يستعرض هذا المقال ، بأسلوب توثيقي وتحليلي ، عبقرية هندسة المياه وأنظمة الري والحصاد المائي عند الأنباط في سيق بعجة والبترا .
هندسة المستحيل : كيف روّض الأنباط المياه في سيق بعجة ( 1 ) ؟
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
لم تكن حضارة الأنباط - أجدادنا العرب - التي انطلقت جذورها الكبرى مع مطلع القرن الثاني قبل الميلاد ، مجرد مركز تجاري وثقافي عابر في قلب الصحراء ، بل شكلت مركزاً رئيساً في المعرفة والخبرة البشرية ( 1 ) . ويُعد نظام الري وقنواته بالنسبة للأنباط مفصلاً حاسماً في نجاح وتطور استيطانهم وبقائهم ، ومن خلال ما أضاء عليه الصديق الباحث والمهندس المعماري عمار خماش حول القنوات المنفصلة في هندسة المياه النبطية ، يتكشف الكثير مما يمكن الوقوف عليه لرصد الازدهار الاقتصادي والعمراني لمملكة الأنباط وعاصمتها الخالدة البترا ( 2 ) .
أولاً : جذور العبقرية النبطية وعلاقة الأردنيين الأنباط بالماء :
منذ إطلاق شرارة النهضة النبطية في الأراضي الجنوبية من الأردن والتي عُرفت بشُح المياه وتذبذب المواسم المطرية على غرار الحضارات المواكبة التي تقطن عند مصادر المياه السطحية ، آمن الأردنيون الأنباط بأن الماء هو عصب الحضارات والمجتمعات البشرية ( 3 ) . وعندما نعود للجذر اللغوي لكلمة الأنباط وهو " نبط " ، وبحسب ما أتى به ابن منظور في لسان العرب ، فإن النبط هو الماء المتواجد في البئر أو ما يتم جلبه من الجبل بالعروق المتواجدة بالصخر ، ليدلل ذلك على العبقرية الفريدة لمعرفتهم المتطلبات الأساسية لتوفير المياه وتخزينها ونقلها ( 4 ) .
ولقد أدارت السلطة المركزية في البترا نظاماً مائياً ذكياً ومتكاملاً كان يغذي السكان ويحمي المدن العتيقة من خطر الفيضانات المفاجئة في آن واحد ، محولين السيول الجارفة المدمرة إلى ثروة مائية مخزنة للاستخدام المستدام ( 5 ) .
ثانياً : لغز الميول في " قناتي بعجة " وهندسة التدفق :
وكما أشار المهندس عمار خماش في إضاءته الميدانية ، فقد ترك الأنباط لنا مئات الكيلومترات من قنوات الماء للري والشرب ، ولن نفهم حضارتهم من دون فهمنا لهندسة إدارة المياه لديهم ودرجة التطور والتعقيد التي وصلوا إليها ( 6 ) . وفي مدخل " سيق بعجة " شرق منطقة البيضا الأثرية ، نجد تجسيداً حياً لهذه الدقة المذهلة من خلال وجود قناتين منفصلتين للري ( 7 ) .
إن فصل المياه في قناتين لم يكن لمجرد تنظيم الملكية أو حفظ الحصة المائية حسب العائلة فحسب ، إذ كانت ملكية الحصة من المياه في الماضي هي التي تحدد ملكية الأرض وتضمن استقرارها الاقتصادي ، بل كان اختباراً هندسياً رفيع المستوى لمبدأ ** " الميول الدقيقة " ** واختلاف الارتفاعات البسيط بين القناتين ( 8 ) . هذا الفرق المدروس بعناية فائقة يعني أن القناة " الأعلى " ترسل المياه لأرض أبعد وأكثر ارتفاعاً ، فقصة حفظ مناسيب المياه عند الأنباط هي قصة في غاية الأهمية ، تبدأ من لحظة تجمعها على أسطح الصخور الرملية أو باطنها وحتى التحكم بها بدقة متناهية في شبكة القنوات الذكية هذه ( 9 ) .
ثالثاً : الملاط النبطي : الخلطة الكيميائية السرية لمنع التسرب :
لا يمكن الحديث بحال عن هندسة المياه عند الأنباط دون الوقوف مطولاً عند ** " الملاط " ** الفريد الذي بطنوا به القنوات ، والصهاريج ، والسدود ، والبرك ( 10 ) . لم يكن هذا الملاط طيناً عادياً ، بل كان خلطة كيميائية متطورة وهندسة مواد سبقت الأسمنت الحديث ، وتتكون من المكونات الأساسية الآتية ( 11 ) :
1 ) ** الجير المطفأ : ** كمادة رابطة أساسية تمنح الخليط التماسك والصلابة .
2 ) ** الرماد البركاني أو الفخار المسحوق ( المطحون ناعماً ) : ** ليعطي الملاط خاصية ** " الهيدروليكية " ** الفريدة ، أي القدرة على التصلد والتجمد حتى تحت الماء وفي الأماكن الرطبة المغلقة .
3 ) ** الرمل الناعم : ** لملء الفراغات ومنع تكون التشققات والانكماش جفافاً .
هذه الخلطة السرية جعلت القنوات والأنظمة المائية في عموم إقليم البترا والبيضا ووادي رم غير نفاذة للماء تماماً ، مما ضمن عدم ضياع قطرة واحدة من المياه الثمينة في مسام الصخور الرملية المسامية ، وهو التفسير العلمي الدقيق بقاء هذه المنشآت الهندسية صالحة للاستخدام وكأنها بُنيت بالأمس حتى يومنا هذا ( 12 ) .
رابعاً : منشآت الحصاد المائي وأنظمة التخزين الكلاسيكية :
استحدث الأنباط منظومة متكاملة ومتنوعة من المنشآت المائية التي تكفل سد احتياجاتهم في الحضر والسفر ( 13 ) :
خامساً : ترسانة الابتكار الزراعي : من أحواض الترسيب إلى " تليلات العنب " :
كان الأنباط يدركون تماماً أن مياه السيول الخاطفة تحمل كميات هائلة من الأتربة والرمال ، فابتكروا حلولاً زراعية وهندسية فريدة ( 18 ) :
سادساً : دروس المستقبل : استثمار الحكمة النبطية في مواجهة شح المياه :
اليوم ، ونحن نقف أمام هذه الشواهد الإعجازية في " سيق بعجة " والبترا وغيرها من المواقع النبطية في الأردن ، ندرك تماماً أن إحياء واستصلاح هذه الأنظمة التاريخية ليس مجرد حنين عاطفي للماضي العريق ، بل هو ** ضرورة تقنية وعلمية ** بتكلفة زهيدة ومستدامة لمواجهة التحديات المائية المعاصرة كشح المياه والتغير المناخي ( 22 ) ، وذلك عبر تعلم الدرس الأبدي من أجدادنا الأنباط : " في الصحراء القاحلة ، العبقرية الحقيقية هي أن تحفظ قطرة الماء قبل أن تلمس رمل الأرض " ( 23 ) .
( 1 ) سيق بعجة : موقع أثري فريد يقع شمال البترا مباشرة بالقرب من منطقة البيضا التاريخية في جنوب الأردن .
( 2 ) الملاط : هو خليط مركب قوامُه مواد رابطة وأسمنتية ورمل وماء ، يُستخدم كمادة لاصقة وعازلة متطورة في البناء وتخزين المياه .










قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الأنباط : تاريخهم وحضارتهم - عزام أبو حمام .
- 2 ) هندسة المياه والعمارة البيئية في البترا - م . عمار خماش ( منشورات فيسبوك ودراسات ميدانية ) .
- 3 ) الحصاد المائي عند الأردنيين الأنباط - منصة إرث الأردن ( JordanHeritage.jo ) .
- 4 ) لسان العرب - ابن منظور .
- 5 ) دراسات في تاريخ العرب القديم والأنباط .
- 6 ) أرشيف الدراسات الميدانية لهندسة المياه النبطية - م . عمار خماش .
- 7 ) دوريات دائرة الآثار العامة الأردنية حول البيضا وبعجة .
- 8 ) أساليب وطرق الاستفادة من نظم الري والزراعة عند الأنباط العرب - صحيفة الرأي ( Alraicenter.com ) .
- 9 ) الآثار والحضارة النبطية في الأردن - د . زيدون المحيسن .
- 10 ) كتاب هندسة المياه والري عند الأنباط العرب - د . زيدون المحيسن ( موقع بيت الأنباط Baitalanbat.org ) .
- 11 ) أرشيف الدراسات الهندسية والمواد النبطية التاريخية ( Archive.org ) .
- 12 ) التراث العمراني والمائي في إقليم البترا .
- 13 ) تاريخ دولة الأنباط - إحسان عباس .
- 14 ) الهندسة الأردنية النبطية في بناء الآبار والأنقاض .
- 15 ) الهندسة الأردنية النبطية في تصميم القنوات - بيت الأنباط .
- 16 ) الهندسة الأردنية النبطية في بناء البرك وأحواض التجميع .
- 17 ) الهندسة الأردنية النبطية في بناء السدود الاستراتيجية .
- 18 ) الأنباط ( التاريخ ، الميثولوجيا ، الفنون ) - خزعل الماجدي .
- 19 ) أنظمة الفلترة والترسيب في عهد الأنباط .
- 20 ) أساليب الزراعة الكنتورية والمصاطب النبطية - صحيفة الرأي ( Alraicenter.com ) .
- 21 ) دور الحصاد المائي في ديمومة الاستيطان الصحراوي - إرث الأردن ( Jordan Heritage ) .
- 22 ) التحديات المائية المعاصرة واستصلاح الأنظمة التاريخية .
- 23 ) خلاصات الفكر الهيدروليكي النبطي - إرث الأردن ( Jordan Heritage ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.