يوثق المقال مسارات الإدارة ، والتحولات السياسية ، والبنية الاجتماعية والتعليمية في شرقي الأردن خلال العهد العثماني ( 1516 - 1918 م ) .
الأردن في العهد العثماني : مسارات الإدارة ، التحولات السياسية ، والبنية الاجتماعية
البدايات والتأسيس السياسي :
خضعت الأردن للحكم العثماني مدة أربعة قرون تقريباً ( 1516 - 1918 م ) ، تبدأ تاريخياً عقب انتصار العثمانيين على المماليك في معركة " مرج دابق " عام 1516 م بقيادة السلطان سليم الأول ، والتي أسفرت عن مقتل السلطان المملوكي قانصوه الغوري وأسر الخليفة العباسي الخامس والخمسين " المستمسك " . وتلتها معركة " الريدانية " عام 1517 م ودخول العثمانيين مصر بعد هزيمة السلطان المملوكي الأخير " طومان باي " ، ليخضع المشرق العربي ومصر للعثمانيين بعد إنهاء الحكم المملوكي تماماً ، وتوضع البلاد العربية تحت الحكم العثماني المباشر بينما تمتعت سورية بالحكم الذاتي ، حيث عيّن السلطان والياً عليها هو " جان بردي الغزالي " . غير أنه بعد وفاة السلطان سليم الأول ، أعلن الغزالي انفصال بلاد الشام عن الدولة العثمانية مستقلاً بها ومعلناً نفسه سلطاناً ، واتخذ لقب " الملك الشرف " ، وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر في الخطبة ونقش اسمه على النقود . فأرسل العثمانيون إليه جيشاً لم يكن بمقدوره مقاومته فاستسلم وأُعدم سنة 1521 م ، وأُلغي الحكم الذاتي عن بلاد الشام ووضعت البلاد تحت إدارة الولاة العثمانيين وخضعت مباشرة للباب العالي .
التقسيمات الإدارية والزعامات المحلية :
وقسمت الدولة العثمانية بلاد الشام إلى ثلاث سناجق أو ولايات هي : دمشق ، وحلب ، وطرابلس . وكانت منطقة شرقي الأردن تتبع لولاية دمشق ( السنجق الشامي ) ، باستثناء فترات قصيرة أُلحقت فيها بعض الأجزاء مباشرة بإسطنبول . وقد حكم العثمانيون شرقي الأردن اسمياً في بدايات العهد ، فلم تهتم الدولة إلا بقافلة الحج الشامي لكون الأردن جزءاً أساسياً من طريقها ، فأنشأت القلاع والحصون لحمايتها وتأمين أمن الحجاج ، واستمر ارتباط الأردن بدمشق طوال تلك الفترة باستثناء فترات قصيرة أُلحقت فيها بعض الأجزاء مباشرة بإسطنبول ، فضلاً عن فترة الحكم المصري بين عامي 1831 م و 1840 م قبل أن تعود الإدارة العثمانية مجدداً .
وقد حاول زعيم منطقة لواء عجلون - الذي شكل عام 1517 م - الأمير البدوي محمد سعيد الغزاوي مقاومة السيطرة العثمانية وتمرد عليها ، وتمكنت الدولة من إحباط تمرد الغزاوي إلا أنها أبقت على حكم عائلة الغزاوي في منطقة عجلون . وأتبعت الدولة سنجق عجلون مباشرة لإسطنبول منذ عام 1591 م في العام الذي استبدلت فيه السناجق بالإيالات ، فكانت شرقي الأردن تتبع لإيالة شام شريف . وفي القرن السابع عشر ، تنازع على عجلون والكرك الأمير فخر الدين المعني وأحمد باشا الحافظ والي الشام ، واثنان من آل الغزاوي هما الأخوان حمدان بن قانصوه الغزاوي وشقيقه بشير الغزاوي ، فعينت الحكومة العثمانية الأمير البدوي فروخ بن عبد الله عليها .
أما في القرن الثامن عشر ، فقد خضعت إربد وعجلون للإمارة الزيدانية في قرية " تبنة " من عام 1760 م إلى 1775 م تحت حكم أحمد ظاهر عمر الزيداني ، ثم سيطر على البلاد أحمد باشا الجزار حاكم عكا من 1776 م إلى 1804 م .
الأوضاع الاجتماعية وقبائل شرقي الأردن :
وفي القرن التاسع عشر ، سيطرت القبائل البدوية على شرقي الأردن ، وأصبحت المنطقة مرتعاً للقبائل القادمة من نجد والحجاز وبادية الشام والعراق وصحراء سيناء ، كقبائل بني صخر ، وعباد ، والسرحان ، والعجيلي ، والسردية . فكثيراً ما قدمت عشائر عنزة وشمر من العراق ، والشرارات من الحجاز ، وكانت عنزة تؤجر جمالها للحجاج من سورية والأردن . واستقرت بعض العشائر في منطقة البلقاء مثل قبيلة عباد التي كانت في حرب دائمة مع بني صخر حتى منتصف القرن التاسع عشر ، ثم أصبحت في حرب دائمة مع العدوان وأهل السلط وعشائر البلقاوية عامة . كما استقرت عشيرة العدوان التي دخلت في صراع مع بني صخر وحلفائهم عباد ، ومع الرولة من عنزة ، ومع عشيرة الغنيمات في مادبا . واستقرت عشائر العمرو والحمايدة والترابين حول الكرك ، وكانت قبائل بني حميدة والحجايا والسليط والحويطات تحيط بالطفيلة ، إذ كان نفوذ الحويطات يمتد من الكرك حتى المويلح في الحجاز ، وكانت تأخذ إتاوة من محمل الحج الشامي والمصري وتقوم بتأجير إبلها إلى الحجاج المصريين . أما الأحيواة والعلاويين والعمران فقد استقروا في العقبة ووادي عربة . وكانت هذه القبائل ، وخاصة بني صخر ، تأخذ الخاوة من قرى جبل عجلون ، وعانت المنطقة عموماً من ضعف الاستقرار أحياناً بسبب العلاقة مع القبائل المحلية وطريق القوافل واقتصادها المعتمد على الزراعة الراكدة وتربية الماشية .
فترة الحملة المصرية :
واستمر ارتباط الأردن بدمشق إلى حين الحملة المصرية عام 1831 م ، ففي تلك السنة أرسل والي مصر محمد علي باشا ابنه إبراهيم باشا إلى بلاد الشام على رأس قوة تمكنت من الانتصار على جيش العثمانيين والسيطرة على بلاد الشام . حاول في البداية تطويق الإدارة المركزية المتبعة في مصر على بلاد الشام ، ففتح البلاد أمام الإرساليات التبشيرية ، واهتم بالتعليم ، وحاول فرض الضرائب وتنظيمها ، ونزع السلاح من الأهالي لمنع الحروب الأهلية . وضعت حكومة محمد علي البلاد تحت إمرة حاكم عام هو الأمير بشير الشهابي ، ثم عُيّن محمد شريف باشا وأُطلق عليه " حاكمدار عربستان " . وغيرت الإدارة المصرية الإيالة إلى المديرية وقسمت المديريات إلى متسلميات ، فشكلت في شرقي الأردن متسلمية عجلون وعُيّن عليها حسن بك اليازجي ، ثم محمد آغا الشوربجي .
وقد ثار الأهالي في بلاد الشام ضد الإدارة المصرية ، فثار أهل القدس ونابلس ورأس قاسم الأحمد الجماعيني ثورة نابلس سنة 1834 م واضطر للجوء إلى شرقي الأردن متحصناً في الكرك . كما ثارت عجلون على الحكم المصري عام 1839 م وتزعم الثورة محمود الرفاعي ، وثار عرب الغزاوية وعرب الصقر من القبائل البدوية في شرقي الأردن ، وعينت الإدارة المصرية الشيخ يوسف الشريدة متسلماً لعجلون . وفي عام 1840 م ، اجتمعت بريطانيا وروسيا والنمسا الدولة العثمانية للخروج من مأزق سيطرة محمد علي وابنه إبراهيم على الشام وتهديد المصالح لهذه الدول ، فوجهت في اجتماع لندن إنذاراً لمحمد علي باشا لسحب جيشه من بلاد الشام وفرض عليه البقاء داخل مصر والسودان فقط لوضع حد لمشروعه الوحدوي التحديثي ، فاضطر للانسحاب طوعاً بعد تهديده بانتزاع مصر عنوة .
التنظيم الإداري الثاني والتمثيل النيابي :
وبعد انسحاب إبراهيم باشا وجيشه من البلاد ، أصبحت شرقي الأردن بلا حكومة خلال الفترة من 1841 م إلى 1849 م ، وتركت الدولة العثمانية البلاد للزعامات المحلية وجعلتها تابعة اسمياً لولاية سورية . وفي عام 1851 م أنشأت الدولة العثمانية قضاء عجلون ومركزه إربد ملحقاً بلواء حوران ، وفي عام 1866 م أنشئ قضاء البلقاء ومركزه السلط ملحقاً بلواء حوران ( وأحياناً يلحق بنابلس أو بيروت ) . وفي عام 1893 م تم إنشاء لواء معان الذي يضم الكرك والطفيلة ، ومنذ عام 1894 م أصبح يسمى لواء الكرك ملحقاً بولاية سورية ، وكان يمتد من نهر الموجب إلى تبوك ومدائن صالح .
وخلال الفترة من 1864 م إلى 1908 م ، شهدت البلاد الدور الثاني من الإدارة العثمانية ، وصدر خط همايوني والتنظيمات الخيرية ، وأُنشئت مجالس روحية للديانات - خاصة المسيحية - تحت حماية الدول الغربية . وصدر قانون الولايات عام 1864 م متأثراً بالنظام الفرنسي ، حيث قسمت الدولة إلى 27 ولاية وأُلغيت الإيالات ، وقسمت كل ولاية إلى سناجق وأقضية ونواحٍ وقرى يرأسها متصرفون وقائمقامون ومدراء نواحي ومخاتير ، وأجريت انتخابات مجلس المبعوثان وفاز فيه 16 مبعوثاً عربياً . وفي عام 1865 م أعيد تشكيل ولاية سورية إلى 8 ألوية منها في شرقي الأردن : لواء البلقاء ، ولواء حوران ، ناحية الرمثا ، قضاء عجلون ، قضاء السلط ، ثم شكل لواء الكرك عام 1892 م ( حيث كان قضاء من 1868 م ) وقضاء معان 1870 م ضمن لواء البلقاء .
وصدر أول دستور في الدولة العثمانية عام 1876 م ، وأُنشئ مجلس نواب ( مجلس مبعوثان ) وجرت أول انتخابات نيابية عام 1877 م ، وقد حُلَّ عام 1878 م ، وبقي البرلمان العثماني معطلاً إلى عام 1908 م فأعيد العمل به بعد الثورة الدستورية وجرت انتخابات 1908 م . وقد مثل شرقي الأردن في مجلس المبعوثان العثماني في إسطنبول عدد من الشخصيات ، فأول نائب شرق أردني منتخب في مجلس المبعوثان الأول عام 1908 م هو الشيخ توفيق باشا المجالي ( الذي تكرر إشغاله للمقعد في مجلس المبعوثان الثالث المنتخب عام 1914 م - 1918 م ) ، وقد نافسه على المقعد الشيخ حسين باشا الطراونة وعدد آخر من شيوخ شرقي الأردن . أما مجلس المبعوثان الثاني المنتخب في عام 1912 م فقد مثل شرق الأردن فيه السيد محمد عطا الله الأيوبي ( وتنحدر جذوره من مدينة حمص السورية وكان يقيم في دمشق قبل انتقاله لشرقي الأردن منتمياً لعشيرة كردية ، كما ورد في كتاب الدكتورة هند أبو الشعر ) . وبذلك يُعد الشيخ توفيق باشا المجالي أول نائب شرق أردني منتخب ليمثل الشرق أردنيين في سلطة تشريعية قبل تأسيس الإمارة الأردنية عام 1921 م . وأسست الدولة مجالس للولايات مثل الأردن فيها عدد من الشخصيات هم : عبد العزيز الكايد عن عجلون ، صالح المصطفى العجلوني ( التل ) ، مصطفى حجازي ، علي خلقي الشرايري ، سلطي الابراهيم ، واستمر المجلس إلى عام 1913 م . وفي عام 1914 م فاز عن الأردن : عودة القسوس ، يوسف السكر ، عبد النبي النسعة ، عبد المهدي المرافي ، نجيب الشريدة ، عبد القادر التل ، شوكت حميد .
سكة حديد الحجاز والتحولات الكبرى :
وفي عام 1900 م ، أُنشئت سكة حديد الحجاز - وهو خط استراتيجي ربط إسطنبول بالحجاز ومرّ عبر محطات أردنية بارزة مثل المفرق ، الزرقاء ، عمان ، ومعان - حيث انطلقت من دمشق ووصلت عمان عام 1902 م وفي عام 1908 م وصل أول قطار إلى المدينة المنورة ، وبلغت المسافة بين دمشق والمدينة 1320 كم ، منها 420 كم تمر عبر شرقي الأردن .
وفي عام 1908 م ، أُرغم السلطان عبد الحميد على إعلان الدستور ، ثم ما لبث أن أجبر الاتحاديون السلطان على التنازل عن الحكم عام 1909 م واعتقلوه ، وعينوا بدلاً منه السلطان محمد رشاد باسم محمد الخامس .
وقد ثارت الشوبك عام 1905 م وثارت الكرك عام 1910 م معارضين عملية تعداد النفوس وما يترتب عليه من ضرائب وتجنيد إجباري ، وجاء إليها القائد سامي باشا الفاروقي لتأديبها ولاحق شيوخ العشائر الثائرين ، حيث أعدموا بعضهم في الكرك وبعضهم في دمشق ، وقتلوا 99 شخصاً في قرية العراق في الكرك ، وقُتل زعيم ثورة الكرك الشيخ قدر المجالي عام 1912 م مسموماً في دمشق بعد أن دعاه والي سورية لزيارته إثر صدور العفو العام .
وفي عام 1914 م اندلعت الحرب العالمية الأولى بين الحلفاء ودول المحور ، وأُعلنت سياسة " سفر برلك " والنفير العام ، ورافقها سياسة جمال باشا السفاح في سورية الذي علق أحرار العرب على المشانق في دمشق وبيروت عام 1915 م . وانهزمت الدولة العثمانية في الحرب بعد أن اشترك العرب فيها إلى جانب الحلفاء من خلال الثورة العربية الكبرى عام 1916 م ، إثر مخاطبة 35 نائباً في مجلس المبعوثان للشريف الحسين معلنين اعترافهم به رئيساً على جميع البلاد العربية وأقروه على إمارة مكة .
التعليم ، التركيبة السكانية ، والمعالم التاريخية :
أما قطاع التعليم ، فقد أهملت الدولة العثمانية قطاع التعليم بشكل عام حتى أواخر القرن التاسع عشر ، واقتصر التعليم لفترات طويلة على الكتاتيب البسيطة لتعليم القرآن والقراءة ، لا سيما مع افتتاح أول مدرسة أجنبية للإرساليات التبشيرية الأجنبية في السلط عام 1850 م ، وأول مدرسة أجنبية في الكرك عام 1875 م ، وأول مدرسة حكومية في السلط عام 1880 م ، وأول مدرسة للذكور في الكرك عام 1894 م .
وفيما يخص التركيبة السكانية ، فغالبيتهم من المسلمين ، وتوجد أقليات مسيحية أردنية وأقلية مسيحية أرمنية جاءت إلى الأردن عام 1915 م ، وقليل من اليهود والبهائيين . وهناك أقلية مسلمة من غير العرب من الشيشان والداغستان الذين كان أول وصولهم إلى شرقي الأردن عام 1864 م حيث سكنوا الزرقاء والرصيفة والسخنة وصويلح وعمان . أما الشركس فقد جاءوا إلى شرقي الأردن عام 1877 م وسكنوا عمان ووادي السير وجرش وناعور وصويلح .
ومن أبرز المعالم الأثرية المتبقية : سكة حديد الحجاز ، والسرايا العثمانية التي تمثلت في مبانٍ إدارية وقلاع أُنشئت في مدن عدة مثل دار السرايا في مادبا ( أو ما يسمى بـ " دار سرايا مادبا " ، وهو مبنى سرايا يقع ضمن المسار التراثي في مدينة مادبا يعود تاريخ تشييده إلى العهد العثماني ) وإربد لتنظيم الإدارة .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) صفحة الدكتور محمد عبد الحفيظ المناصير على الفيسبوك ( تاريخ الأردن في العهد العثماني والمادة التاريخية المعتمدة في تتبع الأحداث والتسلسل الإداري والسياسي والقبلي ) .
- 2 ) أبو الشعر ، هند . ( تاريخ شرقي الأردن في العهد العثماني ( 1516 - 1918 م ) ) .
- 3 ) بخيت ، محمد عدنان . ( شرقي الأردن في العهد العثماني في القرن السادس عشر الميلادي ) .
- 4 ) الروابدة ، محمد يوسف . ( مدخل إلى تاريخ شرقي الأردن الحديث ( 1864 - 1920 م ) ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.