يستعرض هذا المقال ملحمة حلف الفضول التاريخية في الجاهلية وصدر الإسلام ، مبيناً أبعاده الحقوقية ومواقفه الإنسانية الخالدة في نصرة المظلومين .
حلف الفضول : ملحمة العدالة الاجتماعية ونصرة المستضعفين في الجاهلية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تزخر صفحات التاريخ العربي قبل الإسلام بمحطات ناصعة تؤكد أن الفطرة الإنسانية السليمة والغيرة على الحق بقيت حية تنبض في وجدان العرب ، رغم ما عانته بيئتهم من قسوة الجاهلية وشيوع قانون الغاب وقوة السلاح . وفي قلب مكة المكرمة ، حيث كانت سيادة القوي تحكم وتطغى على حقوق الضعيف والغريب ، برزت مأثرة إنسانية عظيمة أعادت للأخلاق اعتبارها وللمظلومين حقوقهم ؛ إنه حلف الفضول ، ذلك التحالف الفريد الذي أثنى عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأكد أنه أحب الحلف إليه ، وأنه لو دُعي به في الإسلام لأجاب .
أولاً : إطار الزمان والمكان ( تاريخ التأسيس والنشأة ) :
تأسس حلف الفضول في شهر ذي القعدة عام 33 قبل الهجرة ، الموافق لشهر يوليو عام 591 ميلادي ، وجاء عقده في شهر حرام على أثر انتهاء ( حرب الفجار ) التي دارت رحاها في سوق عكاظ بين قبائل قريش وكنانة من جهة ، وقيس عيلان من جهة أخرى .
وقد تداعت إلى هذا الحلف العظيم خمسة بطون رئيسية من قبائل قريش ضمن بوابة السيرة النبوية والمرجع التوثيقي ( الرحيق المختوم ) في العهد المكي ضمن موضوع المولد وأربعون عاماً قبل النبوة ، وهي : ( بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وأسد بن عبد العُزّى ، وزهرة بن كلاب ، وتيم بن مُرَّة ) ، بالإضافة إلى حليفهم من قبيلة كنانة وهو ( بنو الهون عضل والقارة ) . وقد التأم شمل هذه القبائل واجتمعوا في دار ( عبد الله بن جدعان التميمي ) ، نظراً لسنّه وشرفه وسناه في مكة ، ليتعاقدوا ويتعاهدوا على نصرة الحق وإحقاق العدل .
ثانياً : روح الحلف وخصائص التصدي للجاهلية :
تميز هذا التحالف العظيم بأنه حمل روحاً ناصعة تنافي تماماً تلك الحمية الجاهلية البغيضة التي كانت العصبية القبلية تثيرها وتؤججها ، إذ استند الحلف إلى قاعدة إنسانية خالصة تُعلي من شأن العدالة وتتجاوز الحسابات القبلية الضيقة ، ليكون درعاً متكيناً يرفض الظلم بكل أشكاله ومستوياته في ربوع مكة المكرمة وخارجها .
ثالثاً : الشرارة الأولى وسبب قيام الحلف ( مظلمة التاجر الزبيدي ) :
لم يولد حلف الفضول من فراغ ، بل كان استجابة حتمية لصرخة مظلوم تفطّر لها القلب واهتز لها ضمير الشرفاء في مكة . وتعود تفاصيل الواقعة إلى أن رجلاً من قبيلة ( زبيد ) اليمنية قَدِم إلى مكة ببضاعة له ، فاشتراها منه ( العاص بن وائل السهمي ) ( وكان رجلاً ذا نفوذ وشرف عظيم في قريش ) ، فلما استتم العاص الشراء امتنع عن إعطاء التاجر الزبيدي حقه وثمن بضاعته ، وحبس عنه ماله مستنداً إلى مكانته وقوته .
لجأ التاجر الغريب حين ضاقت به السبل إلى أحلاف قريش وزعمائها ( عبد الدار ، ومخزوم ، وجمح ، وسهم ، وعدي ) يلتمس نصرتهم واسترداد حقه المغتصب ، فلم يُعره أحد منهم اهتماماً وتخلوا عنه خوفاً من سطوة العاص بن وائل . فلما رأى الزبيدي ضياع حقه وفقد الأمل فيهم ، صعد جبل أبي قبيس مع طلوع الشمس ، ورفع صوته منشداً أبياتاً مؤثرة من الشعر يصف فيها ظلامته ويوضح مظلمته رافعاً صوته مستصرخاً المروءة والشهامة في نفوس أهل الحرم :
يا للرجال لمظلوم بضاعته ⁞ ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ⁞ يا للرجال وبين الحِجْر والحجر
إن الحرام لمن تمت كرامته ⁞ ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
رابعاً : التحرك الميداني ورد المظلمة للعاص بن وائل :
وقعت كلمات التاجر الزبيدي كالصاعقة على أسماع أحرار مكة ، وفي مقدمتهم ( الزبير بن عبد المطلب ) ( عم النبي صلى الله عليه وسلم ) ، الذي تحركت حمميته ونخوته وقال حاسماً : ( ما لهذا مترك ) . فقام مستنفراً أشراف القبائل حتى اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان الذي استجاب بحماس وأعد لهم طعاماً كريماً .
وما إن تم توقيع الميثاق وإبرام العهد ، حتى تحرك أعضاء الحلف فوراً كقوة ردع ميدانية ، فتوجهوا نحو ( العاص بن وائل السهمي ) وواجهوه بقوة وحزم ، فانتزعوا منه سلعة التاجر الزبيدي وبضاعته رغماً عنه ، ودفعوها كاملة غير منقوصة إلى صاحبها . وبهذا الموقف الحاسم ، أدرك أهل مكة أن زمن استضعاف الغرباء قد ولى ، وأن هناك درعاً حصيناً يحمي المظلومين .
وقد خلد ( الزبير بن عبد المطلب ) هذا الموقف التاريخي بأبيات شعرية خالدة تعكس عزة الحلف ومنعته :
حلفت لنقعدن حلفا عليهم ⁞ وإن كنا جميعا أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا ⁞ يعز به الغريب لدى الجوار
إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ⁞ ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاهدوا وتواثقوا ⁞ فالجار والمعترّ فيهم سالم
خامساً : بنود العهد ومبادئ الحلف الراسخة :
اجتمع وجهاء وأشراف البطون المذكورة في دار ابن جدعان ، وتعاهدوا بالله وتواثقوا على ميثاق غليظ لا يُنقض تضمن المبادئ الآتية :
1 ) أن يكونوا يداً واحدة متكتلة مع المظلوم على الظالم .
2 ) ألا يجدوا مظلوماً بمكة من أهلها أو من سائر الغرباء القادمين إليها إلا قاموا معه حتى تُرد إليه مظلمته ويسترد حقه كاملاً .
3 ) التكافل الاجتماعي والمواساة في المعاش .
4 ) ردع الظالم حتى يعود عن ظلمه ، يستوي في ذلك الشريف والوضيع ، والجار والمعترّ .
سادساً : أسباب ودلالات تسمية الحلف بـ ( حلف الفضول ) :
تعددت الأسباب والآراء التاريخية واللغوية في تفسير تسمية هذا التحالف العظيم بـ ( حلف الفضول ) ، ويمكن إيجازها في الأوجه الآتية :
1 ) التبرك بالرجال الأقدمين : ذكر المؤرخون أن العرب في مكة قبل ذلك بزمن طويل ( في عصر قبيلة جرهم ) شهدوا حلفاً قديمًا نظيراً لهذه المعاهدة لنصرة المظلوم ، أُسس واشترك فيه ثلاثة رجال وُصفوا بالشرف والفضل وكلهم يحملون اسم ( الفضل ) ، وهم : ( الفضل بن فضالة ) ، و ( الفضل بن وداعة ) ، و ( الفضل بن الحارث ) . فلما أشبه فعل القرشيين فعل الجرهميين الأقدمين ، سُمّي الحلف تيمناً بهم بـ ( حلف الفضول ) .
2 ) رد الحقوق والفضول إلى أصحابها : يذهب جانب دقيق من أهل اللغة والباحثين إلى أن ( الفضول ) تُطلق على الحقوق والفضول الثابتة في ذمم الآخرين والتي يجب أن تُرد إلى أصحابها ، فكان الحلف يعني موضوعياً : حلف رد الحقوق المغتصبة إلى أهلها .
3 ) الدخول في فضل من الأمر : وقيل أيضاً إن قريشاً قالت حين عقدوه : ( لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ) ، أي في خير عظيم ومكرمة جليلة أخرجتهم عن أعراف الجاهلية القائمة على الظلم .
سابعاً : حضور النبي محمد صلى الله عليه وسلم وموقف الإسلام منه :
شهد رسول الله ( محمد صلى الله عليه وسلم ) هذا الحلف العظيم في مرحلة شبابه قبل البعثة النبوية الشريفة ، وكان عمره آنذاك نحو عشرين عاماً ، حيث حضره برفقة أعمامه . وقد ظلت روحه الطاهرة تذكر هذا الموقف ببالغ التقدير والاعتزاز طوال حياته .
وفي العهد الإسلامي المشرق ، أكد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد أن أكرمه الله بالرسالة على استمرار شرعية هذا العهد الإنساني ورفعه إلى مصاف التشريعات العليا الراسخة في الضمير الإسلامي ، فقد ثبت عنه ( صلى الله عليه وسلم ) قوله الشهير :
( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت ) .
وهذا الحديث الشريف يعكس بُعداً استراتيجياً عميقاً ، فالإسلام لا يرفض القيم الإنسانية النبيلة والأحلاف الهادفة إلى نصرة الحق لمجرد نشأتها في الجاهلية ، بل يقرها ويباركها ويدعمها ما دامت تدعو إلى إحقاق الحق ودفع الظلم وإرساء دعائم التكافل المجتمعي .
ثامناً : امتداد آثار حلف الفضول بعد البعثة النبوية :
لم ينتهِ أثر هذا الحلف بظهور الإسلام ، بل ظل حياً وفاعلاً في ضمير الأمة وواقعها السياسي والحقوقي . ومثال ذلك ما جرى في العصر الأموي ( خلافة معاوية بن أبي سفيان ) عندما وقعت منازعة في مال بذي المروة بين ( الحسين بن علي بن أبي طالب ) ( رضي الله عنهما ) وبين ( الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ) ( والوليد يومئذ أمير المدينة لأثره ) ، حيث تحامل الوليد على الحسين في حقه لسلطانه .
فقال الحسين ( رضي الله عنه ) معلناً احتجاجه : ( أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لأخذن سيفي ، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول ) . فلما سمع ذلك ( عبد الله بن الزبير ) ( وكان حاضراً ) قال : ( وأنا أحلف بالله لئن دعا به لأخذن سيفي ، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً ) . وبلغ الخبر الصحابي الجليل ( المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري ) فقال مثل ذلك ، وبلغ كذلك ( عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ) فقال بمثله . فلما بلغ هذا التكاتف الشجاع الوليد بن عتبة ، انصاع للحق وأنصف الحسين من حقه حتى رضي .
تاسعاً : نظائر حلف الفضول في التاريخ ( أحلاف الجاهلية وصدر الإسلام والعصور الحديثة ) :
لم يكن حلف الفضول حالة منعزلة ، بل مثّل امتداداً لظاهرة عربية وإنسانية عامة في التآزر لردع الظلم :
1 ) في الجاهلية : ظهرت أحلاف ومواثيق متقاربة مثل حلف المطيبين والحلافين في تنظيم قريش الداخلي ، وأحلاف خزاعة وحماية الحرم ، وأعراف حماية القوافل والغرباء في الأسواق الكبرى .
2 ) في صدر الإسلام : تجسدت روح هذه التحالفات بصورة أسمى وأشمل في ( وثيقة المدينة المنورة ) التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم المجتمع وحماية المستضعفين ، وكذلك في مؤاخاة المهاجرين والأنصار .
3 ) في العصر الحديث : انتقلت الفكرة إلى الفضاء الكوني والحقوقي عبر ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) وميثاق الأمم المتحدة – الذي شهد اعترافاً رسمياً بحلف الفضول عام 2007 بمساعٍ من المفكر جورج جبور باعتباره أحد طلائع المواثيق الكونية لحقوق الإنسان .
عاشراً : دروس وعبر ودلالات حلف الفضول في تاريخ الإنسانية :
يُمثل حلف الفضول محطة إنسانية ملهمة تتجلى فيها أعمق الدروس والعبر المستفادة على الأصعدة التربوية والدعوية والحقوقية :
1 ) إطلاقية العدل : التأكيد على أن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية ، وأن القيم الإيجابية تستحق الإشادة والتأييد حتى لو صدرت من بيئة الجاهلية .
2 ) الخير وسط الظلام : إن شيوع الفساد والظلم في مجتمع ما لا يعني خلوه تماماً من أصحاب النخوة والمروءة الذين يكرهون الباطل ، وهو درس بليغ للدعاة والمصلحين في كل زمان ومكان .
3 ) رفض الظلم مطلقاً : وجوب الوقوف بجانب المظلوم ودفع الظلم عنه بغض النظر عن لونه أو دينه أو جنسه أو مكانته .
4 ) مشروعية التحالف على البر : جواز التعاقد والتحالف على فعل الخير ودفع الظلم ما دام يحقق المصلحة الشرعية ولا يتحول إلى تكتلات حزبية ظالمة .
5 ) الإيجابية المجتمعية : ضرورة أن يكون المسلم عنصراً فاعلاً وإيجابياً في محيطه ومجتمعه ، محترماً للأخلاق الكريمة والمكارم الإنسانية .
وفي الختام ، لم يكن حلف الفضول مجرد حدث تاريخي عابر في ذاكرة مكة المكرمة ، بل كان شمعة أضاءت دياجير الظلم الجاهلي ، ومدرسة متكاملة في نصرة المستضعفين وحماية الحقوق . لقد ظل هذا الحلف خالداً في ضمير الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء ، ليذكرنا على مر العصور بأن العدالة الإنسانية والوقوف بجانب المظلوم هما الركيزتان الأساسستان لاستقرار المجتمع وبقاء الحضارات ، وأن شرف الكلمة ونصرة الحق يظلّان التاج الحقيقي الذي تزين به الأمم صفحات تاريخها .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم.
- 2 ) السيرة النبوية لابن هشام : عبد الملك بن هشام ، تحقيق : مصطفى السقا وآخرين ، دار المعرفة ، بيروت.
- 3 ) الرحيق المختوم : صفي الرحمن المباركفوري ، مؤسسة آل البيت.
- 4 ) تاريخ الأمم والملوك ( تاريخ الطبري ) : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، دار التراث ، بيروت.
- 5 ) البداية والنهاية : أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ، دار إحياء التراث العربي.
- 6 ) الروض الأنف : السهيلي ، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
- 7 ) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام : الدكتور جواد علي ، دار الساقي.
- 8 ) أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
- 9 ) موسوعة الجزيرة التاريخية : مادة حلف الفضول في الجاهلية.
- 10 ) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث : د. علي محمد الصلابي ، دار ابن كثير.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.