في حنايا الجغرافيا الأردنية حكايات ترويها التلال الشامخة، حيث تتمازج عراقة الماضي السحيق مع تفاصيل التحولات الاجتماعية التي صاغت هوية إنسان هذه الأرض. ومن رحم لواء الرمثا الأشم، يطل علينا " تل الرميث " كمنارة تاريخية فريدة، لا تختزل فقط صراع الإمبراطوريات والممالك القديمة وحصونها العسكرية، بل تقف شاهداً حياً على حكمة الإنسان الأردني وقدرته الفذة على إطفاء الفتن وبناء السلام المجتمعي في مطلع القرن العشرين.
تشكل التلال الأثرية في شمال الأردن شواهد حية على تعاقب الحضارات الإنسانية ، وتداخل الذاكرة الجغرافية مع الأحداث السياسية والاجتماعية التي صاغت هوية المنطقة . وفي قلب هذا النسيج التاريخي ، يبرز ( تل الرميث ) التابع للواء الرمثا في محافظة إربد كأحد أهم المواقع الأثرية والعسكرية التي شهدت صراعات الممالك القديمة من جهة ، واحتضنت كبرى المصالحات العشائرية في التاريخ الأردني الحديث من جهة أخرى . إن قراءة سيرة هذا التل لا تقف عند حدود الحجر والفخار ، بل تبحر في تحولات المكان ودوره كمحور استراتيجي وعشائري عبر العصور .
أولاً : الموقع الجغرافي الدقيق والبيئة المحيطة :
يتبوأ تل الرميث موقعاً استراتيجياً عبقرياً في شمال الأردن ضمن محافظة إربد وتحديداً في لواء الرمثا ، حيث يتميز بتفاصيل جغرافية منحت الأهمية قديماً وحديثاً :
1 ) الموقع الدقيق : يبعد حوالي 15 كم شرق مدينة إربد ، و7 كم جنوب مدينة الرمثا ، ويمتد في المنطقة القريبة جداً من الحرم الجامعي لجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية ، وبالقرب من الحدود الأردنية السورية المشتركة .
2 ) طبيعة المكان : يتربع الموقع فوق تلة مرتفعة تشرف على السهول المحيطة بها والممتدة بين البلقاء جنوباً ونهر اليرموك شمالاً ، مما جعله نقطة مراقبة وإشراف عسكري وتجاري كشفتها الدراسات الأثرية المتعددة الصادرة عن مراكز الأبحاث ومنها جامعة اليرموك .
ثانياً : الأهمية الأثرية والربط مع النصوص القديمة والحفريات الأثرية:
اشتهر تل الرميث تاريخياً بكونه حصناً عسكرياً منيعاً يعود إلى العصر الحديدي ، شيد أساساً لحماية الطرق التجارية والاستراتيجية الحيوية في بلاد الشام :
1 ) التأسيس والتحصينات : يعود تأسيس الموقع إلى القرن العاشر قبل الميلاد ( العصر الحديدي الثاني ) . وقد كشفت التنقيبات الأثرية عن جدران دفاعية ضخمة مبنية من الطوب واللبن ، وخزانات أرضية عميقة استخدمت لتخزين الحبوب والمؤن لإسناد الحامية العسكرية .
2 ) طبقات الرماد والصراعات القديمة : أظهرت الحفريات وجود طبقات كثيفة من الرماد ، وهي أدلة مادية قطعية تدل على تعرض الحصن للتدمير والحرائق المتكررة نتيجة الصراعات العسكرية الدامية التي دارت في العصور القديمة بين ممالك المنطقة و مملكة آرام دمشق .
3 ) الربط مع النصوص التوراتية : رجح عالم الآثار الشهير " نيلسون غلوك " والكثير من علماء الآثار المعاصرين يميلون إلى أن تل الرميث ومدينة الرمثا الحالية بجذرها التاريخي هي الموقع الأدق للمدينة القديمة .
4 ) تاريخ الحفريا الأثرية ( 1962 - 1967 م ) : قاد عالم الآثار الأمريكي " بول لابل " تنقيبات واسعة ومنظمة في الموقع خلال عامي 1962 م و1967 م . وقد وثقت الصور التاريخية الملتقطة سنة 1967 م وجود المستكشفين و علماء الآثار عند التل . وأسفرت تلك الحفريات عن اكتشاف كميات ضخمة من الكسر الفخارية ، والأواني المنزلية ، والتماثيل الصغيرة التي تعود للعصر الحديدي .
5 ) الفترات اللاحقة والعثمانية : لم ينته دور التل بانتهاء العصر الحديدي ، بل أعيد استخدامه في فترات تاريخية متأخرة حيث عثر في طبقاته على بقايا معمارية وأثرية تعود للفترتين الرومانية والبيزنطية ، بينما تحولت قمة التل في العهد العثماني إلى مقبرة محلية لأهالي المنطقة .
ثالثاً : التحول التاريخي ... أكبر صلح عشائري في تاريخ الأردن ( صلح الرميث 1920 م ) :
مثلما كان تل الرميث مسرحاً لصراعات الممالك القديمة ، دارت في محيطه وجواره أواخر الدولة العثمانية ومطلع عهد الحكومات المحلية كبرى المواجهات والنزاعات بين حياة الفلاحة وحياة البادية ، والتي توجت بأكبر صلح عشائري حقق السلم الأهلي في المنطقة .
1 ) خلفية النزاع والوقائع الدامية : كانت القبائل البدوية الرحل ( مثل السرحان ، وبني خالد ، الرولة ، وبني صخر وغيرها ) تقصد شمال الأردن في الربيع طلباً للخصب والخضرة ، وتعود إلى الصحراء مع بداية الشتاء كرحلة الشتاء والصيف . وأثناء هذه الرحلات السنوية ، كانت تقع اصطدامات ومناوشات حادة مع أهالي القرى والفلاحين في طريقهم من أجل الاقتيات ، تطورت إلى غزوات عديدة . ومن أبرز هذه الوقائع : وقعة الشلالة عام 1918 م والتي راح ضحيتها أكثر من 500 شخص ، وحادثة مقتل الشيخ صالح الصالح ووقعة الرميث الأولى عام 1919 م ، والاعتداء على بلدة الطرة عام 1920 م من قبل بني خالد ، ووقعة اليهودية والجبيل عام 1919 م ، ووقعة أم الهوى والطوال ، والتي ختمت بـ " وقعة الرميث الأخيرة " عام 1920 م ، ودارت بين بني صخر والسرحان وعشائر الصقر بقيادة مجلي الكليب وحديثه الخريشا وماجد الزبن من جهة ، وبين الفلاحين بقيادة الشيخ فواز باشا البركات الزعبي من جهة أخرى .
2 ) المباحثات الأولية لشروط الصلح : قامت عشيرة بني حسن بالتوسط بين الفرقاء المعنيين بزعامة الشيخ امكازي أخو ارشيدة لإيقاف شلال الدم . وقام بنو خالد أولاً بإجراء صلح منفرد في الرمثا سمحوا فيه بكل شيء . أما الرماثنة وبنو صخر والسرحان ، فجرت بينهم مباحثات أولية بين الشيخ فواز البركات ومندوب القبائل البدوية الشيخ منصور القاضي ، وبحضور الشيخ سعد العلي البطاينة في قرية رحاب يوم الاثنين ( 4 / 10 / 1920 م ) .
3 ) الشروط والحدود : اشترط الرماثنة خلال المباحثات أن تعود الخيل والعدولة مثاني وتعود القرضة ، وأن يكون الصلح ( حفار ودفار ) أي إنهاء الخصومة كلياً بلا قيد ولا شرط . كما اشترطت القبائل أن يمتد الصلح جغرافياً من غباغب في حوران إلى الرمثا ، ومن جبل الدروز إلى الشلالة بالنسبة للرماثنة . أما بالنسبة لسعد باشا العلي فقد اشترطوا عليه أن يكون صلحه عن جبل عجلون كاملاً وليس عن نفسه فقط .
4 ) انعقاد مجلس الصلح الكبير : في يوم الثلاثاء ( 19 / 10 / 1920 م ) ، اجتمعت الأطراف المعنية لإجراء الصلح في مضارب بني حسن في قرية رحاب برئاسة امكازي أخو ارشيدة ، وحضر الاجتماع من بني صخر كل من الشيوخ حديثه الخريشا ومطيع بن زهير وعموم وجوه بني صخر ، وعن العيسى الشيخ بدر بن ماضي ، والشيخ فواز البركات وعدد من وجهاء الرمثا واللواء ، وحضر سعد باشا العلي البطاينة عن جبل عجلون . وكان في رفقة فواز البركات كل من : فاضل العزايزة ، سليمان الدرايسة ، عليان المخادمة ، عايد السريحين ، فضيل الياسين الخزاعلة ، وفياض الخزاعلة .
5 ) بنود الاتفاق النهائي والتسامح : افتتح أخو ارشيدة الحديث طالباً من الفرقاء الصلح ، فطلب الشيخ حديثه الخريشا بدم الشيخ صالح الصالح وقاله عنه ب٠أنه " عمود السماء " أما باقي القتلى ( حفار ودفار ) . غير أن الشيخ فواز البركات احتج على ذلك وطلب بأن يكون الصلح كاملاً ( حفار ودفار ) ، وقدم ابنه عبد الكريم الفواز بدلاً وفداء للشيخ صالح الصالح لقطع دابر الخصومة ، كما طالب بإعادة الأموال والودائع والديون التي كانت بين أفراد الطرفين قبل الحرابة . وبناء على ذلك تم الاتفاق على التسامح وتصافح الجميع ، واعتمد الشيخ فواز البركات ممثلاً لحوران ( حيث كانت الرمثا تتبع لها حتى ذلك التاريخ ) ، وسعد باشا العلي عن جبل عجلون ، وحديثه الخريشا ومطيع بن زهير عن بني صخر ، وبدر بن ماضي عن العيسى .
انتهت بهذا الصلح التاريخي المعارك الدامية بين أبناء الأرض الواحدة وعم السلم والمودة بينهم في الأردن ، وانقشعت تلك الغيمة المكفهرة من النزاعات وطويت تلك الصفحة ذات الأحرف السوداء وزالت أسباب التعارك إلى هذا اليوم . ليبقى تل الرميث شاهداً حياً في لواء الرمثا ومحافظة إربد على أن الآثار والتاريخ إرث وطني وإنساني يخص البشرية بأسرها ، يحكي قصص الحروب القديمة مثلما يحكي قدرة الإنسان الأردني على بناء السلام وصون الجوار .
وفي محصلة هذه القراءة التوثيقية المتأملة ، يثبت " تل الرميث " أن قيمة الأمكنة لا تنتهي بمغادرة صناعها ، بل تتجدد أدوارها لتصبح حصوناً للوعي وحراساً للذاكرة الوطنية . إن الحفاظ على هذا المعلم الأثري العريق ، والاحتفاء بذكراه التاريخية والاجتماعية ، هو وفاء صادق لنهج الآباء والأجداد الذين جعلوا من ثرى الرمثا وسهول إربد منبت وفاق ومنارة وفاء تجذب إليها كل الباحثين عن الأصالة وحقائق التاريخ ، ليبقى هذا الوطن واحة أمن تتسع بقيمها النبيلة لكل الأجيال .
معرض الصور
صور توثيقية بتنسيق كولاج — اضغط على أي صورة لعرضها بالحجم الكامل
المصادر والمراجع :
- العقيد الركن المتقاعد فاروق نواف السريحين ، كتاب " مدينة الرمثا ولوائها " .
- وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، التقارير الإخبارية الرسمية .
- صحيفة الرأي الأردنية ، مقال توثيقي بعنوان " الآثار إرث وطني بل وإنساني يخص البشرية بأسرها " .
- موقع ومنتديات إربد الثقافية ( irbid.hooxs.com ) ، توثيق العشائر والصلح العشائري .
- شبكة الانترنت ، موقع ( holylandjordan.com ) ، المادة المخصصة للمواقع التاريخية والأثرية ( BiblicalSite/68 ) .
- صحيفة الدستور الأردنية ، الأرشيف والمقالات التاريخية ( مقال رقم 730109 ) .
- جامعة اليرموك ، الدراسات والأبحاث الأثرية المنشورة ، مادة ( newsAR ) الصادرة بتاريخ 26 / 8 / 2019 م .
- جامعة الكويت ، دراسة وبحث أثري تعريفي بعنوان ( The Southern Part of the Levant as a Case Study ) .
قيصر صالح الغرايبة
كاتب وباحث في الذاكرة الاجتماعية والتاريخ المحلي، يكتب في توثيق المكان والإنسان والتحولات التي صنعت هوية المجتمع الأردني.
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.