواضر والمدن العربية والإسلامية القديمة ، برزت شخصيات لم تكن مجرد أدوات لتقديم الخدمة ، بل كانت صمام أمان للمجتمع وعماداً ليومياته . ومن بين هذه المهن التاريخية ، تتربع مهنة ( السَّقَّـا ) كواحدة من أنبل الحرف التقليدية التي جسدت مفهوم التكافل الإنساني والجهد البدني المخلص . لم يكن السَّقَّـا مجرد عابر يحمل الماء ، بل كان طوق النجاة وشريان الحياة الذي يربط بين عيون الماء العذبة وبيوت الناس ، حاملاً على عاتقه أمانة الصفا والطهارة في زمن لم تعرف فيه البيوت صنابير ( الحنفيات ) المياه أو شبكات الأنابيب .

السقا
السقا — شريان الحياة القديم وصمود التراث أمام الحداثة

أولاً : الجذور التاريخية والنشأة والتطور

​مكانة المهنة : حظيت السقاية بتقدير رائع ومكانة مرموقة في الموروث العربي والإسلامي منذ القدم ، حيث كانت تُصنف كأحد أعظم أعمال البر والخير والتشريف ، ارتباطاً بالحث الديني والاجتماعي الذي يعلي من شأن " سقي الماء " .

​الانتشار الجغرافي القديم : سادت هذه المهنة وازدهرت على مدى قرون طويلة في الحواضر والمدن العربية الكبرى ، مثل القاهرة ومدن دول الخليج العربي وبلاد الشام والعراق ) لا سيما في العصرين الأيوبي والمملوكي ( ، ودمشق ، وحماة ، بالإضافة إلى القرى والمدن الأردنية والفلسطينية التي اعتمدت تاريخياً على الينابيع وعيون الماء والآبار . وقد برز دور السَّقَّـا بشكل حيوي ومضاعف في المدن والمناطق الأردنية التي تمتاز بالطبيعة والمناخ الحار شديد الجفاف ، مثل مناطق الأغوار كافة ، سواء في الشونة الشمالية والشونة الجنوبية ، و دير علا ، و الأغوار الجنوبية وغور الصافي ، فضلاً عن المناطق الصحراوية الممتدة ، وأماكن انتشار التجمعات السكانية البدوية في الصحراء والبادية الأردنية ، حيث كان تأمين الماء البارد والنقي يمثل تحدياً يومياً يقع على عاتق السَّقَّـا .

ثانياً : أدوات المهنة التقليدية ( عُدّة السَّقَّـا )

​اعتمد السَّقَّـا في أداء مهمته اليومية الشاقة على أدوات بسيطة وبدائية ، إلا أنها صُممت بذكاء للحفاظ على جودة المياه ونقائها وبرودتها طوال رحلة النقل :

​القربة ( أو الراوية ) : وهي وعاء جلدي مرن ، يُصنع في الغالب من جلود الماعز أو الضأن المدبوغة بعناية فائقة ، وذلك لضمان عدم تغير طعم المياه وعزلها عن حرارة الجو الخارجية لتبقى باردة ومنعشة .

​وسائل النقل التقليدية : كان السَّقَّـا يحمل القربة على ظهره أو يتكئ بها على جنبه في المسافات القصيرة . أما في حالات الطلب المرتفع والمسافات البعيدة ، فكان يستعين بالدواب ( كالحمير والجمال ) لحمل " الراويات " الضخمة التي يتم موازنتها بدقة على جانبي الدابة .

​الكيزان والنحاسيات : هي أوانٍ وأكواب نحاسية مصقولة ، كان يحملها السَّقَّـاؤون الجوالون في الأسواق لسقي المارة . وكانت تتميز برنتها ونغمتها الخاصة الناتجة عن طرقها ببعضها ، لإثارة انتباه العطاشى وجذبهم .

ثالثاً : أخلاقيات المهنة والتنظيم النقابي الصارم :

​مع اتساع المدن تاريخياً ، لم يعد الالتحاق بالمهنة عشوائياً ، بل خضعت الحرفة لمعايير صارمة واختبارات دقيقة تحت إشراف " شيخ طائفة السَّقَّـائين " و " المحتسب " :

​القوة البدنية : كان المتقدم للمهنة يخضع لاختبار تحمل قاسٍ ، يتمثل في حمل قربة مملوءة بالرمل الثقيل والسير بها لعدة أيام دون جلوس أو راحة ، للتأكد من سلامة بنيته وقدرته على تحمل مشاق السير الطويل .

​الأمانة والتقوى : نظراً لأن عملهم يتطلب دخول البيوت والاطلاع على الحرمات ، كان يُشترط في السَّقَّـا غض البصر ، والأمانة المطلقة ، والسمعة الحسنة ، والحرص التام على نظافة المياه وحمايتها من أي تلوث .

​التنظيم النقابي القديم : تشكلت للمهنة نقابات وطوائف منظمة تدير شؤونها ( مثل طائفة باب البحر وحارة السَّقَّـائين في القاهرة ) ، وكان لكل طائفة " شيخ " يمثلها ، ويفصل في نزاعاتها ، ويمنح رخص مزاولة المهنة .

رابعاً : بداية التحول العصرى والاندثار التدريجي :

​مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، بدأت ملامح المدنية الحديثة تتشكل ، مما وضع حداً للمهنة في صورتها التقليدية وفق التسلسل التالي :

​1 ) عام 1865 م : بدأت المهنة في التلاشي تدريجياً في العواصم الكبرى مع تأسيس شركات المياه الحديثة في مصر ( مثل شركة مياه مصر ، وفي الاردن في بداية القرن 21 مثل شركات مياهنا واليرموك ) ، وبدء عملية مد الأنابيب الأرضية وتثبيت آلات الضخ الميكانيكية .

2 ) ظهور الصنبور ( الحنفية ) المنزلي : إن وصول " الصنبور " ( الحنفية ) إلى داخل المطابخ والمنازل أزال الحاجة تماماً لوجود وسيط يدوي ينقل الماء .

3 ) المضخات الآلية والتوسع العمراني : ساهمت التكنولوجيا لاحقاً في ابتكار مضخات قادرة على رفع المياه إلى الطوابق العليا شاهقة الارتفاع ، وظهور محطات تنقية المياه العملاقة ، وأنظمة التعقيم بالكلور ، واستخدام الخزانات المعدنية والبلاستيكية الحديثة ومحلات بيع المياه وزجاجات المياه المعبأة اليا.

خامسا : الامتداد الحديث للسَّقَّـا في السياق الأردني والإقليمي :

​كان السَّقَّـا في الأردن وبلاد الشام ، يمثل الرابط الأساسي بين عيون الماء والآبار القريبة وبين الأحياء السكنية ، حيث كان يملأ " الجِرار " الفخارية الكبيرة والخابيات المنزلية المعدة لحفظ الماء . ومع تطور البنية التحتية وزحف المدنية ، شهدت هذه المهنة تحولاً وظيفياً مواكباً للعصر ولم تختفِ قيمتها تماماً ، إذ تحولت من القربة الجلدية والجهد العضلي إلى " صهاريج المياه " الآلية المتنقلة ( التناكر : التنكات ) ، والتي لا تزال حتى يومنا هذا تؤدي دور السَّقَّـا القديم في تزويد المناطق النائية أو البعيدة عن شبكات المياه المركزية ، مما يشكل امتداداً حديثاً ومعاصراً لهذه الحرفة العريقة .

​إن مهنة السَّقَّـا ، تماماً مثل مهنة ( الدومري ) الذي كان يضيء قناديل الشوارع ليلاً ، أو ( كاتب الاستدعاءات ) الذي كان يصيغ رسائل البسطاء أمام دور القضاء ودوائر الحكومية ، تظل رمزاً حياً لحقبة زمنية اتسمت بالتراحم الاجتماعي والخدمة الإنسانية المخلصة النابعة من القلب . ورغم أن عجلة التطور التكنولوجي قد غيبت " القربة الجلدية " وأحالت صاحبها إلى طيات الذاكرة والكتب ، إلا أن القيم الجوهرية التي بنيت عليها هذه المهنة — من أمانة ، وعطاء ، وبذل — ستبقى محفورة في وجداننا التراثي ، تذكرنا دائماً بأن الماء ليس مجرد مادة نستهلكها ، بل هو قصة صمود كُتبت بعرق الأجداد .

معرض السَّقَّـا

قائمة المصادر والمراجع :

  • ​1 ) تقرير ( السَّقَّـا مهنة اندثرت بفعل الزمن ) ... صحيفة اليوم السابع ... 2020 م .
  • 2 ) مقال ( السَّقَّـا مهنة حيوية غيبها التطور ) ... إعداد : منجد منصور وملهم الشريف ... 2022 م .
  • 3 ) الأرشيف التاريخي لمهنة السَّقَّـا في التراث الفلسطيني والأردني ... البيت المهني .
  • 4 ) كتاب ( الطوائف الحرفية في مصر العثمانية ) ... الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم ... مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب .
  • 5 ) دراسة ( الحياة الاجتماعية والمهن التقليدية في بلاد الشام خلال القرن التاسع عشر ) ... مركز دراسات الشرق الأوسط .
  • 6 ) موسوعة ( حلب القديمة : المهن والصناعات المندثرة ) ... محمد خير الدين الأسدي .