( ​في أواخر حكم الدولة العثمانية وخاصة في الفترة التي بدأت فيها سيطرة رجالات حزب الاتحاد والترقي الذين كان معظمهم من يهود الدونمة والماسونيين عانت مناطق شرقي الأردن كغيرها من البلدان العربية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية من تفشي الأمية والجهل حتى أصبح تأمين أئمة وخطباء للمساجد في الكثير من قرى شرقي الأردن أمراً في غاية الصعوبة ، وفي هذا الصدد يذكر كتاب ( عشائر شمالي الأردن ) لمؤلفه النائب السابق الدكتور محمود محسن فالح مهيدات أن جماعة من بلدة حوّارة في شمال الأردن مروّا في طريقهم إلى فلسطين في تجارة بمدينة جنين والتقوا في مسجدها بخطيب المسجد الشيخ محمد عثمان التميمي الداري الذي كان قد ارتحل من دير إستيا ( نابلس ) إلى عكا ثمّ إلى جنين ، وكان يجيد قراءة القرآن الكريم ، فعرضوا عليه القدوم إلى حوّارة ليكون إماماً لمسجدها ومدرّساً لأبنائهم مقابل ” مُدّين من القمح ” عن كل طالب في السنة فوافق على طلبهم ، وبعد قدومه إلى حوّارة قدّموا له قطعتين من الأرض ، وبعد فترة حصل على قطعة أرض في الرمثا مقابل أن يكون خطيباً لمسجدها ومدرّساً لأطفال الرمثا ، وكان معه زوجته وابنتيه ، وبعد وفاة زوجته تزوّج بامرأة من بلدة ملكا ( لم يذكر الكتاب إسم عشيرتها ) أنجبت له ناصر الذي تشكّلت من أعقابه عشيرة النواصرة ، وعثمان الذي تشكّلت من أعقابه عشيرة العثامنة ) .

الغربة والرسالة ... قراءة في هجرة العلماء إلى ريف شرقي الأردن إبان العهد العثماني الأخير

بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

( ​في أواخر حكم الدولة العثمانية وخاصة في الفترة التي بدأت فيها سيطرة رجالات حزب الاتحاد والترقي الذين كان معظمهم من يهود الدونمة والماسونيين عانت مناطق شرقي الأردن كغيرها من البلدان العربية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية من تفشي الأمية والجهل حتى أصبح تأمين أئمة وخطباء للمساجد في الكثير من قرى شرقي الأردن أمراً في غاية الصعوبة ، وفي هذا الصدد يذكر كتاب ( عشائر شمالي الأردن ) لمؤلفه النائب السابق الدكتور محمود محسن فالح مهيدات أن جماعة من بلدة حوّارة في شمال الأردن مروّا في طريقهم إلى فلسطين في تجارة بمدينة جنين والتقوا في مسجدها بخطيب المسجد الشيخ محمد عثمان التميمي الداري الذي كان قد ارتحل من دير إستيا ( نابلس ) إلى عكا ثمّ إلى جنين ، وكان يجيد قراءة القرآن الكريم ، فعرضوا عليه القدوم إلى حوّارة ليكون إماماً لمسجدها ومدرّساً لأبنائهم مقابل " مُدّين من القمح " عن كل طالب في السنة فوافق على طلبهم ، وبعد قدومه إلى حوّارة قدّموا له قطعتين من الأرض ، وبعد فترة حصل على قطعة أرض في الرمثا مقابل أن يكون خطيباً لمسجدها ومدرّساً لأطفال الرمثا ، وكان معه زوجته وابنتيه ، وبعد وفاة زوجته تزوّج بامرأة من بلدة ملكا ( لم يذكر الكتاب إسم عشيرتها ) أنجبت له ناصر الذي تشكّلت من أعقابه عشيرة النواصرة ، وعثمان الذي تشكّلت من أعقابه عشيرة العثامنة ) .

​​تمثل الحكاية الواردة في النص أعلاه أكثر من مجرد واقعة تاريخية عابرة تروي سيرة إمام رُحّل ، بل إنها وثيقة اجتماعية وثقافية غاية في الأهمية ، تكشف لنا عن طبيعة الحياة الفكرية والتعليمية التي كانت سائدة في قرى شرقي الأردن أواخر العهد العثماني . إنها تختزل قصة كفاح مجتمعي محلي صامت من أجل البقاء على قيد الوعي والدين في زمن تلاطمت فيه أمواج التجهيل والتهميش .

​لقد عانت المنطقة في تلك الحقبة ، وتحديداً بعد هيمنة تيار " الاتحاد والترقي " على مقاليد السلطة في إسطنبول ، من سياسة إهمال متعمدة للولايات العربية . وقد انعكس هذا الإهمال بشكل صارخ على البنية التعليمية والدينية ، فغابت المدارس النظامية ، وندرت الكتاتيب ، حتى بات العثور على قارئ للقرآن يجيد إمامة الناس وخطابة الجمعة يمثل مطلباً عزيزاً وتحدياً كبيراً لرجالات القرى .

​وفي موازاة هذا التجهيل الرسمي ، نلحظ في النص تنامياً لـ " الوعي الذاتي " لدى أهالي بلدة حوارة الأردنية . فرغم قسوة الظروف الاقتصادية ، إلا أن هؤلاء الرجال الذين ذهبوا للتجارة في جنين لم تكن عيونهم شاخصة نحو الربح المادي فحسب ، بل كانت بصيرتهم تبحث عن النور الذي ينقص قريتهم . لم يترددوا في خطب ود الشيخ " محمد عثمان التميمي " ، وعرضوا عليه القدوم معهم ليقوم بمهمة جليلة تجمع بين سدانة المسجد وتعليم الصغار .

​إن الأجر الذي تم الاتفاق عليه ، والمتمثل في " مُدّين من القمح " عن كل طالب في السنة ( المد في ريف شمال الأردن كان "المُد" العرفي للقمح يُقارب في المتوسط 15 إلى 18 كيلوجراماً ، وقد يزيد أو ينقص قليلاً بحسب جودة القمح وكثافته واختلاف القرية أو المدينة ) ، يعكس بوضوح نمط الاقتصاد المعيشي المقايضي الذي كان سائداً آنذاك ، كما يدل على أن التعليم كان يُموّل بجهود أهلية بحتة دافعها الغيرة والحرص . ولم يقف كرم أهالي حوارة عند هذا الحد ، بل أقطعوا الشيخ قطعتين من الأرض لتأمين استقراره وربطه بالمكان ، وهو سلوك عرفي نبيل كان يُمارس لإكرام أهل العلم وتثبيتهم في البلاد .

​ثم تأخذنا الرواية إلى الرمثا ، ليتكرر المشهد ذاته ، حيث ينتقل الشيخ ليؤدي الرسالة ذاتها ، حاملاً مشعل النور من قرية إلى أخرى ، مبرهناً على أن حدود الجغرافيا لم تكن يوماً حاجزاً أمام تداخل العائلات والعشائر بين ضفتي النهر الخالد .

​ولعل الخاتمة التي أوردها النص هي الأجمل والأكثر دلالة على الانصهار الكامل للشيخ في مجتمعه الجديد . فقد تزوّج من بلدة " ملكا " في شمال الأردن ، وأنجب ذرية تشكلت منها عشائر أردنية كريمة ( النواصرة والعثامنة ) ، لتصبح سيرة هذا الشيخ تجسيداً حياً لكيفية تشكّل النسيج الاجتماعي الأردني ، القائم على التآخي ، والنسب ، والمصاهرة ، وتقدير العلم وأهله .

​إن هذا النص يضع بين أيدينا أمانة التوثيق لرجالات نذروا أنفسهم لخدمة العلم والدين في ظروف بالغة التعقيد ، ويؤكد لنا أن نهضة القرى الأردنية في مطلع القرن الماضي لم تكن هبة من أحد ، بل كانت وليدة كفاح مشترك بين أهالٍ أوفياء بادروا بالبحث عن المعرفة ، وعلماء كرام شدوا الرحال لتبليغ الرسالة .

الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
كاتب وباحث في التاريخ الاجتماعي والتراث الأردني، يسلّط الضوء على سير الرجال والأحداث التي شكّلت الذاكرة الجمعية، بأسلوب يجمع بين التوثيق والتحليل.