يتناول المقال الجذور التاريخية لجامعات النور والغجر ، وتسمياتهم المتعددة ، ودورهم السياسي والعسكري عبر العصور ، إضافة إلى تميز مهنهم وعاداتهم والواقع المعاصر لتحديات اندماجهم في مجتمعات الشرق الأوسط والعالم .
النور والغجر : تاريخ حافل بالترحال ، ثقافة عريقة ، وتحديات الاندماج
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تشكل جماعات النور والغجر واحدة من أكثر المجموعات البشرية والاجتماعية ثراءً وتعددية في التاريخ الإنساني . ورغم انتشارهم في مختلف قارات العالم واختلاف أسمائهم من منطقة إلى أخرى ، إلا أنهم يتشاركون في أصول تاريخية متقاربة ونمط حياة اعتمد لقرون طويلة على الترحال وعدم الاستقرار الجغرافي .
أولاً : الأصول التاريخية وروايات النسب والمحطات الكبرى :
الرواية التاريخية واللغوية : تشير الدراسات المعاصرة إلى أن الأصول الأولى للغجر ترجع إلى شمال غرب شبه القارة الهندية ( مناطق البنجاب والراجستان ) ، حيث بدأت هجراتهم الكبرى نحو الغرب في القرن الخامس الميلادي تقريباً لأسباب ارتبطت بالحروب والاضطرابات السياسية عبر مسارين :
مسار أوروبا : اتجه عبر فارس وآسيا الصغرى نحو البلقان وأوروبا ( شعب الروم ) .
مسار الشرق الأوسط : مر عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ( شعب الدوم أو النور ) .
الرواية النسبية العربية : يرفض كثير من " النور " في الأردن وبلاد الشام التنسيب للهند ، ويتشبثون بموروث شفهي يؤكد على أصولهم العربية ونسبهم الممتد إلى قبيلة بني مُرّة ( الذين حُكم عليهم بالشتات والتنقل عقب حرب البسوس ) .
ثورة الزط في العصر العباسي : يُسجل التاريخ الإسلامي حضوراً مبكراً ومؤثراً لمجموعات " الزط " ( وهم أسلاف الغجر والدوم ) في جنوب العراق ( مناطق البطائح بين البصرة وواسط ) . وقد بلغ نفوذهم الأوج في العصر العباسي عبر قيامهم بثورة عارمة وقطع طرق التجارة بين عامي 820 م و 834 م في عهدي المأمون والمعتصم ، حتى أُخضعوا بحملة قادها عجيف بن عنبسة ، ونُقلت أعداد كبيرة منهم لإسكانهم في الثغور وعين زربة ، مما شكل محطة كبرى في هجراتهم نحو آسيا الصغرى والبلقان .
ثانياً : الفروق الجوهرية بين النور والتركمان في الأردن :
تشارك النور والتركمان في السكن بالخيام والتنقل الموسمي بين المرتفعات ( عمان ، إربد ، الكرك ، ومادبا ) صيفاً والأغوار شتاءً ، إضافة إلى العزف على الربابة والأزياء الملونة ، وكلاهما يحملان الجنسية الأردنية ومقيمون قبل تأسيس الإمارة . ومع ذلك ، يبرز التمايز بينهما في عدة جوانب رئيسية :
من حيث الجذور والعرق : تعود أصول النور ( الدوم ) إلى سلالات هندوآرية مع الانتساب الشعبي لبني مُرّة ، بينما تنحدر قبائل التركمان من أصول تركمانية قادمة من تركمانستان .
من حيث اللغة : يتحدث النور اللغة العربية إلى جانب لغتهم الأم " الدومرية " ( المعروفة بـ الضوم واري ، أو " لغة العصفورة " ) ، بينما يتحدث التركمان اللغة العربية واللغة التركمانية .
من حيث العشائر : ينضوي النور تحت عشائر رئيسية مثل المصافرة ، الدبابنة ( الدباعنة ) ، والمورصلي ، في حين تتوزع قبائل التركمان على عشائر وبطون تركمانية مستقلة .
ثالثاً : التسميات والمجموعات الدارجة عالمياً وإقليمياً :
العالم العربي والشرق الأوسط : يُعرفون بـ النَّوَر ( بلاد الشام ومصر ) ، و الدوم ( الاسم العرقي الأصلي ) ، و الزَّط ( تسمية قديمة في الخليج والعراق وسوريا ) ، و الكاولية ( التسمية الشائعة في العراق نسبة لانتسابهم القديم لملوك أو قبائل هندية ) ، و القُرباط و الغربتي و البراكي ( في شمال سوريا والجزيرة ) ، و الحلب ( مصر وشمال أفريقيا ) .
أوروبا والأمريكتان : يُطلق عليهم الروم أو الروماني ( التسمية الرسمية ) ، و الجيپسي ( المملكة المتحدة والولايات المتحدة ) ، و الخيتانوس ( إسبانيا ) ، و السيغانو أو السنتي ( فرنسا وألمانيا وإيطاليا ) .
تركيا والقوقاز وآسيا الوسطى : يُعرفون بـ الرومان ( تركيا ) ، و اللوم ( القوقاز وأرمينيا ) ، و المُقاط أو اللولي ( أوزبكستان وطاجيكستان ) .
رابعاً : الدور السياسي والعسكري والتاريخي للنور والغجر عبر العصور :
لعب الغجر ( أو النور والروم ) دوراً تاريخياً وسياسياً فريداً ومثيراً للجدل في المجتمعات التي عاشوا فيها ، وتأرجحت أدوارهم بين التحالفات الاستراتيجية والإنتاج العسكري مع الإمبراطوريات وبين الاضطهاد العرقي الممنهج :
الدور العسكري المبكر والدعم اللوجيستي : استعانت الممالك الهندية ثم الإمبراطورية الفارسية بأسلافهم كقوات مساندة ، وصنّاع أسلحة ، وموسيقيين عسكريين .
في الإمبراطورية العثمانية والممالك الأوروبية : منحهم العثمانيون وضعاً قانونياً خاصاً ونظموهم في " سنجق الغجر " ( Chingene Sanjak ) في البلقان ، وعملوا كحدادين عسكريين وصنّاع أسلحة ومطوري ذخيرة لمصلحة الجيش العثماني والممالك الأوروبية ( كالمجر وفرنسا ) بفضل مرونتهم وقدرتهم على التنقل مع الجيوش .
الاضطهاد السياسي والمعاناة التاريخية :
1 ) قرارات الطرد والقتل القديمة : تعرضوا لممارسات عدوانية من الشعوب المستقرة عبر الترحيل القسري ، ووصلت الذروة بأمر ملك بروسيا عام 1725 م بوجوب قتل كل غجري يبلغ من العمر فوق ثمانية عشر عاماً .
2 ) العبودية في رومانيا : خضعوا للعبودية القانونية في إمارات مولدافيا والأفلاق لأكثر من 500 عام حتى تحرروا عام 1856 م .
3 ) الاستيعاب القسري : طبقت الإمبراطورة النمساوية ماريا تيريزا في القرن الثامن عشر م سياسات لمحو هويتهم ومصادرة أطفالهم وإجبارهم على الاستقرار .
4 ) المحرقة النازية ( Porajmos ) : تعرضوا لإبادة جماعية خلال الحرب العالمية الثانية على يد النظام النازي ، مما أدى لمقتل ما بين 250,000 إلى 500,000 غجري .
الحراك السياسي واليوم العالمي : يُحتفل بـ " اليوم العالمي للغجر " في الثامن من شهر نيسان / أبريل من كل عام ( إحياءً لذكرى المؤتمر الدولي الأول للروماني الصادر عام 1971 م ) . وتكلل الحراك السياسي بتأسيس الاتحاد الدولي للروماني ( IRU ) ، وإقرار علم ونشيد موحدين ، والاعتراف بهم كأقلية ذات حقوق سياسية تمارس حراكاً برلمانياً في الاتحاد الأوروبي ودول البلقان لإنهاء التمييز ضدها .
ملامح التحول السياسي والدور التاريخي عبر الحقب :
1 ) العصور الوسطى في الشرق والأناضول : تميزت بتقديم الدعم اللوجيستي والعسكري وحدادة الأسلحة ، وكانت طبيعة العلاقة مع السلطة السياسية قائمة على التحالف والمصلحة المتبادلة كما في وضعهم مع الدولة العثمانية .
2 ) القرن الرابع عشر حتى التاسع عشر في أوروبا : تحول دورهم إلى عمالة قسرية وعبودية في بعض المناطق وملاحقة مستمرة ، واتسمت العلاقة مع السلطة بالاضطهاد السياسي وإصدار قوانين الطرد والنفي القسري .
3 ) القرن العشرون في الحرب العالمية الثانية : أصبحوا ضحايا إبادة جماعية عرقية ، حيث خضعوا لاستهداف مباشر بالاستئصال من قبل النظام النازي .
4 ) القرن الحادي والعشرون في العصر الحديث : برز حراكهم السياسي والمطالبة بالحقوق والتمثيل البرلماني ، وأصبحت العلاقة مع السلطة قائمة على الاعتراف الدولي مع استمرار بعض التحديات والتمييز الاجتماعي .
خامساً : الأدوار الاقتصادية والفنية والمهن بين الرجال والنساء :
توزعت الأدوار والمهن بين مجتمعات الغجر وفق تقاسم اجتماعي تقليدي يعكس طبيعة حياتهم الميدانية والترفيهية :
أبرز مهن الرجال :
1 ) الحدادة وتشكيل الصفر ( النحاس ) ، وتصنيع وتصليح السكاكين والغرابيل والأواني .
2 ) تطعيم وتلبيس الأسنان بالخزف أو المعادن ( طب الأسنان الشعبي ) .
3 ) العزف وقرع الطبول وإحياء الحفلات والأعراس والمناسبات الشعبية ، وتجارة الخيول وجمع الخردة .
أبرز مهن النساء والأدوار الفنية :
1 ) قراءة الفأل والتبصير بالفنجان والودع .
2 ) الرقص وغناء الفلامنكو وإحياء الحفلات والمناسبات الشعبية والتلفزيونية ( كالفنانات والراقصات الغجريات في العراق والشام اللاتي شكلن رافداً للفن الشعبي والريفي ) .
3 ) مرافقة السائقين لتسليتهم في الأسفار الطويلة لمنع النوم ( الوناسة ) ، مع توفير أدوات حماية شخصية لحماية أنفسهن .
4 ) البيع المتجول للأدوات البسيطة والتسول لتأمين القوت اليومي .
سادساً : العادات والتقاليد والواقع المعاصر :
العادات والمنظومة الاجتماعية :
1 ) النمط الأسري : مجتمع مغلق يعتمد الزواج الداخلي المبكر للحفاظ على الهوية ، ويتصفون بكثرة الإنجاب والانضباط لقوانين وأعراف عشائرية خاصة يقودها كبار السن .
2 ) اللباس والسمات الشكلية : يميلون للبشرة الداكنة والقامة الرشيقة والملامح الحادة ، وترتدي النساء الملابس الفضفاضة بالألوان الصارخة كالأحمر والأصفر مع كثرة الحلي الفضية والذهبية .
3 ) الموقف الديني والمواطنة : يعتنق معظمهم الإسلام في المنطقة العربية ، وظلوا رحلاً حتى أواخر القرن العشرين م قبل منحهم الجنسية والاستقرار في تجمعات وقرى خاصة في الأردن وسوريا والعراق .
التحديات والواقع الحالي :
1 ) تراجع المهن التقليدية والتهجير : تراجعت مهنهم القديمة بفعل التطور والتكنولوجيا والنزاعات المسلحة التي تعرضت لها قراهم وتجمعاتهم ( كما حدث لبعض قراهم في العراق وسوريا ) ، مما أدى لتهجيرهم واستقرارهم في أطراف المدن أو الهجرة خارج البلاد .
2 ) الاستقرار والتهميش : استقر معظمهم في أحياء ومخيمات عشوائية ، مع استمرار معاناتهم من النظرة النمطية والوصمة الاجتماعية والتهميش العنصري ، وارتفاع معدلات الأمية ، ونقص الأوراق الثبوتية لبعض فئاتهم ، مما يدفع المؤسسات الأهلية اليوم للمطالبة بدمجهم بشكل أوسع في التعليم والخدمات .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الموسوعة الحرية " ويكيبيديا " ، مادة : " غجر الأردن " ، ومادة : " شعب الدوم " ، ومادة : " ثورة الزط " ، 2026 م .
- 2 ) ابن الأثير ، كتاب : " الكامل في التاريخ " ، حوادث ثورة الزط في العصر العباسي .
- 3 ) صحيفة اليوم السابع ، تقرير : " في يومهم العالمي .. من هم الغجر وأصولهم وأين يعيشوا من مناطق العالم ؟ " ، 2021 م .
- 4 ) دراسة تاريخية وسياسية : " الدور التاريخي والسياسي للغجر عبر العصور " ، 2024 م .
- 5 ) دراسة تاريخية واجتماعية : " الغجر في العراق بين الماضي والحاضر ( الكاولية ) " ، 2023 م .
- 6 ) شبكة " فوكس حلب " ، تقرير : " لا وطن للغجر يعودون إليه .. الغجر في سوريا " ، ( بقلم : محمد أبو سيف ومصطفى أبو شمس ) ، 2019 م .
- 7 ) د . علي الجباوي ، كتاب : " عشائر النور في بلاد الشام " ، دراسة إنثروبولوجية ميدانية .
- 8 ) جريدة روناهي ، دراسات ونقاشات حول هويات وثقافات مكونات الشرق الأوسط والشمال السوري ، 2023 م .
- 9 ) مركز المعلومات الوطني الفلسطيني ، دراسة : " الدوم ( النَّوَر ) أو الغجر " ، 2021 م .
- 10 ) وكالة عمون الإخبارية ، مقال : " النَّوَر في الأردن .. وربما سواه ! " ، 2013 م .
- 11 ) مجلة الضحى الثقافية ، دراسة : " الغجر في العالم العربي " ، 2019 م .
- 12 ) موقع عرب 48 ، تقرير : " النَّوَر السوريون تحت سطوة الزير سالم " ، 2016 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.