يسلط هذا المقال التوثيقي التاريخي ، الضوء على المسيرة العلمية والإدارية لعالم الآثار البريطاني جيرالد لانكستر هاردنج ودوره المحوري في حماية آثار الأردن ومخطوطات البحر الميت .
جيرالد لانكستر هاردنج ( Gerald Lankester Harding ) : حارس آثار الأردن وحافظ ذاكرته التاريخية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
إضاءة على سيرة العلامة : جيرالد لانكستر هاردنج ( 1901 – 1979 م ) :
تُشكل شخصية عالم الآثار البريطاني جيرالد لانكستر هاردنج ( Gerald Lankester Harding ) علامةً فارقةً في تاريخ العمل الأثري والمتحفي في الأردن والشرق الأدنى . ولد هاردنج في مدينة تيانجين ( Tientsin ) بشمال الصين عام 1901 م ، وعاش فترة في سنغافورة قبل أن ينتقل إلى المملكة المتحدة .
دخل هاردنج عالم الآثار الميداني عام 1926 م انطلاقاً من فلسطين بتشجيع وإشراف عالم الآثار الشهير السير فلندرز بيتري ( Flinders Petrie ) . وشارك في تنقيبات أثرية هامة مثل " تل جمة " و " تل الفارعة " و " تل العجول " ، وكان عضواً بارزاً في الفريق الذي كشف عن " رسائل لخيش " الشهيرة في تل الدوير ، حيث أتقن اللغة العربية بطلاقة وبدأ شغفه العميق بآثار المنطقة .
إدارة الآثار الأردنية : حماية التراث وتأسيس المؤسسات ( 1936 – 1956 م ) :
تولى لانكستر هاردنج إدارة دائرة الآثار العامة الأردنية عام 1936 م واستمر في هذا المنصب المرموق عشرين عاماً متواصلة حتى عام 1956 م . شهدت هذه الفترة التأسيس الحقيقي للعمل الأثري المؤسسي في المملكة الأردنية الهاشمية .
تلخصت جهود هاردنج في الإدارة والتأسيس في عدة محاور أساسية :
1 ) صيانة وتوثيق المواقع الأثرية : بالاستعانة بصلاته مع الأهالي ومساعده الميداني حسن عواد القطشان ، أشرف هاردنج ميدانياً على أعمال المسح والتنقيب والصيانة في كبرى المواقع التاريخية ، مثل جرش ( جراسا ) ، والبترا ، وعمّان ( ربت عمون ) ، ومأدبا ، وقصور الصحراء .
2 ) إنشاء متحف الآثار الأردني وتأسيس المجلة العلمية : ساهم هاردنج بجهد محوري في تأسيس " متحف الآثار الأردني " فوق قمة جبل القلعة في عمّان ، ليكون المستودع الوطني الأول للقطع الأثرية والنادرة المستكشفة . كما أسس عام 1951 م مجلة " حولية دائرة الآثار العامة " ( ADAJ ) ، والتي لا تزال تصدر حتى اليوم كواحدة من أهم المجلات الأثرية المحكمة .
3 ) تنظيم العمل الأثري وإعداد الكوادر : وضع هاردنج خرائط أثرية شاملة للأردن ، وأطر التشريعات القانونية لحماية الآثار من العبث والتهريب ، وشجع تأهيل الكوادر والطلاب الأردنيين للقيام بالمهام الأثرية والتنقيب الميداني .
اكتشاف مخطوطات البحر الميت : دور تاريخي واستثنائي :
تتجلى قيمة هاردنج العلمية في تعامله الحاسم والسريع مع أحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين ، وهي مخطوطات البحر الميت ( لفائف قمران ) التي عُثر عليها في كهوف قمران .
عند انتشار أنباء الاكتشاف ، سارع هاردنج بالتعاون مع الأب رولان دي فو ( Roland de Vaux ) مدير المدرسة الإنجيلية للآثار بالقدس ، إلى قيادة عمليات المسح والتنقيب الميداني في المغائر وخربة قمران وعين الفشخة شمال البحر الميت . ولعب دوراً محورياً في حماية تلك المخطوطات واللفائف الفريدة ، وجمعها ، وتأمين التمويل لشراء القطع من البدو لحفظها وإنقاذها من الضياع والتسرب إلى المجموعات الخاصة والتجارة السوداء .
هاردنج ولغز النقوش الصفائية والقبائل العربية القديمة :
لم يقتصر اهتمام هاردنج على الآثار المعمارية الضخمة ، بل كان شغوفاً بدراسة النقوش والكتابات القديمة التي تركها العرب القدامى في البادية الأردنية . ويُعد هاردنج من كبار الباحثين والمصنفين في مجال فك وتوثيق النقوش الصفائية ( الصفوية ) .
قام هاردنج بجولات ميدانية واسعة في الحرة والأجواء الصحراوية الأردنية الشرقية ، وجمع ووثق آلاف النقوش الصخرية الصفائية . وقد أثمرت أبحاثه عن إصدار معجمه العلمي المرجعي الخالد عام 1971 م بعنوان : " An Index and Concordance of Pre-Islamic Arabian Names and Inscriptions " ، والذي يُعد مصدراً أساسياً لكل الباحثين في تاريخ اللغات والنقوش العربية القديمة .
الكتاب المرجعي " آثار الأردن " ( The Antiquities of Jordan ) :
في عام 1959 م ، أصدر لانكستر هاردنج كتابه المرجعي الشهير " آثار الأردن " ( The Antiquities of Jordan ) ، والذي نال اهتماماً استثنائياً عندما تُرجم إلى اللغة العربية على يد المؤرخ الأردني الكبير سليمان الموسى ، وراجع حسنه الدكتور نبيل الخيري ، وصدر عن وزارة السياحة والآثار في عمّان .
ظل هذا الكتاب لعدة عقود الدليل الأول والأهم لآثار وتاريخ المملكة الأردنية الهاشمية . ويضم الكتاب استعراضاً شاملاً ومبوباً للمواقع الأثرية والتاريخية من الشمال إلى الجنوب ( بما في ذلك معان ، وأم الجمال ، وأريحا ، وخربة المفجر ، وخربة قمران ) ، حيث مزج فيه هاردنج بين الدقة الأكاديمية والأسلوب الممتع .
أبحاثه في عدن وبيروت والوفاء للأردن :
بعد مغادرته منصبه الإداري عام 1956 م ، أجرى هاردنج مسحاً أثرياً هاماً في محمية عدن ( جنوب اليمن ) ونشر نتائجه في كتاب " Archaeology in the Aden Protectorates " عام 1964 م ، كما عاش لسنوات في لبنان وواصل أبحاثه الأكاديمية .
تميز لانكستر هاردنج بعشقه الصادق للأردن وطبيعته وسكانه ، حيث كان يتحدث العربية بطلاقة وكان يعتز بالأردن كوطن ثانٍ له . وفي أواخر حياته عاد إلى الأردن ، وعندما توفي في 11 شباط 1979 م ، نُقل جثمانه بناءً على وصيته ورغبته ليُدفن في مدينة جرش الأثرية التي أحبها وأفنى حياته في ترميمها والكشف عن معالمها ، ليكون ضريحه هناك شاهداً أبدياً على عشقه الكبير للأردن وآثاره .
تظل سيرة لانكستر هاردنج نموذجاً استثنائياً للعالم الميداني الذي لم يكتفِ بدراسة التاريخ من بطون الكتب ، بل عاشه على أرض الأردن حافراً ، وموثقاً ، ومحافظاً على تراثه الحضاري الإنساني .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) Harding , Gerald Lankester . The Antiquities of Jordan . London : Lutterworth Press , 1959 .
- 2 ) الموسى ، سليمان ( مترجم ) . آثار الأردن ( تأليف : جيرالد لانكستر هاردنج ، مراجعة : د . نبيل الخيري ) . عمّان : منشورات وزارة السياحة والآثار الأردنية .
- 3 ) Harding , Gerald Lankester . An Index and Concordance of Pre-Islamic Arabian Names and Inscriptions . Toronto : University of Toronto Press , 1971 .
- 4 ) Harding , Gerald Lankester . Archaeology in the Aden Protectorates . London : Her Majesty's Stationery Office , 1964 .
- 5 ) " Gerald Lankester Harding " , Wikipedia , The Free Encyclopedia .
- 6 ) " Gerald Lankester Harding's Burial Place in Jarash " , Atlas Obscura .
- 7 ) " لانكستر هاردنج .. عشق آثار الأردن ودفن في جرش " ، صحيفة الرأي الأردنية ، 05 / 08 / 2015 م .
- 8 ) أرشيف ومقتنيات جامعة دار الكلمة ( فهرس المكتوبات والكتب الأثرية : كتاب آثار الأردن ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.