​​في ثنايا التاريخ العربي صفحاتٌ يثقلها الألم ، وتفيض بحكايات الفقد والصبر ، ومن بين تلك الصفحات تبرز قصة ” السفر برلك ” بوصفها واحدة من أكثر التجارب قسوة في الوجدان الجمعي لبلاد الشام والوطن العربي . لم يكن ” السفر برلك ” مجرد قرار عسكري عابر ، بل كان زلزالاً إنسانياً هزّ البنية الاجتماعية والاقتصادية ، وترك أثراً لا يُمحى في الذاكرة الشعبية ، حتى غدا اسمه مرادفاً للغياب الذي لا عودة بعده ، وللرحيل الذي يبتلع الأحبة دون وداع . ​​بدأت فصول هذه المأساة مع إعلان الدولة العثمانية النفير العام في الثالث من آب عام 1914 م ، الموافق للعاشر من رمضان عام 1332 هـ ، تزامنًا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى . أصدر السلطان محمد رشاد فرمانه الشهير الذي يقضي بسوق الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسة عشرة والخمسة والأربعين عاماً إلى جبهات القتال . ​ولم تكن التعبئة قاصرة على الأناضول ، بل امتدت لتجتاح الولايات العربية في الشام ، والعراق ، والحجاز ، ومصر . هناك ، بدأت القرى تفرغ من شبابها ، واقتُلعت الأعمدة التي كانت تسند البيوت ، واقتيد الرجال إلى جبهات بعيدة موحشة كجبهة ” قفقاسيا ” الباردة ، وقناة السويس ، ومضيق ” الدردنيل ” في معركة ” جناق قلعة ” الشهيرة

السفر برلك ... وجع الذاكرة ونداء التاريخ

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

في ثنايا التاريخ العربي صفحاتٌ يثقلها الألم، وتفيض بحكايات الفقد والصبر، ومن بين تلك الصفحات تبرز قصة " السفر برلك " بوصفها واحدة من أكثر التجارب قسوة في الوجدان الجمعي لبلاد الشام والوطن العربي. لم يكن " السفر برلك " مجرد قرار عسكري عابر، بل كان زلزالاً إنسانياً هزّ البنية الاجتماعية والاقتصادية، وترك أثراً لا يُمحى في الذاكرة الشعبية، حتى غدا اسمه مرادفاً للغياب الذي لا عودة بعده، وللرحيل الذي يبتلع الأحبة دون وداع.

بدأت فصول هذه المأساة مع إعلان الدولة العثمانية النفير العام في الثالث من آب عام 1914 م، الموافق للعاشر من رمضان عام 1332 هـ، تزامنًا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. أصدر السلطان محمد رشاد فرمانه الشهير الذي يقضي بسوق الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسة عشرة والخمسة والأربعين عاماً إلى جبهات القتال.

ولم تكن التعبئة قاصرة على الأناضول، بل امتدت لتجتاح الولايات العربية في الشام، والعراق، والحجاز، ومصر. هناك، بدأت القرى تفرغ من شبابها، واقتُلعت الأعمدة التي كانت تسند البيوت، واقتيد الرجال إلى جبهات بعيدة موحشة كجبهة " قفقاسيا " الباردة، وقناة السويس، ومضيق " الدردنيل " في معركة " جناق قلعة " الشهيرة.

صور المعاناة في مراكز التجنيد والخدمة:

لم يكن الانخراط في " السفر برلك " مجرد تأدية لواجب عسكري، بل كان رحلة عذاب بدأت من لحظة التبليغ وحتى جبهات القتال:

الاستلاب والمطاردة: كان الجنود يطوقون القرى والمدن ، ويقتحمون البيوت لاقتياد الشباب كالأسرى . وكان المكلفون يساقون مقيدين سيراً على الأقدام لمسافات شاسعة وهم حفاة الأقدام.
الجوع والإنهاك: كان المجندون يسيرون لعدة أيام في طريقهم إلى المعسكرات دون أن يذوقوا طعماً للماء أو شكلاً للطعام، مما تسبب في هلاك الكثيرين منهم في الطرقات قبل بلوغ ساحات الوغى.
السخرة والأوبئة: أُجبر الكثير من العرب على العمل في السخرة كشق الطرق وحفر الخنادق تحت سياط القادة العسكريين، ناهيك عن تفشي الأمراض الفتاكة كالتيفوس والكوليرا في المعسكرات التي تفتقر لأدنى مقومات النظافة والرعاية.
قسوة الجبهات والموت المحتم: زُجّ بهؤلاء الشباب في معارك طاحنة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، كحملة ترعة السويس عام 1915 م التي حصدت فيها المدافع البريطانية آلاف الجنود المنهكين من عبور الصحراء.

المعفيون من الخدمة في السفر برلك:

رغم قسوة النفير وشموليته إلا أن القوانين العسكرية والقرارات السلطانية في ذلك الوقت استثنت فئات محددة من السوق إلى الجبهات. وبحسب ما تذكره المراجع التاريخية من جهة، وما تناقله الأحفاد عن الأجداد والذاكرة الشفوية للقرى من جهة أخرى، فقد كان الإعفاء يشمل الفئات الآتية:

دافعو البدل النقدي: أتاحت الدولة العثمانية للمقتدرين ماليًا دفع مبلغ مالي محدد يُعرف بـ (البدل النقدي) مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية. غير أن هذا الخيار كان حكراً على الأغنياء وأبناء الوجهاء، بينما كان الفقراء هم الوقود الفعلي للجبهات.
الوحيد لوالديه: كان يُعفى من الخدمة من يثبت أنه وحيد لوالديه، أو المعيل الوحيد لعائلته وإخوته الأيتام القصر الذين لا يملكون عائلاً غيره.
المصاهرة خارج العشيرة: تروي لنا الذاكرة الشعبية الحية المنقولة عن الأجداد معلومة اجتماعية لافتة، وهي أن من كانت زوجته " غريبة " (أي ليست من نفس عشيرته وقبيلته) كان يُعفى زوجها من السفر برلك، كنوع من المراعاة الاجتماعية لغربة الزوجة وحمايتها من الضياع في حال غياب زوجها أو استشهاده.
طلبة العلوم الدينية وعلماء الدين: استثنى القانون طلاب المدارس الدينية الرسمية المسجلين بانتظام، والعلماء والمشايخ القائمين على المساجد والإفتاء.
أصحاب العاهات والأمراض المزمنة: كان يُعفى من تثبت اللجان الطبية العسكرية عدم أهليته للقتال بسبب فقدان البصر، أو بتر الأطراف، أو الأمراض المزمنة المعجزة.
سكان مناطق الامتيازات الخاصة: في بدايات النفير ، كان سكان بعض المناطق مثل المتصرفيات التي تتمتع بوضع خاص أو بعض المدن المقدسة كأهل مكة المكرمة والمدينة المنورة يحظون بإعفاءات من الخدمة خارج مناطقهم ، غير أن هذه الاستثناءات تلاشت تقريبًا مع اشتداد وطأة الحرب وحاجة الجيش الماسة للرجال .

مواجع الذاهبين ومشاهدات مأساوية من واقع النفير:

تزخر كتب التاريخ والمذكرات الشفوية بمشاهد تدمي القلوب لقصص حقيقية عاشها الذاهبون إلى تلك الحرب المهلكة، ومنها:

مواجع الفراق والانتزاع القسري: كانت الأمهات والزوجات يخرجن وراء طوابير المجندين يندبن حظهن ، وينثرن التراب على رؤوسهن وهم يرون فلذات أكبادهن يساقون بالحبال نحو مصير مجهول. وكانت صرخات الوداع تمزق سكون القرى، حتى أن بعض الأمهات فقدن عقولهن تماماً أو متن كمداً بعد رحيل أبنائهن.
مشهد قطارات الموت والترحيل: تروي الذاكرة الشامية والحجازية مشاهد مرعبة لعمليات الحشر الجماعي للشباب والرجال داخل مقطورات قطار الخط الحجازي الضيقة المخصصة للبضائع والمواشي. كان الرجال يكدسون فوق بعضهم لأيام طوال دون تهوية أو طعام كافٍ، وكان من يموت منهم يلقى من نوافذ القطار في الصحراء دون دفن أو صلاة.
جبهة قفقاسيا وموت التجمد: من أشد المشاهد مأساوية ما حل بالجنود العرب الذين اقتيدوا من بيئة بلاد الشام الدافئة إلى صقيع جبال القوقاز الرهيب. هناك تجمدت أطراف آلاف الشبان، وماتوا وهم وقوف في خنادقهم من شدة البرد، لعدم توفر الألبسة الشتوية والأحذية المناسبة.
أكل الحشائش والتراب: نقلت كتب التراجم ككتاب (نهر الذهب في تاريخ حلب) مشاهد مروعة للمجندين الفارين أو السائرين في السخرة، حيث بلغ بهم الجوع حداً جعلهم يبحثون عن النوى وروث الحيوانات لغسله وأكله، بل إن بعضهم كان يقتات على حشائش الأرض وأوراق الشجر من شدة الضيم والمسغبة.
تشويه الذات هرباً من الموت: من أشد المشاهد مأساوية ما نقله المعاصرون عن إقدام بعض الشباب على فقع أعينهم أو قطع أصابع أيديهم أو كسر أقدامهم عمداً، وذلك لكي يسقط عنهم شرط اللياقة الصحية والبدنية فيعفوا من السوق إلى هذه الحرب التي كانوا يسمونها (الروحة بلا رجعة)
تهجير أهالي المدينة المنورة: سجل التاريخ حادثة (السفر برلك) في الحجاز بأقسى صورها عندما قام القائد العسكري فخري باشا بتهجير قسري لأهالي المدينة المنورة، فانتزع النساء والأطفال من بيوتهم وفرق شمل الأسر، وحشرهم في القطارات باتجاه الشام والأناضول ليترك المدينة خالية إلا من الجند.

الأثر الاجتماعي والاقتصادي:

انعكست هذه التعبئة القسرية على الداخل العربي بصورة مأساوية، فمع غياب الرجال ومصادرة الجيش العثماني للمحاصيل والمواشي لدعم المجهود الحربي، تفشت مجاعة رهيبة بلغت ذروتها عام 1916 م وعام 1917 م. واجتمع الجوع مع الجفاف وآفة الجراد، ليموت مئات الآلاف في الشام جوعاً في الطرقات، ولتتحول الذاكرة الشعبية إلى مخزن للألم تُرجم في فن " الشلعيات " الغنائي بفلسطين وبلاد الشام، وأغاني الدبكة الحزينة التي تندب الغائبين.

إن " السفر برلك " ليس مجرد ذكرى تاريخية تُروى في بطون الكتب، بل هو شاهد حيّ على قدرة الإنسان العربي على الصبر في وجه الشدائد، وعلى ما يمكن أن تخلّفه الحروب من آثار تتجاوز ساحات القتال إلى عمق الحياة اليومية للناس. لقد غاب مئات الآلاف من الشباب في تلك الحرب المجنونة، ولم يعرف لهم أهلهم قبراً ولا أثراً ، ليبقى هذا النفير صفحة دامية تذكر الأجيال دوماً بقيمة الأمن والسلام وحرمة الأوطان .

الهوامش الإيضاحية:

السفر برلك: كلمة مركبة من أصل تركي تعني (النفير العام) أو التعبئة العامة العسكرية للحروب.
قفقاسيا: هي منطقة جبال القوقاز الوعرة والباردة جداً التي تقع حالياً بين روسيا وتركيا وإيران وأذربيجان، وكانت إحدى أشرس جبهات الحرب العالمية الأولى.
جناق قلعة: هي مدينة تركية تقع على مضيق الدردنيل، وشهدت واحدة من أعنف المعارك الدفاعية في تاريخ الدولة العثمانية ضد الحلفاء عام 1915 م.
الشلعيات: فن غنائي شعبي تراثي اشتهر في فلسطين وبلاد الشام، ويتميز بنغماته الحزينة التي تعبر عن لوعة الفراق والأسى الذي يشلع القلب.
المسغبة: هي الجوع الشديد الذي يقترن بالجهد والمشقة والإرهاق التام.
البدل النقدي: ضريبة مالية كانت تفرضها الدولة العثمانية على من يرغب في الإعفاء من الخدمة العسكرية من غير المسلمين أولاً، ثم عُممت لاحقاً على الجميع مقابل مبالغ باهظة.

قائمة المصادر والمراجع

الغزي ، كامل بن حسين. (نهر الذهب في تاريخ حلب)
عواد، توفيق يوسف. (الرواية التاريخية: الرغيف)
مذكرات القائد العسكري جمال باشا السفاح.
الحكيم، يوسف. (سورية والعهد العثماني)
كرد علي، محمد. (خطط الشام)
السباعي، أحمد. (تاريخ مكة: دراسات في السياسة والعلم والاجتماع)
مذكرات علي فؤاد باشا (الخروج من القدس والنزير العثماني)
أبحاث ودراسات الموسوعة العربية العامة (مادة السفر برلك)
الأرشيف العثماني العسكري (قيادة الحملات في الحرب العالمية الأولى)

ملاحظة

تحمل هذه الراية التراثية بين طياتها عبق التاريخ ونفحات من الأمل، حيث خُطّت عليها أبياتٌ منتقاة من قصيدة (المنفرجة) الشهيرة للإمام ابن النحوي. تتجلى في ثنايا القماش المتموج دعواتٌ صامتة لتفريج الكروب والشدائد، تذكّر الناظر إليها بأن بشائر الفرج تتوالى كالشمس الطالعة بعد ظلام الليل. فالقصيدة ترسم لوحة إيمانية تُبشر العبد بأن أوقاته المليئة بالصبر ما هي إلا تمهيدٌ لفرج قادم، وأن الشدائد في طياتها دائمًا روحٌ وريحان.

وتسترسل الكلمات لتؤكد على حكمة الله الخفية، فلربما يكمن الشفاء في أمرٍ نكرهه، وقد يختبئ السقم في أمرٍ نحبه، وهو ما يدفع العقل للتأمل في بديع صنع الله وعجائبه. إنها رسالة حية للصبر عند نزول البلاء حتى ينكشف، ونداءٌ صريح بعدم اليأس من رَوْح الله؛ لأن لله ألطافاً خفية تدق عن فهم أذكى الأذكياء، ولأن مع العسر يسراً يمسح عن القلوب الشجية حزنها ويُبدل خوفها أمناً.

قيصر صالح الغرايبة

الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

كاتب وباحث مهتم بالتاريخ الاجتماعي والذاكرة المحلية، ويقدّم مقالات توثيقية تُعنى بسرد الحكاية العربية بعمقٍ لغوي وروحٍ أرشيفية.