يستعرض هذا المقال دلالات رسالة إنسانية عثر عليها في ملابس جندي قضى في ساحة الوغى ، مسلطاً الضوء على زيف الشعارات المضللة ومأساة أبناء الفقراء في أتون الحروب العبثية .
وصية على حافة الموت : شهادة جندي خارج السرب
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتكدس كتب التاريخ وأروقة الواقع بقصص البطولة المصنوعة على مكاتب التوجيه وتُسوق عبر منصات الإعلام المأجور ، غير أن الحقيقة العارية غالباً ما ترقد في خفاء صامت ، مختبئة داخل جيب رثّ أو بين طيات ثياب جندي أنهكه الرصاص قبل أن يكمل تعويذة الحياة . وفي نص وجداني صارخ تفوح منه روائح الوجع الإنساني ، تبرز رسالة خطّها جندي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على الجبهات ، لتقلب مفاهيم البطولة رأساً على عقب ، وتضع المجتمع أمام مرآة مهشمة تعكس بشاعة الاستغلال ونفاق الهياكل السياسية والاجتماعية .
أولاً : أسطورة الأم المفجوعة وساذجة الشاشات :
تبدأ الصرخة الأولى من أطهر الأرحام وأشدها تمزقاً ؛ إذ يوصي الجندي الراحل بعدم تصديق ما ستلفظه أمه عبر الفضائيات وبرامج التوك شو التي تقتات على دموع الثكالى . فعندما تطل المذيعة ذات التبرج الصارخ لتستدر عطف الجمهور وتجبر الأم المكلومة على ترديد العبارات المعلبة ، يأتي صوت الابن من خلف الموت ليحطم هذا الزيف رافضاً تلك الادعاءات المفروضة . هنا يتجلى التلاعب النفسي المنهجي الذي تمارسه آلة الإعلام لإلباس الموت قسراً ثوب الشهادة الاختيارية ، وتدجين حزن الأمهات ليصبحن أدوات ترويجية لاستمرار رحى الصراع .
ثانياً : نفاق الصديق وتاجر المواقف :
ولا تقف خيبة الميت عند حدود الشاشات ، بل تمتد لتغتال طهارة الذاكرة في المحيط القريب . فالصديق الذي سارع إلى تحميل صورة الفقيد على صفحته في مواقع التواصل متغنياً بشهادته حداداً عليه ، ليس سوى نموذج بشع للنفاق الاجتماعي . يكشف الجندي زيف هذه الدموع الافتراضية بموقف واقعي جارح يعري بخل العطاء في الحياة مقابل صخب المبالغة بعد الرحيل . إنها مفارقة موجعة ؛ أن يتحول الصديق المتقاعس في أيام العوز إلى شاعر في الموت المجاني ، يبكي فقيراً لم يحرك ساكناً لإعانته حين كان يصارع مرارة العيش وقسوة الظروف .
ثالثاً : هندسة الفساد : المسؤول الأنيق وطقوس التأبين الفاخرة :
وفي قلب المشهد التأبيني المزيف ، يبرز المسؤول الرفيع متوشحاً وقاره المصطنع وخطاباته الرنانة التي تمجد الروح القتالية للجندي وحبه المزعوم للوطن . لكن الرسالة تمزق هذا القناع كاشفة زيف المظاهر الممولة من معاناة البسطاء .
تضعنا هذه اللقطة أمام قسوة العدالة الطبقية ؛ فأبناء الفقراء يُساقون وقوداً للحروب التي يوقدها تجار الأزمات ، بينما ينعم أبناء أصحاب النفوذ بالثراء الفاحش ، مترفين في الخارج أو متسكعين في الأندية والمقاهي . أما أولئك الذين يطلقون الرصاص عشوائيًا في الهواء أثناء تشييع الجثمان ، فهم جماعة طفيلية لم يرهم الجندي قط في ميادين المعارك الحقيقية ، ليتحول الموت إلى مهرجان نفاق متكامل الأركان .
رابعاً : إغواء البندقية وسطوة الجغرافيا :
يعترف الجندي ببساطة مطلقة تجرد الموت من هالة الأسطورة الزائفة ، مؤكداً أن ساحات الوغى لم تكن سوى استدراج لغرائز الشباب وطاقتهم المهدورة حيث تُستغل حمية الرجال لتُحرق في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
ولا فرق بعد ذلك في هندسة الموت : أكان برصاصة طائشة ، أو بقذيفة سقطت صدفة ، أو حتى قهراً وبطشاً من واقع لم يرحم إنسانيتهم . وحدها تنهيدة الأم الوحيدة وانكسار الأب المكلوم ودمعة حبيبة وعدها بالعودة سليماً هي الحقائق الباقية وسط هذا الركام .
خامساً : سؤال الموت الطبقي : لمن تباع القبور ؟
تتوج الرسالة أسئلتها الكبرى بالاستفهام الأكثر وجعاً في الذاكرة الإنسانية حول عدالة التضحيات وتوزيع الأثمان ؛ لماذا يبدو قدر البسطاء هو دفع الفواتير الكبرى بينما يغيب المنتفعون عن ساحات الوغى ؟
إنها صرخة في وجه التوزيع الظالم للوطنية وثرواتها . فالوطن الذي يبخل على أبنائه بلقمة عيش كريمة ومتر أرض يدفنون فيه بكرامة ، لا يطالبهم إلا بصكوك الولاء المطلق والدفع من دمائهم أرخص الأثمان . وحين يبحث الجندي عن إجابة لسؤاله الخالد عن غياب أبناء المسؤولين ، يدرك قبيل أن تلفظ أنفاسه الأخيرة الحقيقة المرّة المتمثلة في البحث عن مقومات الحياة البسيطة وسط واقع أثقل كاهل المنسيين .
الخاتمة :
تظل رسالة الجندي الراحل وثيقة إدانة صارخة لكل الأنظمة والضمائر التي تستثمر في آلام البسطاء . إنها لا تقلل من قيمة التضحية بقدر ما تعيد تصويب بوصلة الحقيقة نحو منبعها النقي : الوطن الحقيقي هو الذي يحيا فيه الإنسان عزيزاً كريماً ، لا الذي يتخذ من أبنائه حطباً لمدافيء نفوذ الطغاة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.