تتميز القرية الأردنية بعلاقة فريدة ووثيقة جمعت بين الإنسان وبيئته الجغرافية عبر العصور، حيث طوع الأردنيون تفاصيل الطبيعة لخدمة استقرارهم الزراعي والأمني. ومن أبرز الشواهد الحية التي تختزل ذكاء العمارة الريفية التراثية في أردننا الحبيب، تبرز أبنية ” المناطير ” الحجرية، أو ما يُعرف في الموروث الشعبي بـ ” الماطير ” والقصور الزراعية، او العريشة لتشكل مَعلماً هندسياً واجتماعياً فذاً ينتشر على قمم جبال الأردن الشامخة وفي سهوله الفسيحة.
" المناطير" في الأردن: إرث معماري عريق يروي حكاية التلاحم بين الفلاح وأرضه في الجبال والسهول
تتميز القرية الأردنية بعلاقة فريدة ووثيقة جمعت بين الإنسان وبيئته الجغرافية عبر العصور، حيث طوع الأردنيون تفاصيل الطبيعة لخدمة استقرارهم الزراعي والأمني. ومن أبرز الشواهد الحية التي تختزل ذكاء العمارة الريفية التراثية في أردننا الحبيب، تبرز أبنية " المناطير " الحجرية، أو ما يُعرف في الموروث الشعبي بـ " الماطير " والقصور الزراعية، او العريشة لتشكل مَعلماً هندسياً واجتماعياً فذاً ينتشر على قمم جبال الأردن الشامخة وفي سهوله الفسيحة. لم تكن هذه الأبنية مجرد حجرات او عرائش عابرة للحراسة، بل كانت ركيزة لنظام أمني، واقتصادي، واجتماعي متكامل أدار من خلاله الفلاح الأردني مواسم الخير وجني الثمار، حيث تأسست فكرتها بالدرجة الأولى لتوفير الحماية القصوى للحقول والمزارع والمزروعات من خطر السرقة والنهب، ومن تطفل الحيوانات الشاردة أو العبث والتخريب الذي قد يطيح بجهد موسم كامل.
التأصيل اللغوي والامتداد التاريخي في البيئة الأردنية:
اشتُق لفظ " المنطار “، وجمعه " مناطير “، وفي بعض الأرياف الأردنية يُخفف اللفظ في اللهجة الدارجة إلى " المَطِير “، من الجذر الثلاثي (نَطَرَ) بمعنى حرس وراقب. والمنطار هو اسم آلة على وزن (مِفْعَال) يعني مكان النظر والمراقبة الجوية للحقل. وفي الموروث الأردني، “الناطور " هو الشخص الموكل إليه حماية الزرع والشجر وحراسة السهول والتلال من العبث والسرقات، وتتطابق هذه التسمية وظيفياً مع ما يُعرف في المأثور الجغرافي بالقصور الريفية الصيفية.
ولا يمكن فصل المناطير الزراعية في الأردن عن الإرث التاريخي للحضارات المتعاقبة التي مرت على المنطقة ، بدءاً من الأنباط وأبراجهم الأثرية ، وصولاً إلى مدن حلف " الديكابوليس " والتلال المحيطة بها . فمنذ العهود الرومانية والبيزنطية ، انتشرت أبراج المراقبة العسكرية الصغيرة لحماية ثغور المدن وطرق التجارة ، مثل طريق الترايانوس الجديد . ومع الاستقرار الفلاحي في العهود الإسلامية ، وتحديداً في الفترتين المملوكية والعثمانية ، أعاد الفلاح الأردني توظيف فكرة " البرج الحجري " وحولها من غرض عسكري إلى غرض زراعي حمائي بحت . وكان الهدف الأساسي هو الذود عن حياضه ومحاصيله وضمان حماية مزارعه من السرقات والاعتداءات والعبث ، خصوصاً في تلك المساحات الشاسعة من أحواض الزيتون والكروم التي كانت تبعد مسافات طويلة عن مركز القرى المعلقة فوق قمم الجبال ويصعب مراقبتها يومياً .
العبقرية الهندسية والجغرافيا الحجرية في الأردن :
تُعد المناطير الأردنية نموذجاً متقدماً لـ " العمارة البيئية التكيفية " ، حيث كان نمط البناء والمادة الخام محكومين بجيولوجيا الأرض الأردنية وتنوعها الرائع .
التمايز الجيولوجي بين الجبال والسهول :
انقسمت عمارة المناطير في الأردن إلى نمطين تبعاً لنوع الحجر المتوفر في البيئة المحيطة بها . النمط الأول هو المناطير البازلتية السوداء ، والتي تنتشر بكثافة في السهول الشرقية , ومناطق الرمثا ، وحوران ، وصولاً إلى بادية المفرق وجيولوجيتها البركانية ، وتمتاز هذه المناطير بقسوتها الشديدة وضخامة حجارتها البركانية السوداء ، وبنائها المستطيل أو الدائري المتين الذي يتحدى العوامل الجوية لقرون طويلة ويصعب اختراقه أو تخريبه من قِبل اللصوص . أما النمط الثاني هو المناطير الكلسية والطبشورية البيضاء والصفراء ، وتنتشر في المرتفعات الجبلية مثل جبال عجلون ، وجرش ، والبلقاء ، أودية وجبال إربد ، خ والكورة ، وبني كنانة ، وامتدادات جبال الوسط والجنوب ، ويمتاز حجرها بأنه أسهل في النحت والتطريق ، وتعتمد جدرانها على نظام " الوجهين " ، وهو جدار خارجي وجدار داخلي وبينهما حشوة من الحجارة الصغيرة والتراب تُسمى " الدبش " لزيادة المتانة وعزل الحرارة .
تقنية البناء الجاف والعقد المدمك :
بُنيت هذه المناطير بتقنية " البناء الجاف " ، أي دون استخدام الطين أو الإسمنت أو أي نوع من الملاط . وتعتمد الهندسة هنا على مهارة الفلاح في اختيار الحجارة وتوجيهها لتتداخل بفعل الجاذبية والثقل فيما يُعرف بـ " العقد " . وتتجلى الميزة المناخية لهذا البناء في أن الفراغات الدقيقة بين الحجارة تسمح بعبور تيارات الهواء ، مما يجعل المنطار بارداً وجافاً في صيف الأردن الحار ، وملاذاً دافئاً في الشتاء ، فضلاً عن مرونة البناء بوجه الهزات الأرضية أو الرياح العاتية في المناطق الجبلية المرتفعة .
ويكشف الداخل المعقد للمنطار عن جدران حصينة يتراوح سمكها بين 70 إلى 100 سم لتوفر حماية كاملة للحارس ومقتنياته ، وتحتوي من الداخل على تجاويف حجرية تُستخدم كخزائن آمنة لحفظ المتاع والأدوات من السرقة ، نوافذ صغيرة ضيقة تُسمى " الخرمات " أو " الروازِن " تُتيح لمن في الداخل الإشراف على الكرم ( البستان ) او الحقل او المقثاه كاملاً وكشف أي محاولة للسرقة أو العبث بالمزروعات في كافة الاتجاهات دون أن يراه أحد من الخارج . كما كانت بعض المناطير الكبيرة تحتوي على أدراج حجرية داخلية مخصصة للصعود إلى السطح ، والذي كان يُغطى بعريشة من الحطب لتوفير الظل .
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في الريف الأردني :
لم تكن المناطير مجرد أبنية صامتة ، بل كانت تنبض بالحياة وتشكل خط الدفاع الأول لحماية مزارع الأردنيين وأرزاقهم .
دورة الحياة الموسمية والمسكن المؤقت :
في الهيكل الزراعي الأردني القديم ، لم يكن الفلاح يترك أرضه ومزروعاته نهباً للسرقات أو الحيوانات الشاردة والعبث العابر . وفي مواسم الصيف والخريف ، مثل مواسم جني التين ، والعنب ، وقطاف الزيتون ، كانت عائلات كاملة تهاجر من بيوت الطين في القرى وتستقر في المناطير لفترات تتراوح بين 3 إلى 5 أشهر متواصلة لتحقيق المراقبة اللصيقة والدائمة للحقل . وتتحول المنطقة المحيطة بالمنطار إلى مركز إنتاجي نشط يجري فيه تجفيف التين ليصبح " قطيناً " على مساحات ممهدة تُسمى " المسطاح " او " السيباط " ، وتجفيف العنب لصناعة الزبيب ، وطبخه لإنتاج الدبس والملبن والخبيصة ، بالإضافة إلى تجميع ثمار الزيتون وحفظها داخل المنطار لحمايتها من لصوص المواسم قبل نقلها على الدواب إلى معاصر الزيتون القديمة .
البنية الاجتماعية للناطورة والعُرف العشائري :
عكست المناطير منظومة أمنية اجتماعية مميزة ضد أعمال السرقة والتخريب ، حيث كان وجهاء القرى العشائرية في الأردن يتفقون على تعيين " ناطور " أو أكثر لحماية حوض زراعي كامل . وكان الناطور يُمنح سلطة عرفية صارمة مدعومة من شيوخ العشيرة لتوقيف السارقين والمعتدين وضبط من يعبث بالمزروعات ، أو فرض غرامات رادعة تُعرف بـ " الجريرة " على من تفرط ماشيته في كرم غيره وتتسبب في إتلافه . أما أجره فكان عيناً ، وهو نسبة من المحصول مثل صاع من القمح أو الزيت يُجمع نهاية الموسم ، مقابل تفانيه في صون المزروعات وحراستها ليلاً نهاراً ، مما يمثل شكلاً متقدماً من التكافل الاجتماعي والأمن الغذائي الأهلي .
شبكة الإنذار المبكر بين التلال والسهول :
نظراً لطبيعة جبال الأردن المتموجة وسهوله الفسيحة ، كانت المناطير تبنى على قمم التلال والمناطق المشرفة لتشكل شبكة اتصال بصري وصوتي تكشف أي تحرك مريب . وفي حال رصد محاولة سرقة منظمة أو عبث واسع بالحقول أو اقتراب غرباء بهدف الاعتداء ، كان الناطور يطلق صيحة ممتدة صوتية أو يشعل ناراً نهاراً ودخاناً ليلاً على السطح ، او يطلق صفيرا ليتلقف الناطور في المنطار المجاور الإشارة ، مما يتيح استنفار أصحاب الأراضي والقرية بأكملها لردع السارقين وحماية الحمى في دقائق معدودة .
المهددات وواقع الحال في الأردن :
تواجه المناطير في الأردن اليوم مهددات حقيقية وضعتها على حافة الاندثار والنسيان ، ومن أبرز هذه العوامل :
1 ) التحول الاقتصادي وهجر الزراعة ، حيث تحولت الأجيال الجديدة في الأرياف الأردنية من الفلاحة التقليدية إلى قطاع الوظائف الحكومية ، والشركات ، والقوات المسلحة ، مما أدى إلى ترك المزارع بلا حراسة وإهمال الأراضي البعيدة ومناطيرها التراثية ، مما جعل بعض الحقول عرضة للعبث .
2 ) التوسع العمراني العشوائي ، وزحف المخططات التنظيمية والكتل الخرسانية الحديثة على حساب الأراضي الزراعية التاريخية ، مما أدى إلى هدم الكثير من هذه الأوابد الحجرية الحصينة .
3 ) تغير أنماط الحراسة وسياج الحقول ، واستبدال المناطير التراثية بالأسلاك الشائكة ، والأسوار الإسمنتية ، والغرف الجاهزة " الكرافانات " او حراس من العمالة الوافدة بهدف حمايتها من السرقة بطرق حديثة ، مما أفقد الحقل الأردني هويته البصرية والأثرية الأصلية .
4 ) غياب الصيانة والتوعية ، وتعرض الكثير من المناطير للانهيار نتيجة العوامل الجوية مثل الثلوج الكثيفة والأمطار في جبال عجلون والشمال والوسط دون وجود جهود أهلية أو رسمية لترميمها وتدعيم حجارتها الجافة .
خطة استراتيجية وتوصيات لحماية الإرث الوطني :
لحماية ما تبقى من هذا الإرث المعماري في أردننا الغالي ، لا بد من تطبيق السياسات الاستراتيجية التالية :
1 ) إطلاق الأطلس الوطني للمناطير الأردنية : قيام وزارتي السياحة والآثار ، بالتعاون مع أقسام التاريخ والجغرافيا في الجامعات الأردنية ، عمل مسح ميداني رقمي باستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتوثيق وتحديد مواقع المناطير المتبقية وتثبيتها قانونياً كالمواقع الأثرية .
2 ) الإدماج في مسارات السياحة البيئية : ربط المناطير القائمة بـ " درب الأردن " والمسارات السياحية المحلية في الجبال والسهول ، وتحويل المتميز هندسياً منها إلى محطات استراحة بيئية ومتاحف ريفية مصغرة تروي تاريخ الفلاحة الأردنية وأنظمتها القديمة في مكافحة السرقات والاعتداءات .
3 ) تفعيل مبادرات الترميم الشعبي : تشجيع الجمعيات البيئية والثقافية المحلية في القرى على إطلاق حملات صيانة للمناطير باستخدام تقنية " البناء الجاف " التقليدية دون إدخال المواد الإسمنتية الحديثة للحفاظ على أصالتها المعمارية .
4 ) التوعية التعليمية والمناهج : إدراج العمارة الريفية الأردنية مثل المناطير ، والسناسل ، والقصور الزراعية في المناهج الدراسية الوطنية لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ أجدادهم الاجتماعي والزراعي والوطني .
إن المنطار في جبال وسهول أردننا الغالي ليس مجرد ركام من الحجارة المهجورة ، او عريشة من القصب واغصان النباتات بل هو وثيقة تاريخية مادية صامتة تروي قصة عرق الفلاح الأردني ، وكفاحه ، وتلاحمه مع تراب وطنه لحماية رزقه وزرعه من كيد السارقين والعابثين ، وحمايته اليوم هي صون لصفحة ناصعة من الهوية والتاريخ الاجتماعي للأردن المعاصر .
معرض المناطير الأردنية
قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) أبحاث حول العمارة التقليدية في شمال الأردن ، مجلة أبحاث اليرموك ( سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية ) ، جامعة اليرموك ، إربد .
- 2 ) الحصان ، عبد القادر ، المسوح الأثرية والميدانية لمنطقة المفرق وحوران الأردنية ، منشورات دائرة الآثار العامة الأردنية ، عمان .
- 3 ) الغوانمة ، الدكتور يوسف درويش ، التاريخ الاجتماعي والزراعي لبلاد الشام في العصرين المملوكي والعثماني ، دار الفكر للنشر والتوزيع ، عمان .
- 4 ) العبادي ، الدكتور أحمد عويدي ، العشائر الأردنية والأعراف العشائرية التراثية ( دراسة أنثروبولوجية ميدانية ) ، دار البشير ، عمان .
- 5 ) دائرة الآثار العامة الأردنية ، سجلات الحصر الأثري والتوثيقي للمباني التراثية والقصور الريفية في محافظات إربد وعجلون والبلقاء .
- 6 ) وزارة الثقافة الأردنية ، مدونة التراث الشفهي والأمثال الشعبية المتعلقة بالزراعة والمواسم في الريف الأردني .
- 7 ) الجمعية الملكية لحماية الطبيعة ، تقارير ودراسات المسارات البيئية والتراثية ( مسار درب الأردن ومسارات قمم الشمال ) .
- 8 ) وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ( وفا ) ، تقارير ومواد توثيقية حول العمارة الريفية والمناطير المشتركة في بلاد الشام .
- 9 ) شبكة موقع "ه فلسطين في الذاكرة " ، أرشيف الصور والشهادات الشفوية للمباني والقصور الزراعية التاريخية .
- 10 ) مؤسسة سناسل للتنمية الثقافية والبيئية ، دراسات ميدانية حول تقنيات البناء الجاف وترميم المناطير والسناسل الحجرية .
- 11 ) شبكة مترس الثقافية ، مقالات وبحوث أنثروبولوجية تناولت حياة الناطور ونظم الحراسة والمنظومة الاجتماعية في أرياف بلاد الشام .
- 12 ) مدونة المرتفعات والقصور الريفية التاريخية ، أبحاث جغرافية حول انتشار المناطير في مناطق حوران وجبال الأردن وفلسطين .
- 13 ) شبكة الجزيرة نت ( قسم الثقافة والفنون ) ، تقارير موسعة حول حماية المناطير وإعادة إحيائها في مسارات السياحة البيئية والتراثية .
- 14 ) الروايات التاريخية الشفوية الموثقة لعدة فلاحين ومزارعين من كبار السن في قرى جبال وسهول شمال ووسط الأردن حول سبل حماية المحاصيل من السرقات والعبث .
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.