يستعرض هذا المقال ، سيرة وفكر الأديب ألبير قصيري ، مناقشاً فلسفته في الكسل والتمرد ، وموازناً إياها بين العقل والشرع .

ألبير قصيري : أسطورة التمرد العبثي في ميزان الشرع والعقل

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يشكل الأديب والروائي ألبير قصيري ( 1913 م - 2008 م ) نموذجاً فريداً لشخصية تمردت على نسق الحياة الحديثة برمتها ، فقد هاجر من جذوره الشامية والمصرية ليستقر في العاصمة الفرنسية باريس ، ليعيش ما يقارب ستين عاماً داخل غرفة فندقية واحدة متخففاً من كل أشكال التملك الاستهلاكي ومقضياً أيامه في المقاهي متأملاً زيف الحياة البشرية اللاهثة .

المولد والنشأة : الجذور والبدايات :

​وُلد ألبير قصيري في مدينة القاهرة المصرية عام 1913 م لأسرة مسيحية تنتمي لطائفة الروم الأرثوذكس وتعود جذورها الحقيقية إلى بلدة القصير في سوريا . نشأ في حي الفجالة العريق بالقاهرة ، حيث تشرب تفاصيل حياة البسطاء والطبقات المهمشة التي شكلت فيما بعد المادة الأساسية لعالمه الأدبي والروائي . وقد بدأ شغفه بالكتابة مبكراً جداً ، فنشر في صباه أولى محاولاته الأدبية ، وأصدر في سن السابعة عشرة ديوان شعر باللغة الفرنسية بعنوان ( آثار الأسنان / Les Morsures ) متأثراً بأجواء الشعر البودليري .

المسار المهني : الكاتب المتفرغ ورفض الوظائف التقليدية :

​لم يمارس قصيري الوظائف البيروقراطية التقليدية أو يركض خلف المناصب الإدارية ، بل اعتبر أن الاحتراف الأدبي والكتابة هما شغله الوحيد في الحياة . لقد اختار أن يكون كاتباً مستقلاً يعيش على ريع أعماله المتباعدة وقناعاته التقشفية البسيطة ، رافضاً الدخول في طاحونة العمل المأجور التي اعتبرها قيداً يغتال حرية الإنسان .

جذور وعزلة : رحلة الفيلسوف من القاهرة إلى باريس :

​في عام 1945 م ، اتجه قصيري إلى باريس ليعيش في الغرفة رقم 58 في فندق ( لا لويزيان ) في حي سان جيرمان الباريسي . لقد آمن إيماناً مطلقاً بأن امتلاك العقارات والأشياء يعني عبودية الإنسان لها ، ففضل العيش الخفيف بلا التزامات ولا فواتير ، متخذاً من التهميش موقفاً فكرياً وحداثياً يخاصم المركزيات المادية .

فلسفة الكسل وسخرية اللهاث الاستهلاكي :

​قضى قصيري أيامه جالساً في المقاهي يراقب الناس وهم يركضون خلف قطارات الأنفاق والوظائف ، معتبراً أن العالم يسرق أعمارهم . وكان يقول : ( كم هو مؤسف أن تصحى وتصبح بأشكال تسد النفس ) ، مسخراً من كون الناس يشترون أشياء لا يستفيدون منها ولا يستمتعون بها . لقد جعل من الكسل ثقافة متكاملة ، واعتبر أن ( الكسل فلسفة والعمل أو الشغل حماقة ) ، لدرجة أنه رفض مرة حضور موعد استلام جائزة مهمة لأنها كانت في الساعة العاشرة صباحاً ، مؤثراً النوم عليها !

أبرز الأعمال والمؤلفات الأدبية :

​أصدر قصيري خلال مسيرته الأدبية الطويلة عدداً من الروايات والمجموعات القصصية التي ترجمت إلى عدة لغات عالمية وتحولت بعض أعماله إلى سينما بارزة ، ومن أبرزها :


ينابيع الفكر ومصادر التمرد :

​تتحدد ملامح فلسفته عبر تقاطع عدة عوامل ، أبرزها صدمته بالحداثة الأوروبية والنزعة الاستهلاكية المتوحشة للرأسمالية الغربية ، واحتكاكه بالفلسفة الوجودية الفرنسية ، إلى جانب استلهامه العميق لروح البسطاء والمهمشين في شوارع القاهرة الذين وجد فيهم حرية أعمق من حرية موظفي المدن الكبرى .

الرحيل الأخير : الوفاة والمثوى الأخير :

​توفي الأديب والروائي ألبير قصيري في يوم الثاني والعشرين من شهر حزيران لعام 2008 م عن عمر ناهز 94 عاماً ، وقد وافته المنية في غرفته المتواضعة بفندق لا لويزيان في العاصمة الفرنسية باريس . وقد دُفن جثمانه في مقبرة مونبارناس الشهيرة في باريس .

الرد المنطقي والعقلي على فلسفة قصيري :

​على الرغم من جاذبية النقد الساخر الذي وجهه قصيري للرأسمالية المتوحشة والنزعة الاستهلاكية المفرطة ، إلا أن دعوته المطلقة للكسل وتجريم العمل تحمل في طياتها تناقضاً منطقياً صارخاً . فالإنسان بطبعه كائن إنتاجي واجتماعي يحتاج إلى الإنجاز ليشعر بقيمته واستمراريته ، فلو عمّ الكسل البشرية وتوقف الجميع عن العمل لما وجدت الخدمات ، ولا تطورت العلوم ، ولا استمرت الحياة الإنسانية في البناء والتطور . إن رفض الاستهلاك المفرط شيء ، وتعطيل طاقات الإنسان وقدراته تحت مسمى الكسل شيء آخر تماماً .

المنظور الديني : السعي والعمل عبادة وعمارة للأرض :

​حين نضع أفكار قصيري في ميزان الشرع الحنيف ، نجدها تتعارض تماماً مع المنهج القرآني والنبوي في الحياة ، فالإسلام لم يشرع العمل لتكون عبودية مهينة ، بل جعله عبادة وفريضة ومظهراً من مظاهر استخلاف الإنسان في الأرض . يقول الله تعالى : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) . وقد جعل الله تعالى النهار للعمل والسعي والرزق ، قال جل وعلا : ( وجعلنا النهار معاشاً ) ، بينما جعل الليل للسكينة والراحة : ( وجعلنا الليل لباساً * وجعلنا النهار معاشاً ) . كما حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على العمل والاحتراف والجد والاجتهاد ، ونهى عن البطالة والكسل . إن ممارسة الهوايات والعبادات والعمل المثمر كلها أطر شرعية تبني الإنسان وتعمر الكون ، ولا مكان في الإسلام للكسل المذموم الذي يعطل الطاقات ويقعد الهمم .

​يبقى ألبير قصيري ظاهرة فكرية وأدبية استثنائية استطاعت أن ترصد بدقة عيوب الحضارة الاستهلاكية الحديثة ، غير أن محاولته علاج الداء بالكسل التام ومقاطعة العمل والحياة تظل رؤية قاصرة ، فبينما كان يرى في العمل حماقة ، يثبت الدين والعقل أن العمل جادة الفلاح ، وأن التوازن بين السعي المقدر والراحة المشروعة هو السبيل الوحيد لبناء إنسان سليم وحضارة مزدهرة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) مؤلفات وروايات ألبير قصيري المترجمة إلى اللغة العربية .
  3. 2 ) ديوان آثار الأسنان / Les Morsures ومختارات شعراء في مصر لـ جان موسكاتيلي .
  4. 3 ) مقالات ودراسات نقدية من Boring Books و Independent عربية حول أدب ألبير قصيري وفلسفة التهميش .
  5. 4 ) آيات القرآن الكريم من سور الملك والنبأ والمملكة .