يوضح المقال كيف تؤدي المقارنات المبكرة وضغوط التربية إلى سعي الإنسان الدائم لإثبات الذات ، داعياً إلى بناء تقدير ذاتي نابع من الوعي والاستعانة بالله بعيداً عن أسر المظاهر والمقارنات الاجتماعية .
وهم السعي الدائم لإثبات الذات : جذور الاستنزاف النفسي في واقعنا الاجتماعي
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
جذور الحكاية : من زوايا البيوت تبدأ القصة :
يمر بنا العمر أحياناً فنرى أناساً أفنوا زهرة شبابهم وهم يراكضون خلف السراب ، يكدحون ليل نهار لا لهدف سوى إثبات الذات وتحصيل إعجاب الآخرين وكأن أرزاق القلوب ومقادير الاحترام بيد العباد لا بيد رب العباد . وحين نتأمل هذا العطش النفسي الذي لا ينطفئ في مجتمعنا الأردني ، حيث تتقاطع ضغوط المعيشة مع الأعراف الاجتماعية وتوقعات العائلات ، ندرك أن الحكاية لا تبدأ في مكاتب العمل ولا في ساحات التنافس الوظيفي ، بل تبدأ غالباً من زوايا البيوت البسيطة ومن تلك اللحظات الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل بذاته وبقيمته أمام والديه ومجتمعه .
تخيل طفلًا أردنيًا صغيرًا يعود من المدرسة يحمل شهادة بسيطة أو علامة مدرسية عادية في يده ، يدخل بيت أسرته سعيداً منتظراً كلمة طيبة أو ابتسامة تشعره أنه أنجز شيئاً جميلاً . لكن الأب أو الأم قد يقولان بعفف ودون قصد لإيذائه : " ليش ما جبت العلامة الكاملة مثل ابن عمك ؟ " أو " شوف فلان من العائلة كيف طلع الأول على الشعبة " . قد يسكت الطفل أو يبتسم ابتسامة باهتة ويقول حاضر ، لكن داخله يبدأ في تسجيل رسالة أعمق بكثير من الكلمات نفسها ؛ وهي أن قيمته مرتبطة حصراً بما ينجزه ، وأنه عندما ينجح يصبح مرغوباً وممهوراً بالقبول ، وعندما يتعثر يصبح أقل شأناً في عيون أحب الناس إليه . وهنا يبدأ نوع فريد وخفي من الحرمان ؛ ليس حرمان لقمة الخبز أو لباس الشتاء ، بل حرمان الطفل من الشعور بأن له قيمة ذاتية ثابتة لا تهتز ولا تختفي حين يخطئ أو يتعثر .
بناء الصورة الأولى : ما يحتاج إليه الطفل حقاً :
إن ما يحتاج إليه الطفل حقاً في بيئتنا ومجتمعاتنا هو أن يتيقن أن وجوده بذاته ذو قيمة مقدسة ، وأن الخطأ البشري لا يجعله إنسانًا سيئًا ، وأن فشله في امتحان أو اختبار لا يعني أنه فاشل بالمطلق . فالطفولة ليست مجرد مرحلة نعد فيها أبناءنا لتجاوز الامتحانات المدرسية ، بل هي المنجم الأساسي الذي يبني فيه الإنسان أول صورة ذهنية عن نفسه وعن مكانته بين أهله ومجتمعه . فإذا اعتاد الصغير أن يسمع باستمرار كلمات اللوم والمقارنة ، تحولت مع الزمن من أصوات خارجية مزعجة إلى معتقدات داخلية راسخة تحكم خياراته طوال حياته .
إضاءات علمية : من إريكسون إلى روجرز وسليجمان :
وتتلاقى هذه المشاهد الحية مع ما قرره علماء النفس عبر التاريخ ؛ فقد قدم عالم النفس إريك إريكسون في خمسينيات القرن الماضي نظريته عن النمو النفسي الاجتماعي ، محددًا سنوات الطفولة المدرسية بمرحلة " الكفاءة في مواجهة الشعور بالنقص " ، حيث يحتاج الطفل إلى تشجيع واقعي يبني ثقته بقدراته لا إلى تحطيم مستمر . كما أظهرت أبحاث مارتن سليجمان حول " العجز المتعلم " كيف أن التعرض المتكرر للمقارنة والإحباط يجعل الإنسان يستسلم مسبقاً متوقعاً الفشل قبل أن يبدأ . وأضاف كارل روجرز مفهوماً جوهرياً تمثل في " التقدير الإيجابي غير المشروط " ، وهو حق الإنسان في أن يُقبل ويُحب لذاته لا لشروط مسبقة أو إنجازات باهرة . فضلاً عن دراسات ماري أينسورث وجون بولبي حول " التعلق " والأمان العاطفي المبكر ، ونظريات ليون فستنجر في " المقارنة الاجتماعية " التي تُفسر لِمَ يصبح نجاح الآخرين تهديداً نفسياً لمن لا يمتلك معياراً داخلياً لقيمته .
انعكاسات النشوء : عندما يتحول النجاح إلى هروب مستمر :
وعندما يكبر ذلك الطفل الذي تربى على شبح المقارنة الدائمة ، يتحول إلى شخص شديد الاجتهاد يظهر للناس بمظهر الناجح القوي والثابت ، لكنه يعيش في سريرته خوفاً مرضياً من أن يكتشف الناس حقيقة أنه " ليس جيداً بما يكفي " . وهنا يصبح النجاح بالنسبة إليه هروباً مستمراً من شبح النقص ؛ إن نجح تنفس الصعداء مؤقتاً ، وإن تعثر شعر كأن بنيانه كله قد انهار . وتتضاعف هذه المعاناة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ، حيث باتت الشاشات تعرض لقطات براقة مختارة من حياة الآخرين ، ليقع الإنسان في فخ مقارنة تفاصيله العادية بقشور غيره المفتعلة .
أفق النجاة : الطفولة ليست حكماً نهائياً :
إلا أن النقطة المضيئة التي يجب أن تظل نصب أعيننا هي أن الطفولة بمشكلاتها لا تكتب مستقبل الإنسان بحذافيره ؛ فالإنسان كائن متجدد يستطيع بالوعي والنضج والاستعانة بالله أن يعيد تفسير خبراته القديمة ، ويتحرر من قيود الماضي . والاستعانة بالله الحقيقية هنا لا تعني الركون والتواكل ، بل تعني بذل الأسباب والسعي الواعي مع تفويض الأمر لله وعدم تعليق القيمة الروحية والنفسية على ألسنة الناس ومقارناتهم المادية . فابن بيئتنا الأردنية الطيبة حين يدرك أن رزقه وقدره ومكانته بيد خالقه وحده ، يتخفف من أثقال الوهم ، ويعلم أن الحياة رحلة تطور واجتهاد لا امتحان أبدي لإثبات الوجود .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) إريك إريكسون ، كتاب الطفولة والمجتمع ( دراسات النمو النفسي الاجتماعي ومرحلة الكفاءة والشعور بالنقص ) .
- 2 ) مارتن سليجمان ، أبحاث العجز المتعلم والتوقعات النفسية المؤثرة في السلوك البشري .
- 3 ) كارل روجرز ، أعمال العلاج المتمركز حول الشخص ومفهوم التقدير الإيجابي غير المشروط .
- 4 ) ماري أينسورث وجون بولبي ، دراسات التعلق والأمان العاطفي وأثر العلاقات المبكرة في الطفولة .
- 5 ) ليون فستنجر ، نظرية المقارنة الاجتماعية وتأثيرها على تقييم الذات ( 1954م ) .
- 6 ) موريس روزنبرج ، مقياس تقدير الذات وأبحاث صورة الإنسان ومفهومه عن نفسه .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.