يستعرض هذا المقال ، الموروث الشعبي والأساطير في ريف شمال الأردن ، مستعرضاً الفلك ، وحكايات البيادر ، والتطير ، والأثر السلبي للقصص المرعبة على الأطفال ، مع توثيق سرديات طريفة كحكاية الحمار المقدس ضمن مرجعيات أكاديمية موثقة .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
تزخر مناطق ريف شمال الأردن ، المتمثلة في إربد ، عجلون ، جرش ، الرمثا ، الكفارات ، دير أبي سعيد ، الكورة ، وغيرها من المحافظات والمناطق الشمالية ، بموروث حضاري وتاريخي عريق يمتد عبر أجيال متعاقبة . وتتشكل في ثنايا هذه البيئة الجبلية الخلابة والأراضي الزراعية والبيادر الواسعة ذاكرة شعبية غنية ، تعكس بساطة الفلاحين ونظرتهم للكون والحياة والمجهول . وقد تجلت هذه الأنماط القصصية عبر السجل الوطني للتراث الثقافي غير المادي ومنصة التراث الثقافي الأردني في صياغة الهوية الروحية والاجتماعية للسكان ، لتصبح هذه المعالم التاريخية شواهد حية تروي قصص حضارات خالدة عبر الزمن في قلب التاريخ الأردني ، مستندة إلى الدراسات والأبحاث الأكاديمية الصادرة عن أقسام اللغة العربية وآدابها في الجامعات الأردنية العريقة ، ومنها الأبحاث الموثقة في جامعة آل البيت ، فضلاً عن التقارير الوثائقية التي تسلط الضوء على معالم رحلة عبر الزمن في ربوع المملكة .
أساطير الفلك والطقس الشعبي
ارتبط الإنسان الريفي في شمال الأردن ارتباطاً وثيقاً بالسماء وما تحويه من نجوم وكواكب وظواهر كونية ، ففسرها بأسلوب شعبي يحمل طابع الخيال والمجاز :
حكايات البيادر والقرى الريفية
مثلت البيادر والغابات والمناطق الحرجية في ريف عجلون وجرش وإربد مسرحاً واسعاً للحكايات الشفهية والقصص التي يتناقلها الأهالي في سهراتهم :
حكايات الغولة والسعلى وبطولات حسن الشاطر : خرافات من وحي الخيال
كانت تنتشر في المجالس القروية ليلاً حكايات وقصص ( الغولة ) و ( السعلى ) المرعبة ، إلى جانب سير البطولات الخيالية الأسطورية مثل قصص ( حسن الشاطر ) . وكانت هذه القصص تُروى للأبناء والأنفاس تتقطع خوفاً وإثارة كنوع من إظهار المغامرة وبطولات الشجاعة الوهمية . والصحيح أن هذه القصص بأسرها هي عبارة عن خرافات غير واقعية ومن وحي الخيال البحت ، ولا أساس لها في الواقع الملموس ، حيث صنفها الباحثون والدارسون ضمن أنماط القص الشعبي الخيالي والغرائبي المتداول بكثرة في الذاكرة الجمعية الأردنية ، والتي وثقتها منصات كابوس للحكايات الغرائبية وغيرها من المدونات التراثية .
الحكايات المرعبة والمخيفة : تدمير لنفسية الأطفال
إلى جانب الحكايات التراثية المختلفة ، اعتاد بعض الكبار في الماضي سرد قصص مرعبة ومخيفة للأطفال بهدف ترهيبهم أو ضبط سلوكهم بالقوة والخوف ، مثل شخصية ( أبو الرجل المسلوخة ) وما شابهها من الخرافات المروعة . وتكمن الخطورة الكبرى لهذه الحكايات في أثرها المدمر والسلبي على نفسية الطفل ، حيث تخلق لديه عقداً نفسية عميقة ومخاوف مرضية ومزمنة تؤثر سلباً على استقراره العاطفي والذهني وشخصيته طيلة حياته .
التطير والتشاؤم : موروث جاهلي في الذاكرة الشعبية
امتدت بعض عادات التطير والتشاؤم الجاهلية عند بعض الأفراد في مناطق مختلفة من الأردن نتيجة لضعف التعمق الإيماني في الصدور وهشاشة اليقين ؛ حيث وصل الأمر ببعضهم إلى التشاؤم من أيام معينة في الأسبوع أو أعداد محددة واعتبارها نحساً ، فضلاً عن التشاؤم الشديد من رؤية بعض الطيور والحيوانات مثل البوم والغراب لاعتقاد خاطئ بأنها تحمل نذير شؤم أو خراب للديار ، في حين أن هذه الكائنات كغيرها من مخلوقات الله عز وجل لا تضر ولا تنفع بذاتها ، وكل شيء يجري بقدر الله وحكمته .
أساطير الأماكن التاريخية
من أرشيف الذاكرة الشعبية في إربد : حكاية ( الحمار المقدس )
من الحكايات التراثية الطريفة والساخرة التي كانت تروى في نواحي إربد وتم توثيقها قبل نحو 140 عاماً بدقة بالغة ( وتحديداً عبر الأدبيات الغربية المأخوذة من روايات السكان الأصليين خلال القرن التاسع عشر ، مثل ما ورد في مجلة ( Church Missionary Gleaner ) لسنة 1885 م ، وكتاب ( Folk-lore of the Holy Land ) للباحثين جيمس إدوارد هاناور وماراماديوك بيكثول الصادر عام 1907 م ) ، قصة طريفة حول ظاهرة ( الأضرحة والمقامات ) الشعبية المزيفة المعروفة بـ ( الولي ) :
تحكي القصة عن خادم هرب من سيده الغني ومعه حمار سيده ، وفي طريق ترحاله بمقاطعة إربد مات الحمار المفاجئ ، فقام الخادم بدفنه وبناء كومة من التراب فوقه كقبر وهمي . وحين مرّ به تاجر عابر يعاني من وطأة السفر والتعب وسأله عن صاحب القبر ، اختلق الخادم قصة وهمية خادعة بأن المدفون هو ولي صالح وصاحب بركات عظيمة وكرامات . صدّق التاجر الساذج الرواية وقدم قربانًا مالياً سخياً تخليداً لذكراه والتبارك به ، فانتهز الخادم الذكي الفرصة وأقام مقاماً فخماً انتشرت شهرته تدريجياً في المنطقة وصار محطاً لأنظار الحجاج وقاصدي النذور وبات أثرى بكثير من سيده القديم .
وحين قدم السيد الحقيقي الباحث عن ضالته إلى إربد مستغرباً ومندهشاً ازدهار هذا المقام الجديد واسم الولي المزعوم ، اكتشف بعد مداولات وأيمان مغلظة مع خادمه السابق أن الولي الذي يتبارك به الناس ويقدمون له النذور ليس سوى ( الحمار النافق ) الخاص به ، لتردّ الطرفة بذكاء شعبي ساخر بأن الولي الأصلي القديم للسيد لم يكن سوى ( والد ذلك الحمار ) ، في سردية تراثية عميقة تنطوي على نقد لاذع ومبكر لطبيعة الاع الاعتقادات الشعبية السائدة والجهل الذي كان يستغل لإنشاء المقامات الوهمية في تلك الحقبة الزمنية .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) السجل الوطني للتراث الثقافي غير المادي ، وزارة الثقافة الأردنية .
- 2 ) منصة التراث الثقافي الأردني ، دائرة المكتبة الوطنية .
- 3 ) تقارير معالم رحلة عبر الزمن في الأردن ، قناة العربية .
- 4 ) الأبحاث والدراسات اللغوية والتراثية في أقسام اللغة العربية ، جامعة آل البيت .
- 5 ) أساطير الفلك الشعبي لدى الأردنيين ، مؤسسة التراث الأردني .
- 6 ) تراث الأجداد في مواسم الطقس والزراعة ، منشورات التراث الشعبي .
- 7 ) حكايات البيادر والقرى الريفية ، التراث الشفوي في عجلون وجرش .
- 8 ) من قصص الأمثال والكنايات الشعبية ، جمع وتوثيق التراث المحلي .
- 9 ) صحيفة الرأي والتراث ، أنماط القص الشعبي في الأردن ، ومنصة كابوس للحكايات الغرائبية .
- 10 ) أسرار أم قيس التاريخية والفولكلور المحلي ، صحيفة الرأي والتراث .
- 11 ) مجلة ( Church Missionary Gleaner ) ، إصدار عام 1885 م .
- 12 ) أرشيف الحكايات الشعبية والرحلات التاريخية في بلاد الشام .
- 13 ) كتاب ( Folk-lore of the Holy Land. Moslem, Christian and Jewish ) لـ جيمس إدوارد هاناور وماراماديوك بيكثول ، تاريخ النشر 1907 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.