يُوثّق المقال الدور التاريخي والسياسي والثقافي للمقاهي في الأردن بوصفها صالونات شعبية وبرلمانات وطنية ساهمت في صياغة الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية عبر العقود .
المقاهي في الأردن : برلمانات الشعب وحاضنة الحراك السياسي والتاريخ الوطني :
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعدّ المقاهي التاريخية في الأردن أكثر من مجرد فضاءات ترويحية لاحتساء القهوة والشاي ، إذ شكّلت منذ نشأة الدولة الأردنية في عشرينيات القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية والفضاء العام وذاكرة المدينة المعمارية والاجتماعية . لقد كانت بمثابة " صالونات سياسية وثقافية شعبية " ومنابر مفتوحة للحوار والتفاعل الاجتماعي ، تعوّض غياب المقرات الحزبية ومحدودية وسائل الإعلام آنذاك ، فاحتضنت تشكّل الوعي الجمعي والسياسي والأدبي للبلاد ومراحل نضالها الوطني .
1 ) المقاهي التاريخية في العاصمة عمّان ( قلب الحراك السياسي والثقافي وذاكرة المدينة ) :
شكلت مقاهي قصبة عمّان ووسط البلد الحاضنة الأبرز للنخب الوطنية وقيادات الحركات القومية ، واليسارية ، والإسلامية ، والطلابية ، والأدبية ، وصاغت ملامح الهوية العمرانية والاجتماعية للعاصمة :
مقهى حمدان : يُعدّ " الأب الروحي " للمقاهي السياسية محلياً ، إذ شهدت أروقته حادثة تاريخية مفصلية باحتضانه عقد " المؤتمر الوطني الأردني الأول " عام 1928 م برئاسة الشيخ حسين الطراونة ، وهو المؤتمر الذي صاغ فيه زعماء البلاد أول ميثاق وطني لمناهضة الانتداب البريطاني وسياسات الحركة الصهيونية والمطالبة بالاستقلال والدستور ، وكان من أبرز رواده الشاعر مصطفى وهبي التل المعروف بـ " عرار " .
مقهى بلاط الرشيد : أُسس في ثلاثينيات القرن الماضي ، وكان ملتقى كبار السياسيين والأحزاب الوطنية والمثقفين ، ومقراً غير رسمي لتداول المنشورات السياسية وصياغة البيانات الوطنية .
مقهى الجامعة العربية : احتضن نُخب خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، حيث كان مقصداً للمعلمين والطلاب وقيادات حركات التحرر العربي ، ومكاناً رئيسياً للاستماع لخطابات الإذاعات العربية كـ " صوت العرب " ومتابعة قضايا فلسطين .
مقهى السنترال ومقهى كوكب الشرق ومقهى الأوبرج : شكّلت ملتقيات بارزة للصحفيين والكتّاب ورجال السياسة ومتابعي الشأن العام في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات .
مقهى العاصمة ومقهى عمّون : شكل مقهى العاصمة معلماً ثقافياً رثاه الروائي مؤنس الرزاز عند هدمه ، لينتقل بعده إلى مقهى عمّون بوسط عمّان ( الممتد منذ عام 1936 م ) ليصبح صالوناً أدبياً مفتوحاً ضاعف حركة الفن والأدب وتخصص فيه ركن باسم الرزاز لاستضافة الندوات .
مقهى الشريف الدولي ومقهى الفينيق : احتضن مقهى الشريف الدولي بجبل الحسين حوارات نخبة من المبدعين مثل خيري منصور ومعن البياري ورسمي أبو علي ، فيما مثل مقهى الفينيق ( الذي أسسته الإعلامية سعاد الدباح والشاعر علي الشلاه ) مقصداً بارزاً للمثقفين الأردنيين والعرب من زوار العاصمة .
مقهى الجامعة ومقهى الأردن ومقهى جفرا : استقطبا قيادات العمل النقابي والحراكات الطلابية في العقود الماضية ، ليمتد الدور وصولاً لمقاهٍ حديثة كـ " جفرا " بمكتبته الجدارية وعروضه المسرحية والأدبية .
2 ) المقاهي السياسية والثقافية في المحافظات والمدن الرئيسية :
لم ينحصر الدور السياسي والثقافي للمقاهي في العاصمة فقط ، بل امتد إلى مدن الشمال والوسط والجنوب والبادية ، والتي امتلكت مقاهي وديوانيات شعبية شكّلت مراكز ثقل للحراك الفكري والسياسي والعشائري :
أ ) إربد ( عروس الشمال وحاضنة الفكر والسلم الأهلي ) :
تُعتبر مسيرة مقاهي القهوة في إربد وبلداتها المحيطة نافذة توثيقية تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية منذ عهد الإمارة ، حيث انتقلت القهوة من المضافات العشائرية لتشكل الفضاء العام و " المكان الثالث " الذي يجمع الناس للصداقة والحوار العفوي :
مقهى الكمال ( تأسس عام 1936 م ) : عميد المقاهي التراثية وأعرقها على الإطلاق . أسسه خليف التل في شارع السينما قبل انتقاله عام 1941 م إلى موقعه الحالي عند ( راس التل ) بشارع الهاشمي حاملاً الرخصة رقم ( 2 ) عن بلدية إربد . أُدرِج ضمن التراث العمراني والاجتماعي بفضل بنائه العريق وشرفاته الست المطلة على حركة المدينة . تحول المقهى إلى صالون سياسي ومطبخ تدار منه الانتخابات البلدية والنيابية ، ومحاضرات النخب والمثقفين عبر مكتبته التي ضمت أمهات الكتب والصحف ، وكان له دور محوري في السلم الأهلي واستضافة جلسات الصلح العشائري والجاهات الكبرى .
مقاهي السينمات ووسط البلد : مع نشوء دور السينما كـ " الفردوس " و " الجميل " ، ظهرت مقاهٍ شعبية في شارعي السينما وبغداد قدمت القهوة التركية والمشروبات الساخنة لطلاب المدارس والمعلمين . كما برزت مقاهٍ استقطبت النخب الأكاديمية مثل مقهى الزهراء ومقهى الجامعة ، إلى جانب المقاهي المحيطة بميدان الساعة ( المنارة ) وميدان الشهيد وصفي التل .
ب ) المفرق ( بوابة الأردن الشمالية وذاكرة خطوط النفط وسكة الحديد ) :
شهدت مدينة المفرق ( الفدين قديماً ) في خمسينيات وستينيات القرن الماضي نهضة اجتماعية وتجارية وثقافية بارزة بفضل موقعها الاستراتيجي كمفترق طرق دولي يربط الأردن بسوريا والعراق والسعودية ، وكونها مركزاً لخطوط سكة الحديد وعمال شركة نفط العراق ( التابلاين ) . ورغم اعتماد تاريخ هذه المقاهي على الذاكرة الشفوية لأبناء المدينة وروايات كبار السن ، إلا أنها شكلت دواوين عامة ومراكز إشعاع وأسماءً مؤسِسة شملت :
أبرز المقاهي المؤسسة في المفرق : ( مقهى أحمد الفناوي ، مقهى روفائيل سليمان ، مقهى عودة صويص ، مقهى توفيق الدرزي ، مقهى محمد الأحمد ، قهوة يحيى اليماني شرق المفرق ، ومقهى محمد جامع الصومالي قرب مقاطعة البادية ) .
الموقع والتجهيزات : تركزت هذه المقاهي حول محطة سكة حديد المفرق ، وشارع البلدية ، وسوق الحسبة القديم ، وقرب تجمعات عمال التابلاين . وكانت تتميز ببساطتها ومقاعدها الخشبية المكسوة بـ " البُسط " التراثية ، وراديو المقهى الكبير الذي يمثل مركز الجذب لمتابعة الأخبار والخطابات القومية للرئيس جمال عبد الناصر بصوت أحمد سعيد من " صوت العرب " ، وحفلات أم كلثوم .
تنوع الرواد والحراك الثقافي : جمعت المقاهي نسيجاً فريداً من عمال النفط ، وموظفي سكة الحديد ، وجنود الجيش العراقي ، والسائقين والمسافرين إلى الشام والعراق ولبنان ، إلى جانب شيوخ ووجهاء البادية الشمالية والمثقفين والمعلمين . فكانت مقراً لتبادل الصحف ، وحل الخلافات العشائرية ، وإبرام صفقات التجارة ، وصياغة الوعي القومي والسياسي بجوار معالم المدينة القديمة كـ " سينما بغداد " و " سينما الجيش " .
ج ) السلط ( مدينة التراث والتسيّس الباكر ) :
مقهى المغربي ( تأسس عام 1936 م ) : يُعرف بـ " ديوان السلط " ، لعب دور المقهى والمضافة والبرلمان السياسي الصغير ، وكان يرتاده كبار رجال السياسة والوزراء والمعلمون وأبناء العشائر لمناقشة الانتخابات النيابية والشؤون الوطنية وإبرام الصلح العشائري .
مقهى أبناء أختين ومقهى أبو سليم : كانا مقصداً للقيادات المحلية والتجار والمثقفين لمتابعة الأنباء وتداول الآراء الفكرية والسياسية .
د ) الزرقاء ( مدينة التنوع العمالي والحزبي ) :
مقهى الزرقاء القديم ومقهى البلدية : ارتبطا بنشوء المدينة وتنوعها السكاني وخلفيتها العمالية والعسكرية ، حيث كانا مقصداً لرجال النقابات العمالية والعمال والأحزاب التي نشطت في الخمسينيات والستينيات .
مقهى الأردنيين : شكل ملتقى اجتماعياً وسياسياً لمتابعة الأحداث الإقليمية والقضايا العمالية والسياسية .
هـ ) مدن الجنوب ( الكرك ومعان ) :
مقهى الكرك القديم ( قرب القلعة ووسط المدينة ) : كان بمثابة نادي ثقافي وسياسي يلتقي فيه شيوخ العشائر والمثقفون والمعلمون لنقاش قضايا الدولة والحراك السياسي والانتخابات البرلمانية .
مقاهي معان التراثية ( وسط السوق القديم ) : شكلت نقاط تجمع لمتابعة أخبار الأحداث السياسية الوطنية والإقليمية ، وتنسيق المبادرات الوطنية والشعبية .
3 ) المقاهي مساحة سياسيّة تداوليّة ومستضيفة للمؤتمرات والأحزاب ( من حقبة الأربعينيات حتى عام 1989 م ) :
مثّلت المقاهي في العاصمة عمّان وباقي المدن الأردنية خلال الفترة الممتدة منذ حقبة الأربعينيات وحتى عام 1989 م فضاءً تداولياً ومؤسسياً سياسياً بامتياز ، وتوثق أرشيفات ذاكرة الأردن والتاريخ الوطني هذا الحراك بالتفصيل :
استضافة المؤتمرات الوطنية والاجتماعات الكبرى : شكلت المقاهي ( وعلى رأسها مقهى حمدان الذي احتضن عام 1928 م فعاليات المؤتمر الوطني الأردني الأول برئاسة الشيخ حسين الطراونة وصاغ أول ميثاق وطني أردني ) منصات رسمية وغير رسمية لعقد الاجتماعات الوطنية الموسعة ، وتأسيس اللجان الوطنية الداعمة للقضايا القومية وفلسطين .
الحاضنة الفعلية للأحزاب السياسية : في ظل حظر العمل الحزبي وتقييد المقرات الرسمية بين أعوام ( 1957 م و 1989 م ) ، تحولت المقاهي إلى المقرات البديلة وشبه الرسمية لشتى التيارات الحزبية على الساحة الأردنية ، حيث اتخذت الأحزاب اليسارية والشيوعية من مقهى السنترال و مقهى الجامعة العربية مقرات يومية للتباحث وصياغة البيانات وتداول المنشورات ، بينما ارتادت التيارات القومية والبعثية مقهى الأوبرج و مقهى كوكب الشرق و مقهى بلاط الرشيد .
إذاعة الأخبار وصناعة الرأي العام : في زمن ندرة أجهزة " الراديو " ، وفر المقهى خدمة الاستماع الجماعي للنشرات الإخبارية والخطابات القومية ، مما أسهم في محو الأمية السياسية ورفع مستوى الوعي الجمعي لدى كافة الفئات الشعبية .
الفضاء الاجتماعي والألعاب الشعبية : مثلت المقاهي بيئة حيوية للترويح وممارسة الألعاب التراثية والتنافسية كـ " الشدة " ، وطاولة الزهر ، والضامة ، والشطرنج ، والسيجة ، ولعبة " المنقلة " بحجارتها وتجاويفها الخشبية وسط أجواء تفاعلية تضفي الألفة والمرح وتنمي روح الصداقة .
تنوع المشروبات والتطور الاجتماعي : قدمت المقاهي القهوة العربية السادة والتركية والشاي بالنعناع والميرمية والزهورات ، ثم أدخلت العصائر والمشروبات الباردة والغازية ومنها مشروب " الإنار " ( Edinar ) الشهير في ذاكرة الرواد ، إلى جانب الأراجيل والسندويشات والوجبات الخفيفة .
جسر فكري وثقافي مع الجمهور : شكّلت المقاهي مساحات حرة يلتقي فيها الأدباء والشعراء لمناقشة الكتب والنصوص ، حيث تسهم المقاهي الحديثة ( كـ " جدل " و " فن وشاي " بوسط عمّان والويبدة ) في سد الفجوة بين المثقفين والجمهور عبر الفعاليات المنظمة .
توجيه التظاهرات والحشد الشعبي : خرجت مسيرات طلابية والنقابية في الخمسينيات والستينيات بعد التجمهر والتباحث داخل مقاهي وسط البلد في عمّان والسلط وإربد والمفرق .
جسر بين العشائرية والسياسة : جمعت المقاهي في المحافظات بين الهيكلية العشائرية والتسيّس الحديث ، فكانت جلسات الصلح العشائري تُعقد بجانب مناقشات قوانين الانتخاب والمواقف الوطنية .
4 ) البعد القومي والتأثر بمقاهي الحواضر العربية ( دمشق ، بيروت ، القاهرة ، بغداد ) :
لم يكن المقهى السياسي والثقافي الأردني معزولاً عن محيطه العربي ، بل جاء متأثراً ومتقاطعاً بوضوح مع ظاهرة المقاهي الثقافية الشاملة التي اجتاحت الحواضر العربية الكبرى في القرن العشرين ، بوصفها تاريخاً شعبياً موازياً للتاريخ الرسمي :
الانعكاس القومي والفكري : تأثر الأردنيون ( من سياسيين ومعلمين وطبقة المثقف الوطني ) بالمناخ الفكري القادم من مقاهي القاهرة ( كـ الفيشاوي ، ريش ، متاتيا ، والكتبخانة ) ، ومقاهي بغداد التراثية ( كـ الخفافين ، الشابندر ، والزهاوي ) ، ومقاهي دمشق ( كـ الهافانا ، والكمال ، والبرازيل ) ، ومقاهي بيروت ( كـ المودكا ، والنجار ، وعرمرم ) .
المقهى كبديل للمحافل التقليدية : شكّل المقهى الأردني - بوهي العواصم العربية - فضاءً حراً يهرب إليه المبدعون والسياسيون من قيود روتين العمل الرسمي ، ويتخذونه منبراً للحوارات والمساجلات وتداول الصحف والمجلات العربية الصادرة من القاهرة وبيروت ودمشق .
الاستماع الجماعي للخطابات الإقليمية : تحولت المقاهي الأردنية إلى حواضن لسماع صوت العرب من القاهرة وصوت أحمد سعيد ، ومتابعة خطابات القادة العرب وتحليلات الشارع العربي حول القضية الفلسطينية وقضايا التحرر القومي ، مما جعل المقهى المحلي نسيجاً متكاملاً يربط الوطن بالبعد العربي القومي .
5 ) التحول الوظيفي للمقاهي المعاصرة : بين الحراك الشعبي واقتصاديات " الكوفي شوب " :
شهدت العقود الأخيرة تحولات جذرية انعكست على واقع المقاهي وتفاعل المجتمع الأردني معها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً :
إغلاق المقاهي التراثية وانحسار الهوية المكانية : شهدت فترة الثمانينيات والتسعينيات إغلاق عدد غير قليل من المقاهي القديمة نتيجة عدم إقبال الزبائن عليها أو تغير نمط العمارة والاستثمار ، مما أدى إلى غياب جزئي للهوية المكانية والتاريخية الراسخة التي تميزت بها مقاهي وسط البلد والمحافظات القديمة .
التجدد في الوظيفة الاجتماعية : في السنوات الأخيرة ، انتشرت المقاهي الحديثة بكثافة غير مسبوقة في عمان والمدن الكبرى ، لتتحول من فضاءات نضالية وتداولية للسياسة إلى مساحات ذات وظائف خدمية واجتماعية جديدة تتلاءم مع متطلبات الحياة المعاصرة ، كالتواصل الاجتماعي اليومي ، الترويح ، وتدخين الأرجيلة ، وشهدت هذه السهرات إقبالاً واسعاً يمتد حتى الصباح خاصة في المواسم والأعياد وشهور رمضان المبارك .
مقاربات الحراك الشعبي وحراك المقاهي : في قراءة واقعية للمشهد الأردني المعاصر ، يبرز تباين لافت بين " الحراك الشعبي والسياسي " المتمثل في المسيرات والاعتصامات الجماعية المطالبة بالإصلاح خارج القاعات ، وبين " حراك المقاهي " الموزع على مجموعات صغيرة صامتة في الغالب يجمعها القاسم المشترك المتمثل في الأرجيلة والسمر . وفي حين يتسم الحراك السياسي بالمجانية الجماهيرية ، فإن ارتياد المقاهي الحديثة يشكل ظاهرة اقتصادية استهلاكية مكلفة تتطلب نفقات مالية يومية معتبرة تنفق على " الكيف " وخدمات الطاولات وتفوق أحياناً نفقات قطاعات أساسية أخرى .
المقاهي بصفتها " مراكز أعمال " وشبكات اتصال : لم تعد المقاهي المعاصرة مقتصرة على الترفيه فحسب ، بل تحول الكثير منها بفعل التحولات الاقتصادية إلى بيئات عمل مفتوحة ينجز فيها أشخاص أعمالهم المكتبية ، ويديرون شبكات اتصالاتهم الخاصة ، ويعقدون اجتماعاتهم التجارية والمهنية المهمة .
" كوزموبوليتانية " الفضاء الأردني : اكتسبت العاصمة عمان والمدن الكبرى في السنوات الأخيرة هوية متجددة ومتعددة الأجناس والأطياف ، حيث يلتقي المنخرطون في المقاهي من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة تحت مظلة واحدة من الخدمات والطلبات ، مما يعكس حالة الانفتاح والاندماج الاجتماعي .
الانفتاح السياسي وتوفر المقرات الرسمية : ساهم التحول الديمقراطي وعودة الحياة البرلمانية عام 1989 م وصدور قانون الأحزاب في نقل الحراك السياسي من أروقة المقاهي الشعبية إلى المقرات الرسمية المعتمدة للأحزاب والكتل النيابية .
التحول الجيلي والمدرجات الرياضية البديلة : تحولت المقاهي المعاصرة من مطالع للصحف الشفهية إلى " مدرجات شعبية بديلة " لمتابعة الدوريات والبطولات الرياضية العالمية والإقليمية عبر شاشات عرض ضخمة ، موازاة مع ثورة مقاهي الطلاب والإنترنت ( كـ شارع شفيق ارشيدات / شارع الجامعة في إربد ) وانتشار " قهوة الطريق " والقهوة المختصة .
تحديات العصر الرقمي والنخبوية : تواجه المقاهي اليوم تحديات تمثلت في " طوفان الرقمنة " الذي غير سلوكيات الأفراد وجذب الجمهور نحو المحتوى الرقمي السريع ، فضلاً عن التحدي المتمثل في التغلب على " النخبوية " لتكون منبراً لكل المهمشين والمبدعين .
رؤى استعادة المقهى الثقافي كمنبر حي : يطرح خبراء ومثقفون أردنيون اليوم ضرورة إحياء الدور الفكري لهذه الفضاءات من خلال تنويع الخدمات الثقافية التي تقدمها ، وتحويلها إلى بيئات تحتضن الفعاليات المنظمة كالأمسيات الشعرية ، ونوادي قراءة الكتب ، وحفلات توقيع الإصدارات الأدبية ، وتنشيط التنافس الإيجابي بين المقاهي لتستعيد ألقها كمساحات تجمع المبدعين والمفكرين بعيداً عن صخب الحياة اليومية .
البعد الاقتصادي والتنموي للمقاهي الثقافية : تمثل المقاهي والمراكز الثقافية رافداً حيوياً لتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية في الأحياء التي تتواجد فيها ، إذ تترك الأنشطة الثقافية انعكاساً اقتصادياً إيجابياً وتوفر بيئة لتداول الكتب والمجلات ، وتدعم قطاع النشر والطباعة والمرافق التجارية المحيطة لتخلق فرص عمل جديدة وتدعم الاقتصاد المحلي على نطاق أوسع .
إن دراسة تاريخ المقاهي في الأردن توضح كيف استطاع المجتمع الأردني بمختلف أطيافه خلق مساحاته الحرة للتعبير والتفاعل الوطني . ورغم انحسار دورها السياسي المباشر والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على هويتها ووظيفتها في العصر الحديث ، إلا أن ذاكرة مقاهٍ مثل حمدان ، وبلاط الرشيد ، والكمال ، والمغربي ، ومقاهي المفرق التراثية ، ومقاهي عمون والعاصمة تبقى شواهد حية على مرحلة ذهبية كان فيها المقهى الأردني صانعاً للحدث السياسي وموجهاً للرأي العام وشاهداً على تشكّل الذاكرة الوطنية والتراثية والاقتصادية في كافة أنحاء المملكة .



ملاحظات إضافية
ملاحظة توثيقية : تُظهر الصورة المرفقة في مستهل المقال مشهداً أرشيفياً وتاريخياً قديماً لتجمّع نخبة من الرجالات والوطنيين الأردنيين في مقهى حمدان الشهير بوسط البلد بوسط العاصمة عمّان ، علماً بأن الصورة خضعت للترميم والمعالجة الرقمية وتم تحسين جودتها بوساطة تقنيات الذكاء الاصطناعي .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع : أولاً ) المصادر التوثيقية والارشيفية والبلدية :
- 1 ) سجلات التراث العمراني والاجتماعي ، بلدية إربد الكبرى ، المملكة الأردنية الهاشمية .
- 2 ) قيود التراخيص والمحلات التجارية القديمة ، ملف رخصة رقم ( 2 ) ، بلدية إربد .
- 3 ) أرشيف مذكرات ووثائق التاريخ الأردني ، موقع تاريخ الأردن ( historyofjordan.com ) .
- ثانياً ) الدراسات والأبحاث الأكاديمية :
- 4 ) دراسة أكاديمية : ( المقاهي في عمّان ودورها كمساحة سياسيّة تداوليّة ضمن الفضاء العام للمدينة خلال الفترة 1957 - 1989 م ) ، منصة أكاديميا ( Academia.edu ) .
- 5 ) رحومة ، كامل . ( 2024 م ) . كتاب : ( المقاهي الثقافية في العالم : القاهرة .. باريس .. دمنهور ) ، دار دلتا للنشر والتوزيع .
- ثالثاً ) المقالات والتقارير الصحفية والوثائقية :
- 6 ) الغرايبه ، قيصر صالح . ( 2024 م ) . دراسة تاريخية توثيقية : ( من المهباش إلى الصالون السياسي : رحلة القهوة ومقاهيها في إربد من عهد الإمارة إلى الألفية ) .
- 7 ) الدغمي ، فوزي منصور . ( 2024 م ) . قراءة توثيقية : ( مكان في ذاكرة المفرق : دور المقاهي في الحركة الثقافية والاجتماعية في مدينة المفرق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ) .
- 8 ) عودة ، هشام . تقرير توثيقي : ( مقاهي عمّان .. ذاكرة مدينة والتحولات السياسية والاجتماعية ) ، جريدة الدستور الأردنية .
- 9 ) عودة ، هشام . تقرير تاريخي : ( من دفاتر العاصمة : مقاهي وسط البلد الشعبية في حقبة الأربعينيات ) ، جريدة الدستور الأردنية .
- 10 ) الخيطان ، فهد . ( 2012 م ) . مقال : ( حراك المقاهي ! ) ، جريدة الغد الأردنية وموقع كل الأردن ( allofjo.net ) .
- 11 ) زقوت ، حمزة . ( 2025 م ) . تحقيق صحفي : ( منابر المثقفين الغائبة .. كيف تستعيد المقاهي الثقافية دورها المجتمعي ؟ ) ، صحيفة نبض البلد ( nbnjo.com ) .
- 12 ) تقرير صحفي : ( المقهى : غياب للهوية وتجدد في الوظيفة الاجتماعية ) ، جريدة الرأي الأردنية .
- 13 ) تقرير خاص : ( المقاهي طقس يومي وفضاءات مشرعة الأبواب ) ، وكالة الأنباء الصينية ( شينخوا ) .
- 14 ) تقرير مصور وتوثيقي : ( مقهى الكمال بالأردن .. تراث الأجيال لأهل الشمال ) ، وكالة الأناضول الدولية ( AA ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.