المخطوط أو المخطوطة تعني في مفهومها العام كل ما كتب بخط اليد، سواء أكان ذلك وثيقة، أم رسالة، أم كتابا، أم حفرا ونقشا على حجر، أم رسما على قماش. وتشتمل المخطوطة في تكوينها على المحتوى العلمي والمواد التي يكتب عليها مثل: الأزاميل للنقش على الطين الجلود (الرق)، ورق البردي، الألواح الطينية (المراقم)، الحجارة، والفخار، بالإضافة إلى الأدوات التي يكتب بها مثل أقلام القصب وريش الطيور مع الأحبار.

مخطوطات البحر الميت (قمران) بين الحقيقة التاريخية والتزييف الصهيوني

بقلم: الباحث الاستاذ قيصر صالح الغرايبة

المخطوط أو المخطوطة تعني في مفهومها العام كل ما كتب بخط اليد، سواء أكان ذلك وثيقة، أم رسالة، أم كتابا، أم حفرا ونقشا على حجر، أم رسما على قماش. وتشتمل المخطوطة في تكوينها على المحتوى العلمي والمواد التي يكتب عليها مثل: الأزاميل للنقش على الطين الجلود (الرق)، ورق البردي، الألواح الطينية (المراقم)، الحجارة، والفخار، بالإضافة إلى الأدوات التي يكتب بها مثل أقلام القصب وريش الطيور مع الأحبار.

ومن أسباب ظهور المخطوطات وتطورها عبر التاريخ، اختراع الحروف الأبجدية والكتابة وأدواتها، وخاصة الورق.

وقد أولى المسلمون اهتماما بالغا بالمخطوطات كونها السبيل الوحيد للحفاظ على التراث العربي الإسلامي من كتب ومصنفات ورسائل وغيرها، والأهم من ذلك كله هو الحفاظ على القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي هذا السياق التوثيقي، تعتبر مخطوطات البحر الميت (قمران) أهم وأقدم مخطوطات دينية اكتشفت في العصر الحديث على الإطلاق، إذ يرجع تاريخها إلى نحو ألفي عام، وتعد شاهدا تاريخيا مهما على مرحلة حساسة من تاريخ المنطقة.

مخطوطات البحر الميت (قمران) هي عبارة عن نصوص وكتابات دينية مكتوبة على رقاع جلدية وألواح نحاسية على شكل لفائف ملفوفة في مادة الكتان. تم اكتشاف هذه المخطوطات داخل جرار فخارية، أسطوانية الشكل ومحكمة الإغلاق، وقد طليت بالقطران (هو مادة سائلة لزجة، داكنة اللون وشديدة الكثافة، ذات رائحة نفاذة، تُستخلص بشكل أساسي من التقطير الإتلافي للمواد العضوية كالفحم الحجري أو الأخشاب مثل خشب اشجار الصنوبر والعرعر، يُستخدم قديما وحديثا في رصف الطرق، عزل المباني، طلاء السفن، ولأغراض علاجية وتقليدية متنوعة) من أجل حفظها ومنعها من التلف ، وتبين أنها كتبت باللغة العبرية، بينما كتب بعضها الآخر بالغة الآرامية.

أما موقع الاكتشاف، فتقع خربة (قمران) شمال غرب البحر الميت على بعد 13 كيلومترا جنوب مدينة أريحا. ويرى بعض المؤرخين أن اسم (قمران) ينسب إلى القبيلة العربية القحطانية التي سكنت جنوب فلسطين بعد الفتح العربي الإسلامي، بينما يرى بعضهم الآخر أن (قمران) كانت تسمى مدينة الملح لقربها الشديد من البحر الميت.

خريطة توضيحية لموقع قمران

في ربيع عام 1947 م، عثر بالصدفة راعيان من بدو التعامرة المتجولين بين بيت لحم والبحر الميت، وهما محمد ذيب ومحمد حامد من عرب التعامرة، على مغر توجد بداخلها تلك الجرار الفخارية التي تحتوي على اللفائف الجلدية والكتانية والنحاسية. كانت اللفائف تحتوي على كتابات غير معروفة لديهما آنذاك، فعرض الراعيان هذه اللفائف على شيخ مسلم وهو أحد التجار السريان في مدينة بيت لحم، ليتبين لاحقا أن هذه الوثائق هي كتابات دينية اكتسبت قيمة تاريخية ودينية ومادية بالغة.

الراعيان محمد ذيب ومحمد حامد من عرب التعامرة اللذان اكتشفا المخطوطات

واصل عرب التعامرة عمليات البحث للحصول على المزيد من هذه المخطوطات، وشارك في البحث عدد من رجال الجيش العربي الأردني عام 1949 م. كما تابع علماء الآثار الأوروبيون، وبخاصة البريطانيين، عمليات البحث والتنقيب عن هذه المخطوطات. وخلال هذه الحفريات، تم العثور في الكهوف على بقايا قرية مؤلفة من مساكن، وأسواق، وخزانات مياه، ومدابغ للجلود، وغرف طعام. كما عثر على مكتبة ومقاعد للكتابة وقاعة اجتماعات، مما يدل دلالة قاطعة على أن أصحاب هذه القرية كانوا يقومون بنسخ أسفار العهد القديم والتعاليم التوراتية.

تبين من خلال دراسة المخطوطات والآثار المكتشفة أن هذه الطائفة هي من أقدم طوائف بني إسرائيل وأكثرها التزاما بتعاليم التوراة، والأقرب عهدا إلى التعاليم التوراتية الأصلية. وقد عرفت هذه الجماعة المتصوفة بـ الأسينيين، والذين كانوا يعيشون في خربة (قمران) بالقرب من البحر الميت. نشأت طائفة الأسينيين في الفترة المكابية الحشمونية 150 ق.م حتى 30 ق.م، واستمرت هذه الجماعة قائمة إلى عام 68 م حيث قضى عليهم الرومان. وكان الأسينيون قد نسخوا تراثهم وحفظوه في كهوف خربة (قمران) في حوالي 400 مخطوطة على أمل العودة إليها مرة أخرى. وجاء هذا الانعزال في (قمران) نتيجة لحكم الحشمونيين، وهي أسرة يهودية عملت على إعادة العناصر والطقوس الهيلينية اليونانية، مما أثار غضب اليهود الأسينيين الذين عاشوا في (قمران) وكانوا يعتقدون، على الرغم من قلتهم، بأنهم يعرفون الحقيقة، وأن معظم اليهود على ضلال.

بعد حرب حزيران عام 1948 م، وبحكم المسؤولية الأردنية عن أراضي الضفة الغربية في فلسطين، استطاعت الحكومة الأردنية شراء بعض هذه المخطوطات ووضعها في متحف القدس لحمايتها. ومن بين هذه المخطوطات، كانت هناك مخطوطة نحاسية (اللفيفة النحاسية) وضعت في متحف الآثار في عمان.

وهنا يبرز الدور التاريخي والوطني الرائد لشيخ المؤرخين الأردنيين المرحوم الأستاذ الدكتور العلامة عبد الكريم الغرايبة، فعندما تولى منصب مدير عام دائرة الآثار العامة الاردنية ما بين عامي 1956 و1957 م ، أدرك بحسه الوطني وبصيرته الأكاديمية المبكرة مدى أهمية هذه المخطوطات وخطورة بقائها في متناول يد الاحتلال أو الضياع. وبناء على ذلك، قاد جهودا حثيثة لنقل جزء من هذه المخطوطات الثمينة من أراضي فلسطين وتحديدا من متحف القدس، ليتم إيداعها وحفظها بشكل آمن في متحف الآثار الأردني في العاصمة عمان. وقد أثبتت الوقائع التاريخية أن المرحوم الدكتور عبد الكريم الغرايبة قد خاطر بحياته تماما أثناء عملية نقل هذا الجزء الثمين من المخطوطات من أراضي فلسطين إلى الأردن، متحديا الظروف الأمنية الصعبة والمخاطر المحيطة بالطريق في تلك الفترة الحساسة ليضمن وصولها بسلام. إن هذا الإجراء الاستباقي والبطولي الذي قام به المرحوم الدكتور عبد. الكريم الغرايبة هو الذي أنقذ هذا الجزء الهام من المخطوطات وحماه من المصادرة والتهويد اللاحق.

المؤرخ العلامة الدكتور عبدالكريم غرايبة

أما بقية المخطوطات التي ظلت محفوظة في متحف القدس ولم يتم نقلها، فقد وضعت إسرائيل يدها عليها بالكامل ونقلتها إلى الجانب الإسرائيلي بعد أن استولت على الضفة الغربية عقب حرب حزيران عام 1967 م واستكمال احتلالها لفلسطين. وكان الهدف من وراء هذه المصادرة الإسرائيلية هو إخفاء مضمون تلك المخطوطات، لأنها تبين بوضوح زيف الادعاءات الإسرائيلية ومدى الاختلاف بين هذه المخطوطات القديمة ونسخ التوراة الموجودة لديهم حاليا، وما انطوت عليه من تناقض وتحريف.

بعد اكتشاف المخطوطات، بدأ علماء الآثار الأوروبيون والمدرسة الأمريكية للدراسات الشرقية على تحقيقها وفحصها. وأكد الباحثون أن هذه المخطوطات ستكون لها آثار خطيرة في العلم، لأنها تتناول أمورا دينية في غاية الخطورة، وتكشف زيف الروايات التاريخية التي سادت في المنطقة. وقد أثبتت دراسة المخطوطات النتائج والحقائق التاريخية والدينية التالية:

أكدت المخطوطات أن الدين اليهودي الحالي والأسفار التوراتية المتداولة انطوت على الكثير من التناقضات والاضافات المستمرة التي وضعت لخدمة السياسة اليهودية والوثنية الرومانية الرسمية آنذاك ، مما يدل على زيف وبطلان الادعاءات الصهيونية.

كشفت المخطوطات الغطاء عن أسرار وحقائق دينية وتاريخية تنسف بعض الادعاءات والاعتقادات الواردة في بعض التعاليم التوراتية التي تدخلت يد البشر بتحويلها وتحريفها.

تبين محاولة الصهيونية تزييف بعض الحقائق الواردة في هذه المخطوطات عن طريق التشكيك فيها، والسبب في ذلك هو كون هذه المخطوطات تبشر بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما تسعى الصهيونية جاهدة لإخفائه.

الصور التوثيقية: صورة لموقع الكهف الذي اكتشفت فيه المخطوطات في (قمران)

قيصر صالح الغرايبة

كاتب وباحث مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يركز في كتاباته على توثيق الروايات التاريخية وإبراز الهوية الثقافية.