يستعرض هذا المقال " ظاهرتي النينو والنينيا " بوصفهما التجسيد الأبرز لدورة التذبذب الجنوبي ( ENSO ) ، مسلطاً الضوء على جذورهما التاريخية ، وميكانيكيتهما العلمية ، وأحدث مؤشرات رصدهما ، فضلاً عن تداعياتهما البيئية والاقتصادية والمناخية الشاملة على مستوى العالم .
نبضات المناخ العالمي : أسرار ظاهرتي النينو والنينيا وتأثيراتهما الكونية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين نتأمل تحولات المناخ على كوكب الأرض ، يطالعنا نظام بيئي هائل ومعقد تتبادل فيه المحيطات والغلاف الجوي الأدوار بصمت مذهل ؛ وتُعد ظاهرا " النينو " ( El Nino ) و " النينيا " ( La Nina ) التجسيد الأوضح والأكثر تأثيراً لهذا النبض المناخي العالمي . فهاتان الظاهران المتقابلتان تمثلان محركاً رئيسياً للتقلبات الجوية القاسية التي تشهدها القارات ، من موجات جفاف مدمرة إلى فيضانات عارمة تعيد رسم خريطة الطقس في مختلف أنحاء المعمورة .
ولا ينفصل هذان الظاهران عن حركة مياه المحيط الهادئ الاستوائي واتجاهات الرياح التجارية ، مما يجعل فهم ميكانيكيهما ضرورة حتمية لإدراك كيف تؤثر التغيرات المائية البسيطة في منطقة ما على الأمن الغذائي والاستقرار المناخي للبشرية جمعاء .
الجذور اللغوية والتاريخية لتسمية " النينو " و " النينيا " :
تعود جذور هاتين التسميتين إلى الثقافة والتاريخ البحري لـ " الصيادين في سواحل بيرو والإكوادور " ، حيث لاحظ البحارة المحليون في ميناء بايتا ( Paita ) منذ قرون طويلة تغيرات مفاجئة ودورية في حرارة مياه الساحل مع أواخر شهر ديسمبر ( كانون الأول ) تزامناً مع فترة أعياد الميلاد :
الدلالة التاريخية : أطلق الصيادون المحليون على هذه الظاهرة اسم " النينو " ( El Nino ) باللغة الإسبانية ، والتي تعني حرفياً " الطفل الصغير " أو " الطفل المقدس " ، نظراً لتزامن حدوثها غالباً مع فترة الأعياد . وفي المقابل ، ظهر مصطلح " النينيا " ( La Nina ) ليعبر عن الحالة المعاكسة تماماً ، وتعني باللغة الإسبانية " الفتاة الصغيرة الَّتِي تُحدث برودة غير معتادَة " .
وقد تحولت هذه المصطلحات الشعبية العفوية عبر العقود إلى مفاهيم علمية دقيقة يعتمدها علماء المناخ والأرصاد الجوية في رصد وتفسير الدورة المناخية الكبرى في المحيط الهادئ .
الميكانيكية العلمية ودورة " التردد الجنوبي وإل نينيو " ( ENSO ) :
تنتمي ظاهرا النينو والنينيا إلى دورة مناخية أوسع تعرف علمياً باسم " التذبذب الجنوبي للنينو " ( ENSO - El Nino-Southern Oscillation ) ، وهي تفاعل ديناميكي متبادل وعالمي بين الغلاف الجوي ومياه المحيط الهادئ الاستوائي تتخلله مرحلة ثالثة تُعرف بالحالة المحايدة :
الارتباط الجوي والمحيطي : تحدث هذه الظاهرة الغريبة بسبب التفاعلات الشديدة والقوية بين المحيط والغلاف الجوي والتي تنتج تغييرات كبيرة تستمر لعدة أشهر في النظام المناخي ؛ حيث يحدث التردد الجنوبي نتيجة للاختلاف الموسمي للحرارة وتغيرات الضغط الجوي بين شرق وغرب المحيط الهادئ الاستوائي ( بين مدينة داروين في أستراليا وجزر تاهيتي ) ، بينما يُطلق لفظ إل نينيو على التأثير المتبادل بين التغير الحراري للمحيط قبالة الساحل الغربي لأمريكا اللاتينية وعدة مناطق أخرى بالعالم ، وعند حدوث تغيرات حرارية كبيرة تتسع تأثيرات الظاهرة لترتبط ببعضها البعض بصورة وثيقة .
مرحلة النينو ( الدفء الشاذ ) : تتميز بحدوث ظروف محيطية دافئة بشكل غير اعتيادي على طول الساحل الغربي الاستوائي لأمريكا الجنوبية ، وارتفاع غير معتاد في درجات الحرارة السطحية وانتقال كتل هائلة من المياه الحارة في المحيط الاستوائي من الشرق إلى الغرب ، حيث تضعف الرياح التجارية الشرقية الساخنة أو تتبدل اتجاهاتها لتحدث اضطراباً في توازن مستويات الضغط بين شرق وغرب المحيط الهادئ ، مما يؤدي إلى تدفق المياه السطحية الدافئة نحو شرق المحيط الهادئ بدلاً من غربها مع انخفاض كمية المياه الباردة الصاعدة إلى السطح قبالة أمريكا الجنوبية ويُحدث اضطراباً شديداً في الحياة الطبيعية . وعادة ما تستمر ظاهرة النينو لمدة تصل إلى ( 18 ) شهراً ، وتبدأ في الحدوث بين شهري آذار ( مارس ) وحزيران ( يونيو ) لتصل إلى ذروة شدتها بين شهري تشرين الثاني ( نوفمبر ) وشباط ( فبراير ) من العام التالي .
مرحلة النينيا ( البرودة الشاذة ) : تعمل العكس تماماً ، حيث يتعرض فيها سطح البحر لدرجات حرارة أبرد من المعتاد في المحيط الهادئ الاستوائي وتنشأ من اندفاع المياه الساخنة نحو الشرق من المحيط الهندي وأسيا وإندونيسيا وأستراليا ، بينما تقوى الرياح التجارية السائدة من الشرق إلى الغرب بشكل أكبر من المعتاد لتدفع كميات هائلة من المياه الدافئة نحو الغرب ، وتسمح للمياه الباردة العميقة بالصعود إلى السطح في وسط وشرق المحيط الهادئ لتخفيض درجات الحرارة بصورة ملحوظة . وتتعاقب موجات النينو والنينيا في دورة غير منتظمة على مدى سنين . ويمكن أن تستمر ظاهرة النينيا لفترات أطول قد تصل أحياناً إلى نحو ثلاث سنوات .
القياس العلمي وأحدث مؤشرات الرصد المناخي :
يعتمد العلماء في رصد وتقييم هاتين الظاهرتين على أساليب قياس متطورة تضمن دقة التنبؤات الموسمية :
مؤشر النينيو المحيطي ( ONI ) : منذ ثمانينات القرن الماضي ، ساد الاعتماد على مؤشر النينيو المحيطي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي ( NOAA ) ، والذي يحسب الشذوذ في درجة حرارة سطح البحر في منطقة محددة تُعرف بمنطقة ( النينيو 3.4 ) على مدى متوسط ثلاثة أشهر .
مؤشر النينيو المحيطي النسبي ( RONI ) : في السنوات الأخيرة ومع تسارع الاحترار العالمي ، بدأ استخدام مقياس أحدث يقيس الاحترار النسبي وليس المطلق فقط ، مما يساعد العلماء على فصل تأثيرات التذبذب الجنوبي عن الاحترار العالمي العام للمحيطات .
النماذج والتنبؤات المبكرة : تستطيع نماذج التنبؤات الموسمية المُحسَّنة اليوم التنبؤ بالأنماط المناخية قبل حدوثها بمدة تتراوح بين شهر إلى ستة أشهر ، مما يوفر إشارات إنذار مبكر تساهم في التخطيط القطعي وحماية الأرواح والموارد الاقتصادية وتفعيل بروتوكولات الطوارئ الإنسانية .
الوضع الجغرافي والآثار الشائعة للظاهرة عالمياً ومحلياً :
توجد العديد من الآثار العالمية المصاحبة لظاهرة النينو ، وذلك لأن المياه الدافئة في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي تؤثر على الطقس العالمي بشكل كبير عبر الروابط الجوية والمحيطية المتصلة ؛ ولا تقتصر آثار هاتين الظاهرتين على مياه المحيط الهادئ وحدها ، بل تمتد تأثيراتها الجيوسياسية والجغرافية لتشمل النطاق العالمي بأسره :
في أمريكا الجنوبية وقطاع الصيد : تلحق ظاهرة النينو آثاراً ضارة بصيد الأسماك ، والزراعة ، والطقس المحلي للمنطقة الممتدة من الإكوادور إلى تشيلي ، حيث يقل معدل صيد الأسماك في أمريكا الجنوبية عن المعتاد لأن الكائنات البحرية تهاجر إلى الشمال والجنوب بعيداً عن المياه الباردة ، وتتسبب في أمطار غزيرة وفيضانات مدمرة في بيرو وتشيلي والإكوادور ومختلف شواطئ أمريكا اللاتينية ، بينما تتعرض تلك المناطق لجفاف غير معهود خلال مراحل أخرى .
في آسيا وأستراليا : تؤدي ظاهرة النينو إلى جفاف وحرائق غابات هائلة واسعة النطاق ( مثل حرائق إندونيسيا التاريخية ) وجفاف في شرق وأمال أستراليا وجنوب آسيا بسبب تراجع نشاط الرياح الموسمية ، بينما تجلب النينيا أمطاراً موسمية غزيرة وفيضانات بالغة الضرر في أستراليا وجنوب شرق آسيا ؛ وتصبح درجات الحرارة في أستراليا وجنوب شرق آسيا أعلى من المتوسط .
في أمريكا الشمالية والولايات المتحدة : تتسبب ظاهرة النينو في توليد رياح أقوى وموجات هوائية أكثر استقراراً فوق المحيط الأطلسي ، مما يصعّب عملية تشكّل الأعاصير ، ولكن ارتفاع درجات حرارة المحيط أكثر من المتوسط تزيد من تشكّل أعاصير المحيط الهادئ الشرقية . كما تتسبب ظاهرة النينو في ارتفاع معدل الهطولات عن المتوسط في المنطقة الجنوبية من الولايات المتحدة والممتدة من كاليفورنيا إلى ساحل المحيط الأطلسي ، وكلما كان الجو مليئاً بالغيوم كلما قلت درجات الحرارة عن المتوسط في الولايات المتحدة في الشتاء ، في حين تميل درجات الحرارة لتكون أكثر دفئاً من المتوسط في المنطقة الشمالية من الولايات المتحدة . وتتبدل مسارات التيارات الهوائية لتتسبب النينيا في جفاف شديد ورطوبة عالية في الولايات المتحدة الأمريكية .
في بلاد الشام ومنطقة سوريا : ينعكس التأثير المتبادل لظاهرة النينو والأنماط المناخية على المنطقة العربية وبلاد الشام ، حيث تشير القراءات الخبيرة إلى أن عودة ظاهرة النينو قد ترتبط بملامح طقس استثنائية ( تشمل فترات ذات صيف معتدل ولطيف في سوريا أحياناً مقارنة بالاعتياد ، وتحولات في توزيعات الضغط الجوي ومواسم الأمطار ) ، مما يبرز أهمية رصد التغيرات الإقليمية لدعم القطاع الزراعي والمائي في مواجهة التطرف المناخي .
في القارات الأخرى : تؤثر ظاهرة النينو على الهطول في مناطق أخرى ، كإندونيسيا وشمال شرق أمريكا الجنوبية حيث تصبح فيها البيئة أكثر جفافاً من المعتاد ، ويؤثر الجفاف الناجم عنها على كل من جنوب أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا وأستراليا وجزر المحيط الهادئ والمروج الكندية ؛ وتؤثر بصورة مباشرة على مواسم الأمطار في شرق القارة الأفريقية وشمالها وجنوبها .
الآثار الاقتصادية والبيئية وتداعيات التغير المناخي :
تترك ظاهرا النينو والنينيا بصمات عميقة وبالغة الخطورة على الاقتصاد العالمي والبيئة :
الخسائر الاقتصادية الضخمة : تشير التقديرات إلى أن ظاهرة النينو التي حدثت في عامي 1982 م و 1983 م قد ألحقت أضراراً تقُدّر بأكثر من ( 10 ) مليارات دولار نتيجة التغييرات في الطقس في جميع أنحاء العالم .
ضرب اقتصادات الدول النامية : ضربت ظاهرة النينو تاريخياً اقتصاد البلدان الفقيرة بشدة ، وفرضت آثارها السلبية فقراً متزايداً على السكان وتأخراً واضحاً في النمو والتطور في كثير من البلدان حول العالم .
الكوارث المناخية الكبرى : شهد التاريخ الحديث أعنف موجات النينو ( مثل التي ضربت العالم عام 1997 م وعام 1998 م وتفوقتا على ظاهرة عام 1982 م ) ، والتي تسببت في اضطرابات مناخية هائلة وطوفانات وحرائق استمرت لأشهر عديدة في المناطق الاستوائية . كما ارتبط العام بتسجيل مستويات حرارية قياسية عالمية نتيجة تفاعل النينو مع الاحتباس الحراري البشري .
تفاوت الآثار المرتدة : تملك النينا آثاراً مناخية أقل حدة نسبياً مقارنة بالنينو ، ورغم ذلك فإنها تعرض بعض البلدان لسلسلة من الأمواج الرطبة والفيضانات العارمة إلى جانب الجفاف غير المعهود في جزر المحيط الهادئ الوسطى .
تظل ظاهرا النينو والنينيا آية من آيات العظمة الإلهية في توازن هذا الكوكب وديناميكيته المعقدة . فهما ليس مجرد تقلبات عابرة في درجات حرارة المياه ، بل هما نبضان كونيان يربطان أعماق المحيطات بالغلاف الجوي للأرض ، ويذكران الإنسان دوماً بضرورة فهم قوانين الطبيعة واحترام توازناتها الدقيقة لمواجهة التحديات المناخية المتصاعدة في عصرنا الحديث .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ( WMO ) : تقارير وتحديثات المناخ الموسمي العالمي حول ظاهرتي النينيو والنينيا ، النشرات الدورية الصادرة لعامي 2024 م و 2026 م .
- 2 ) الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي ( NOAA ) : المركز الوطني للتنبؤ بالمناخ ، مؤشر النينيو المحيطي ( ONI ) ومؤشر النينيو المحيطي النسبي ( RONI ) .
- 3 ) الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ( IFRC ) : تقارير التأهب للكوارث الإنسانية وآثار ظاهرة النينيو المناخية على المجتمعات النامية .
- 4 ) موسوعة الجزيرة نت : دراسات وثائقية وتقارير مناخية حول ظاهرة النينيو والاضطرابات البيئية والجفاف والفيضانات عبر التاريخ .
- 5 ) شبكة الأرصاد والطقس الإقليمية ( طقس العرب والنشرات الجوية في بلاد الشام ) : القراءات التحليلية لتأثيرات دورة التذبذب الجنوبي ( ENSO ) على منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.