يتناول هذا المقال المكانة الاستراتيجية والاقتصادية لغابات عجلون في العصر العثماني ، موثقاً تنوعها البيئي وشهادات الرحالة واستغلال خشبها وفحمها ، وصولاً إلى التحديات والتشريعات التي رافقت إدارة هذه الثروة الحرجية عبر التاريخ .

غابات عجلون في العصر العثماني : بيئة استراتيجية وموارد اقتصادية وعمرانية عبر القرون

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تُمثّل الثروة الحرجية في لواء وسنجق عجلون إحدى أبرز الملامح الطبيعية والجغرافية التي شكلت الهوية الاقتصادية ، والاجتماعية ، والتاريخية لشمال الأردن وعموم منطقة جلعاد عبر العصور . وفي العصر العثماني ( 1516 - 1918 م ) ، حظيت غابات عجلون ببالغ الاهتمام من قِبل الإدارة العثمانية والأهالي والسياح والرحالة الغربيين على حدٍ سواء ، نظراً لموقعها الجغرافي المتميز وتنوعها البيئي الناجم عن كثافة الأشجار المعمرة كالبلّوط ، والسنديان ، والخرّوب ، والملول ، والبطم ، والقطلب ، والزيتون البري .

​الواقع البيئي والجغرافي وانطباعات الرحالة :

​شكلت جبال عجلون غطاءً نباتياً كثيفاً ومتصل الأرجاء ، تميز بالجمال الطبيعي والتنوع النباتي الفريد الذي أذهل الرحالة الغربيين الذين جابوا المنطقة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين :

​1 ) شهادة الرحالة "ليسترانج" ( 1884 م ) :

وصف الرحالة البريطاني "قاي ليسترانج" في رحلته عام 1884 م كثافة الغابات عند صعوده من طبقة فحل وعرجان باتجاه عجلون وقلعة الربض ، مشيراً إلى أن أشجار البلوط كانت تتراوح ارتفاعاتها بين ثلاثين وأربعين قدماً ، وممتدة في الوديان وعلى سفوح التلال . وقد ذكر أن كثافة الأشجار ودنو أغصانها كان يحجب رؤية الفارس الذي يسير أمامه على بعد عشرة أمتار فقط .

​2 ) التنوع الشجري والامتداد الجغرافي :

امتدت هذه الغابات لتشكل نطاقاً حرجياً ممتداً يربط مقاطعات عجلون بقرى ووديان جديتا ، وعرجان ، وكفر أبيل ، وجبال زي ، والبلقاء جنوباً ، وسهل حوران شمالاً . وقد ضمت الغابات أنواعاً متعددة من الأشجار كالصنوبر ، والسنديان ، والبلوط ، والقطلب ، والغار ، والزيتون البري .

​الاستغلال الاقتصادي والمعيشي للغابات :

​اعتمَد أهالي القرى والسناجق المجاورة في العهد العثماني على الموارد الحرجية لغابات عجلون في ميادين حياتية واقتصادية متعددة :

​صناعة الفحم وتزويد المدن المجاورة : نشطت صناعة الفحم الحجري ( الفحّامة ) في غابات عجلون بشكل واسع . ولم يكن الاستهلاك محلياً فحسب ، بل كانت غابات عجلون المصدر الأساسي لتزويد المدن الكبرى بالتدفئة والوقود . وقد وثقت الصحافة التاريخية ( مثل مجلة "المقتبس" لـ محمد كرد علي عام 1911 م ) أن مدينة دمشق كانت تعتمد اعتماداً كلياً على الفحم المستخرج من غابات عجلون لتدفئتها ووقودها في الشتاء .

​الأخشاب للبناء والزراعة : اعتمد الفلاحون والأهالي على أخشاب السنديان والبلوط القوية في بناء سقوف منازلهم ، وصناعة الأدوات الزراعية التقليدية ( كأعود الحراثة والسمار ) ، وأدوات الطحن ، وعوارض المعاصر .

​الرعي وتأمين المعيشة : شكلت الغابات حواضن ومراعي طبيعية لمواشي العشائر والأهالي ، ووفرت المظلات الشجرية الحماية المائية والبيئية لعيون الماء والمشارب .

​الإدارة العثمانية والتشريعات والاستنزاف الحرجي :

​تدرج التعاطي العثماني مع غابات عجلون بين التنظيم المالي والتشريعي ، وصولاً إلى الاستنزاف الحرجي في أواخر عهد الدولة :

​1 ) التنظيم الضريبي والالتزام :

تذكر الدفاتر الخاقانية وسجلات الطابو فرض رسوم وضرائب على قطع الأخشاب وصناعة الفحم . ومع أواخر العهد العثماني ، اتبعت الحكومة نظام "الالتزام" لقطع أجزاء من الغابات ، حيث ذكرت المصادر التاريخية تضمين قطع حرجية واسعة لاستخراج عشرات الآلاف من القناطير من الفحم لصالح الأسواق والمؤسسات ( حيث أشار محمد كرد علي في مجلة المقتبس عام 1911 م إلى لزوم قطع استُخرج منها نحو 50 ألف قنطار من الفحم بصفقات غير دقيقة وإدارة غير حكيمة ) .

​2 ) قانون الغابات العثماني ( 1869 م ) :

مع صدور قانون الغابات والمحاصيل الحرجية عام 1869 م ، خضعت الغابات لرقابة إدارية للحد من القطع العشوائي وتعيين مأموري أحراش لتنظيم الرعي والتحطيب .

​3 ) مشروع سكة حديد الحجاز والحرب العالمية الأولى :

شهدت بدايات القرن العشرين استنزافاً كبيراً لغابات عجلون ، إذ جرى قطع كميات ضخمة من الأشجار المعمرة لاستخدام أخشابها كوقود تشغيلي للقاطرات البخارية في سكة حديد الحجاز ، ولدعم المجهود العسكري وتجهيز العوارض الخشبية أثناء الحرب العالمية الأولى .

​البعد الاجتماعي والأمني للغابات :

​لعبت البيئة الجبلية الحرجية دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والأمنية لسكان جبال عجلون :

​الملاذ الطبيعي والتحصين : وفرت الوديان والشعاب الحرجية المعقدة الممتدة حول قلعة عجلون ( قلعة الربض ) حصانة طبيعية وملاذاً أمناً للأهالي والعشائر في فترات الاضطراب والنزاعات أو للفرار من مظالم الضرائب والتجنيد الإجباري .

​نمط العيش والكهوف الحرجية : أشار الرحالة في تدويناتهم إلى استغلال الأهالي للمغار والكهوف الطبيعية بين الغابات ( كما في قرية عرجان ) كمساكن ومخازن للمحاصيل والزيتون ، مما جسّد تكاملاً فريداً بين المعمار الطبيعي والبيئة الحرجية .

​الخاتمة :

​تُعدّ غابات عجلون في العصر العثماني شاهداً حياً على التفاعل المتوازن الشديد بين الإنسان وبيئته المحلية . وعلى الرغم من عوامل الاستنزاف الشديدة التي تعرضت لها الغابات في أواخر العهد العثماني لتأمين الوقود وسكك الحديد ، إلا أن هذه الثروة الحرجية استطاعت الصمود بفضل وعي الأهالي وتجدد الطبيعة ، لتظل جبال عجلون وقلعتها الشامخة رمزاً أصيلاً للجمال البيئي والتاريخي الممتد في ذاكرة الوطن .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) الرحلات والمدونات التاريخية : ليسترانج ، قاي ، رحلة عبر الأردن إلى عجلون والبلقاء ( 1884 م ) ، الحلقة الثالثة : من طبقة فحل إلى عجلون .
  3. 2  ) الصحافة والدوريات التاريخية : كرد علي ، محمد ، مجلة المقتبس ، العدد الصادر بتاريخ 1 شباط 1911 م ( مقال استغلال غابات عجلون وصناعة الفحم لمدينة دمشق ) .
  4. 3  ) التشريعات والوثائق العثمانية : قانون الغابات والمحاصيل الحرجية العثماني ( الصادر عام 1869 م ) ، وسجلات الدفاتر الخاقانية وسناجق عجلون وحوران .
  5. 4  ) الدراسات التراثية والتوثيقية : البوابة الوطنية للتراث الثقافي غير المادي ( وزارة الثقافة الأردنية ) ، وثائق وتدوينات التراث الطبيعي والمحلي للواء عجلون .
  6. 5  ) المراجع والمصادر التوثيقية الحديثة : أبحاث وسجلات تاريخ الأردن الحديث والمعاصر ، والتغطيات الأرشيفية المصورة لقلعة عجلون وجبل عوف ( أرشيف الصور الجوية لآثار الشرق الأوسط - APAAME ) .