يُعدّ البحر الأحمر شرياناً مائياً وممرّاً استراتيجياً جامعاً بين التاريخ والجغرافيا ؛ لما يشهده من أبعاد مورفولوجية ومناخية ، وتنوع بيئي وسياحي ، وموانئ ومضائق حاكمة ، ومشاريع تنموية كبرى عبر العصور .
البحر الأحمر : العرش المائي والممر الأعظم عبر التاريخ
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُمثّل منطقة البحر الأحمر واحدة من أبرز المعالم الجغرافية والجيوسياسية والحضارية على كوكب الأرض ، فهو ليس مجرد صدع مائي يفصل بين قارتي آسيا وإفريقيا ، بل هو شريان حيوي وممر استراتيجي عالمي شهد تحولات التاريخ البشري منذ أقدم العصور وحتى العصر الحديث . إن دراسة البحر الأحمر تستدعي الإلمام الشامل بتسمياته التاريخية ومعانيها الفرضية والعلمية ، وأبعاده الجغرافية والمورفولوجية والجيولوجية ، والإقليم المناخي الذي يقع ضمنه ، والدول المشاطئة له ، ومضائقه وخلجانه وجزره الحاكمة والنزاعات التاريخية وانتقالات ملكيتها ، وتنوعه البيئي الفريد ، والمناطق والمنتجعات السياحية العالمية المطلة عليه ، وأشهر موانئه التاريخية والمعاصرة ( كميناء سواكن السوداني ) ، ودوره الحاسم في أحداث الثورة العربية الكبرى وتطورات حرب عام 1967 م ، فضلاً عن الاتفاقيات الحدودية الكبرى كتعديل حدود العقبة لعام 1965 م والمشاريع التنموية المعاصرة .
أولاً : التحديد الجغرافي ، القياسات ، المناخ ، والدول المشاطئة :
التكوين الجيولوجي والأبعاد المورفولوجية :
يعتقد العلماء أن البحر الأحمر تشكّل قبل نحو 20 مليون عام ( أو بدء تشكله نتيجة الصدع التكتوني التباعدي في العصر الميوسيني منذ نحو 55 مليون سنة ، ثم تسارعه قبل 30 مليون سنة ) حين ضعفت قشرة الأرض مما أدى إلى حدوث صدع حاد ينتمي إلى الصدع السوري الإفريقي الكبير ( Great Rift Valley ) ، اندلعت البراكين على جانبيه وتشكلت الجبال البركانية ، ثم ملأ الماء الصدع الذي يستمر بالاتساع بمعدل سنوي يزيد على سنتيمتر واحد ( أو نحو 12 . 7 سم سنوياً بحسب الفرضيات الملاحية ) .
ويمتد على مساحة إجمالية تتراوح بين 438,000 إلى 450,000 كم² . ويصل طوله من جنوب السويس إلى مضيق باب المندب إلى نحو 1,930 كم ( ويبلغ امتداده الكلي زهاء 2,000 إلى 2,250 كم ) . ويتخذ شكلاً غير منتظم يضيق ويتسع ؛ حيث يبلغ عرضه نحو 300 كم في أوسع نقطة له ( وتصل في مواضع أخرى عند خط عرض 16 شمالاً إلى نحو 355-370 كم ) ، بينما يضيق في الجزء الشمالي إلى نحو 180 كم ، ليصل في مضيق باب المندب إلى أضيق نقطة بعرض نحو 30 كم .
يُعد بحراً عميقاً يصل لعمق 3,000 متر في المنخفض الأوسط ( ومتوسط عمقه نحو 500 متر ) ، بينما يُعد نحو 40% منه ضحلاً ( أقل من 100 متر ) . وتتراوح نسبة ملوحته بين 3 . 6% و4 . 1% ( أي أعلى من المتوسط العالمي ) بسبب ارتفاع معدل التبخر وقلة المصبات النهرية .
الإقليم المناخي ودرجات الحرارة :
يقع البحر الأحمر ضمن الإقليم المناخي المداري الجاف ( الصحراوي ) ، والذي يتميز بارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار وارتفاع نسب التبخر . ويتأثر بالرياح الموسمية الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية ؛ حيث يميل طقسه إلى الدفء صيفاً والبرودة شتاءً . ويبلغ متوسط درجة حرارة مياهه السطحية شتاءً حوالي 22 إلى 28 درجة مئوية ( وفي جزئه الشمالي بين 20 إلى 26 مئوية ) ، بينما ترتفع صيفًا لتتراوح بين 28 إلى 34 درجة مئوية ( وفي جزئه الجنوبي بين 25 إلى 30 مئوية ) .
الدول المشاطئة ( المحيطة بالبحر الأحمر ) :
تشرف على حوض البحر الأحمر ثماني دول تتوزع بين القارتين الآسيوية والإفريقية ، وهي :
المملكة العربية السعودية : تمتلك أطول أشرطة السواحل الممتدة على البحر الأحمر شرقا .
جمهورية مصر العربية : تشرف على الجزء الشمالي والغربي وتضم خليجي السويس والعقبة وقناة السويس .
جمهورية السودان : تشرف على الساحل الغربي لإفريقيا .
الجمهورية اليمنية : تشرف على الجزء الجنوبي الشرق وتتحكم بمضيق باب المندب .
دولة إريتريا : تشرف على الساحل الجنوبي الغربي .
جمهورية جيبوتي : تشرف على المقترب الجنوبي عند باب المندب وخليج عدن .
المملكة الأردنية الهاشمية : تطل على أقصى شمال خليج العقبة عبر منفذها البحري المتسع .
فلسطين : تطل على أقصى شمال خليج العقبة عبر شريط ساحلي في العقبة / إيلات .
ثانياً : أسباب تسمية البحر الأحمر عبر التاريخ مع تفسير معانيها :
تعددت التسميات والفرضيات التاريخية والعلمية في سبب التسمية :
طحالب نشارة البحر : الإزهار الموسمي للطحالب الزرقاء ( Trichodesmium erythraeum ) المعروفة بنشارة البحر ، والتي تطفو بعد موتها كأغطية حمراء وزهرية تعكس على سطح المياه لوناً بنيّاً محمراً .
النسبة إلى الحميريين : نسبةً إلى الدولة الحميرية والجماعات المحلية التي سكنت جنوب شبه الجزيرة العربية .
رمزية الاتجاهات : استخدام بعض اللغات القديمة للألوان للرمز إلى الجهات الجغرافية ، حيث كان اللون الأحمر يرمز للاتجاه الجنوبي ( كما كان الأسود يرمز للشمال ) .
صحراء الأرض الحمراء : نسبة إلى مجاورته للصحراء المصرية القديمة التي سُميت بـ "دشريت" أي الأرض الحمراء .
بحر القلزم : الاسم الأكثر شهرة عند العرب وفي المدونات الإسلامية ، ونُسب إلى مدينة " القلزم " التاريخية ( السويس حالياً ) الواقعة على رأسه الشمالي .
بحر سوف ( Yam Suph ) : ورد في النصوص القديمة ومعناه الحرفي " بحر القصب " أو " بحر الأعشاب " نسبة للنباتات المستنقعية على شواطئه الشمالية .
البحر الإريثري ( Erythraean Sea ) والبحر الجنوبي : التسمية الإغريقية والرومانية المشتقة من " Erythros " وتعني الأحمر ، وكان يمتد ليشمل خليج عدن وبحر العرب ، وأطلق عليه هيرودوت " البحر الجنوبي " لتمييزه عن المتوسط .
ثالثاً : التنوع الحيوي والبيئي والمقاصد السياحية الشاطئية الفاخرة :
يُعد البحر الأحمر نظامًا بيئيًّا غنيًّا ووجهة سياحية عالمية فريدة :
التنوع البيئي والشعاب المرجانية : سُجل أكثر من 1,100 إلى 1,200 نوعٍ من الأسماك ( 10% منها أنواع مستوطنة ) ، ويمتد على طول ساحله نحو 2,000 كم من الشعاب المرجانية التي تتراوح أعمارها بين 5,000 و7,000 عام .
أشهر المناطق والمنتجعات السياحية العالمية :
شرم الشيخ ( مصر ) : "مدينة السلام" وأحد أشهر مراكز الغوص والسياحة الفاخرة في العالم ، وتقع عند رأس شبه جزيرة سيناء مطلة على مدخل خليج العقبة ومحمية رأس محمد .
الغردقة والجونة ومرسى علم ( مصر ) : عاصمة السياحة الشاطئية على الساحل الغربي للبحر الأحمر ، وتتميز بالمنتجعات العالمية والشعاب المرجانية النادرة وحطام السفن التاريخية الغارقة .
العقبة ( الأردن ) : ثغر الأردن الباسم ونقطة الجذب السياحي والاستثماري الكبرى في شمال خليج العقبة ، وتجمع بين السياحة البحرية والشعاب المرجانية والمنتجعات الفاخرة .
جدة ووجهة البحر الأحمر ( السعودية ) : تضم كورنيش جدة والمنتجعات الساحلية ، إلى جانب "وجهة البحر الأحمر" الفاخرة التي تطورها شركة البحر الأحمر الدولية ومشاريع نيوم وسندالة كأرقى الوجهات السياحية البيئية والمستدامة في العالم .
رابعاً : الخلجان والمضائق الاستراتيجية وحرب عام 1967 م :
الخلجان :
خليج السويس : يمتد في الجزء الشمالي الغربي بطول نحو 300 كم بالكامل داخل مصر ، ويشكل المدخل الجنوبي المباشر لقناة السويس ومصدراً نفطياً هاماً .
خليج العقبة : يمتد في الجزء الشمالي الشرقي بطول نحو 160 كم ، وتطل عليه أربع دول ( مصر ، السعودية ، الأردن ، وفلسطين ) ، وهو المنفذ المائي الحيوي للأردن وجنوب فلسطين .
المضائق الملاحية وأثر إغلاقها في حرب 1967 م :
مضيق باب المندب : المضيق الجنوبي الاستراتيجي بعرض 30 كم الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي .
مضيق تيران وأزمة حرب 1967 م ( النكسة ) : يقع مضيق تيران عند مدخل خليج العقبة بين شبه جزيرة سيناء وجزيرة تيران . وفي أيار ( مايو ) 1967 م ، أعلنت مصر إغلاق مضيق تيران وقررت منع الملاحة الإسرائيلية من المرور عبره إلى ميناء إيلات ، استناداً إلى اعتبار الخليج مياهاً إقليمية تاريخية . كان هذا الإغلاق والحصار المائي الشرارة المباشرة والسبب الرئيسي الذي اتخذته إسرائيل ذريعة لشن عدوان الخامس من حزيران ( يونيو ) 1967 م ( حرب النكسة ) ، مما أدى إلى اندلاع المعارك العسكرية وتغير الخريطة الجيوسياسية في المنطقة .
مضيق جوبال وقناة السويس : بوابات الملاحة نحو خليج السويس للبحر المتوسط .
خامساً : الجزر والنزاعات الحدودية وانتقالات الملكية التاريخية :
يضم البحر الأحمر نحو 1,496 جزيرة ؛ وقد شهدت بعض هذه الجزر تحولات تاريخية وانتقالات في السيادة عبر المعاهدات الدولية :
جزر تيران وصنافير ( بين مصر والسعودية ) : تقع عند مدخل خليج العقبة . أُودعت إدارتها سابقاً تحت الحماية المصرية (1950 م) ، ثم جرى بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية في نيسان ( أبريل ) 2016 م إعادة إثبات السيادة والملكية الكاملة للجزرتين للمملكة العربية السعودية .
جزر فرسان ( السعودية ) : تقع قبالة جازان ، وهي جزر سعودية بالكامل وتخضع للسيادة السعودية التامة بموجب الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة تاريخياً ودولياً ( كـ اتفاقية جدة 2000 م المكملة لاتفاقية الطائف 1934 م ) ، ولا يوجد عليها أي نزاع دولي أو إقليمي قائم ، وتُعد محمية طبيعية كبرى .
أرخبيل جزر حنيش ( اليمن وإريتريا ) : شهد نزاعاً عسكرياً بين اليمن وإريتريا أواخر عام 1995 م . وجرى الاحتكام لمحكمة التحكيم الدولية في لاهاي التي أصدرت حكمها عام 1998 م بإقرار السيادة اليمنية على الجزء الأكبر من الأرخبيل ( حنيش الكبرى وزقر ) مع تنظيم حقوق الصيد .
جزر أخرى : جزر ميون ( بريم ) وكُمران لليمن ، جزر دهلك وحالب لإريتريا ، جزر سواكن للسودان ، وجزر شدوان وجوبال وطويلة لمصر .
سادساً : اتفاقية تعديل الحدود الأردنية السعودية عام 1965 م وتوسيع واجهة العقبة البحرية :
شكّل التعديل الحدودي المبرم في عام 1965 م بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية محطة استراتيجية فارقة في زيادة المساحة البحرية الأردنية :
جرى تعديل وتسوية الحدود عبر تبادل أراضٍ استراتيجية تضمن تنازل الأردن عن مساحات صحراوية داخلية مقابل حصوله على أراضي صحراوية ممتدة وشريط ساحلي جنوبي على خليج العقبة تم تمديده بنحو 19 كيلومتراً إضافية ( ليصل إجمالي طول ساحل العقبة الأردني إلى نحو 27 كم ) .
أدت هذه الاتفاقية إلى توسيع الواجهة البحرية والمنظومة المينائية للأردن ؛ مما مكنه من إنشاء الميناء الجنوبي ، وميناء الحاويات ، ومحطات الطاقة والغاز ، والمنتجعات والمشاريع الاستثمارية واللوجستية الكبرى التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني الأردني اليوم .
سابعاً : أشهر الموانئ الواقعة على البحر الأحمر وميناء سواكن السوداني :
تقع على ساحل البحر الأحمر موانئ ومدن محورية كبرى :
ميناء سواكن ( السودان ) : ميناء تاريخي وأثري عريق يقع في جمهورية السودان جنوب بورتسودان . يُعد سواكن من أقدم الموانئ التاريخية على البحر الأحمر ، وشهد ازدهاراً معمارياً واقتصادياً كبيراً في العهود الإسلامية والعثمانية بفضل نمطه المعماري الفريد المبني من المرجان ( الجزيرة المرجانية ) ، وكان الميناء الأول للسودان والحجاج والتجارة مع الحجاز لقرون طويلة قبل إنشاء ميناء بورتسودان الحديث .
ميناء بورتسودان ( السودان ) : الميناء الرئيسي والأكبر حالياً لجمهورية السودان ( سكانها 579 ألف نسمة ) والمنفذ الأول لتجارته الخارجية .
ميناء جدة ( السعودية ) : أكبر ميناء على البحر الأحمر وداخل السعودية ( سكانها 3 . 7 مليون نسمة ) ، ويبعد 50 كم عن مكة المكرمة كبوابة رئيسية للحجاج ومركز تجاري واستيراد المواشي .
ميناء السويس ( مصر ) : أكبر ميناء مصري على البحر الأحمر عند المدخل الجنوبي لقناة السويس ( سكانها 775 ألف نسمة ) ، ومركز تجاري وتمويني تاريخي .
ميناء الحديدة والمكلا ( اليمن ) : أكبر ميناء يمني على البحر الأحمر ( سكان الحديدة 735 ألف نسمة ) ليغذي الكثافة السكانية ، وميناء المكلا على خليج عدن .
ميناء العقبة ( الأردن ) : الميناء والمركز اللوجستي والسياحي الوحيد للأردن ( سكانها 148 ألف نسمة ) بواجهته البحرية الموسعة .
ميناء مصوع ( إريتريا ) : أكبر ميناء في إريتريا ( سكانها 74 ألف نسمة ) ورابط تجاري للقرن الإفريقي .
ثامناً : دور البحر الأحمر والساحل في عمليات الثورة العربية الكبرى ( 1916 م ) :
لعب البحر الأحمر والشرائط الساحلية المحاذية له دوراً حاسماً ومحورياً في انطلاق ونجاح عمليات الثورة العربية الكبرى التي أعلنها الشريف الحسين بن علي عام 1916 م :
الزحف الساحلي والسيطرة على الموانئ : اعتمدت استراتيجية قوات الثورة العربية الكبرى في مراحلها الأولى على تحرير الموانئ الممتدة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر لتأمين خطوط الإمداد ، وتجريد القوات العثمانية من منافذها البحرية . فبدأت العمليات بتحرير ميناء جدة ، ثم ينبع ، ثم الوجه .
التقدم نحو الشمال عبر الشريط الساحلي : شكل الشريط الساحلي للبحر الأحمر المسار الطبيعي والاستراتيجي لتقدم جيوش الثورة العربية الكبرى بقيادة الأنجال الأمراء ( علي ، عبدالله ، وفصل ) . فكان الانتقال من مكة والحجاز شمالاً عبر المحطات الساحلية ينبع ثم الوجه ، والتي اتُخذت كقواعد عسكرية رئيسية لتجميع القوات وتنظيم القبائل وإعداد الخطط .
معركة العقبة الفاصلة ( 1917 م ) : توج السير الساحلي بشمال البحر الأحمر بعملية عسكرية استراتيجية بعبور الصحراء والالتفاف للسيطرة على ميناء العقبة في تموز 1917 م . أدى تحرير العقبة إلى تحويلها إلى القاعدة العسكرية واللوجستية الرئيسية لجيش الثورة ، ونقطة الانطلاق الكبرى لنقل العمليات العسكرية نحو معان والشام ودمشق ، مما أمن التنسيق المباشر والتعاون مع القوات الحليفة عبر البحر الأحمر .
تاسعاً : البحر الأحمر في كتب الجغرافيين والرحالة عبر التاريخ :
في مصادر الجغرافيين المسلمين : أفرد المسعودي في " مروج الذهب " والاصطخري وابن حوقل والإدريسي والمقدسي البشاري في مدوناتهم صفحات لوصف " بحر القلزم " ، ورصدوا أخطار الملاحة فيه لكثرة الشعاب المرجانية والأحجار الغارقة ، كما وصفوا موانئه وجزره وطرق الحج المارة عبره .
في رحلات الرحالة المسلمين : قدم ابن جبير الأندلسي صورة حية للملاحة على متن سفن " الجِلاب " من عيذاب وسواكن إلى جدة ، ورصد ابن بطوطة والرحالة المغاربة حركة التجار والحجاج في موانئ القصير ، وسواكن ، والحديدة ، والمخا ، وجدة .
في مدونات الرحالة الغربيين : سجل الرحالة الأجانب ( مثل كارستن نيبور ، وبوركهارت ، وعلي باي العباسي ، ريتشارد بورتون ) ملاحظات وتقارير دقيقة عن طبيعة الملاحة والموانئ الحجازية واليمنية .
عاشراً : تاريخ الاستكشاف ومرحلة التراجع والإهمال عقب اكتشاف رأس الرجاء الصالح :
الاستكشاف القديم : تعود أولى الرحلات إلى عام 2500 ق . م ، ثم بعثات داريوس الأول في القرن 6 ق . م ، وحملات الإسكندر المقدوني .
اكتشاف رأس الرجاء الصالح ( 1498 م ) والتراجع التاريخي : نجح فاسكو دا غاما في الدوران حول إفريقيا للوصول للهند ، مما أحدث تحولاً كبيراً في التجارة العالمية بعيداً عن البحر الأحمر ومصر والشام هرباً من الرسوم والمكوس المملوكية . أدى ذلك إلى كساد الموانئ التاريخية ( كعيذاب والقصير والطور وسواكن ) وتراجع الملاحة فيه ليتحول لفترة إلى بحر إقليمي محلي لنقل الحجاج .
الصراع والمنازعات : حاول البرتغاليون فرض حصار على باب المندب ، فتصدى لهم المماليك ثم العثمانيون الذين أحكموا إغلاقه كبحر إسلامي مغلق لحماية الحرمين الشريفين حتى أواخر القرن الثامن عشر .
البعث بافتتاح قناة السويس ( 1869 م ) : استعاد البحر الأحمر عرشه ومكانته العالمية كأهم ممر مائي عند افتتاح القناة التي أغلقت وتوسعت لاحقاً ( 1967 - 1975 م ) لتزداد حركة المرور الملاحية .
حادي عشر : المشاريع المعاصرة : الأهمية الاقتصادية ، الرقمية ، والسياحية :
مشاريع تحلية مياه البحر :
أقيمت على شواطئه أضخم محطات التحلية لتأمين المياه الصالحة للشرب والصناعة ، مثل محطات الشعيبية وينبع ومشاريع نيوم في السعودية ، ومحطات العين السخنة والجلالة والغردقة ومرسى علم في مصر ، ومحطة تحلية العقبة ضمن مشروع الناقل الوطني في الأردن .
المشاريع السياحية الفاخرة والبنية الرقمية :
يشهد الساحل الغربي للسعودية تطوير " وجهة البحر الأحمر " عبر شركة البحر الأحمر الدولية الممتدة على 28 ألف كم² وتضم أكثر من 90 جزيرة بكر ( مثل شورى ، أمهات ، وشيبارة ) ومنتجعات بيئية ومطار البحر الأحمر الدولي ، إضافة إلى مشروع " نيوم " وجزيرة " سندالة " ، والمقاصد السياحية المصرية في الغردقة وشرم الشيخ والجونة . كما اكتسب البحر الأحمر بعداً رقمياً استراتيجياً بمرور كابلات بحرية ضخمة في قاعه تنقل معظم حركة البيانات والإنترنت بين الشرق والغرب .
تطوير الموانئ واللوجستيات :
توسعة وتطوير ميناء جدة الإسلامي ، وميناء الملك عبد الله ، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وميناء السويس ، وموانئ بورتسودان والحديد والمكلا ومصوع ، ومنظومة موانئ العقبة الجديدة .
يبقى البحر الأحمر مسرحاً حياً وجسراً حضارياً استثنائياً . فمنذ تشكله الجيولوجي وركوب الفراعنة والحميريين والعرب لمياهه ، ومروراً بفترة تراجعه التاريخي عقب اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ، ودوره المجيد في مسيرة الثورة العربية الكبرى وتأسيس الدولة العربية ، وأحداث حرب عام 1967 م المترتبة على إغلاق مضائق تيران ، واتفاقيات ترسيم الحدود وتعديل واجهة العقبة لعام 1965 م ، ووصولاً إلى بعثه الحديث بافتتاح قناة السويس والمشاريع العملاقة للتحلية والسياحة والموانئ والبنية الرقمية ؛ يظل البحر الأحمر العرش المائي الذي يربط بين القارات وحضارات الإنسانية عبر القرون .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) ابن جبير ، أبو الحسن محمد بن أحمد الأندلسي . رحلة ابن جبير . بيروت : دار صادر .
- 2 ) ابن حوقل ، أبو القاسم محمد النسيبي . صورة الأرض . بيروت : منشورات دار مكتبة الحياة .
- 3 ) ابن بطوطة ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الطنجي . تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار . القاهرة : مطبعة مصطفى البابي الحلبي .
- 4 ) الاصطخري ، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الكرخي . المسالك والممالك . ليدن : مطبعة بريل .
- 5 ) المقدسي البشاري ، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد . أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم . القاهرة : مكتبة مدبولي .
- 6 ) المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين . مروج الذهب والمعادن الجوهر . تحقيق : محيي الدين عبد الحميد . القاهرة : المكتبة التجارية الكبرى .
- 7 ) الإدريسي ، أبو عبد الله محمد بن محمد الشريف . نزهة المشتاق في اختراق الآفاق . بيروت : عالم الكتب .
- 8 ) نيبور ، كارستن . رحلة إلى بلاد العرب ونواحي أخرى في الشرق . ترجمة : عبير المنذر . بيروت : دار الرافدين .
- 9 ) بوركهارت ، يوهان لودفيغ . رحلات في شبه الجزيرة العربية . ترجمة : صبري محمد حسن . القاهرة : المركز القومي للترجمة .
- 10 ) بورتون ، ريتشارد فرنسيس . رحلة شخصية إلى المدينة المنورة ومكة . ترجمة : عبد الرحمن عبد الله الشيخ . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب .
- 11 ) موسى ، سليمان . تاريخ الأردن في القرن العشرين ( 1900 - 1959 ) . عمّان : مكتبة المحتسب .
- 12 ) موسى ، سليمان . الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن ( 1917 - 1918 ) . عمّان : دائرة الثقافة والفنون .
- 13 ) الهيئة الملكية للأفلام ووزارة الخارجية الأردنية . وثائق ومعاهدات الحدود الهاشمية : اتفاقية تعديل الحدود الأردنية السعودية لعام 1965 م . عمّان : المطبوعات الرسمية .
- 14 ) شرف ، عبد العزيز طريح . جغرافية الوطن العربي . الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية .
- 15 ) السرياني ، محمد محمود . الجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر والخليج العربي . الرياض : جامعة الملك سعود .
- 16 ) مركز البحوث والدراسات الكويتي . الموسوعة الجغرافية للحوض المائي للبحر الأحمر وخليج عدن . الكويت .
- 17 ) محكمة التحكيم الدائمة ( PCA ) . حكم التحكيم الدولي النهائي في نزاع السيادة الإقليمية على جزر أرخبيل حنيش بين اليمن وإريتريا ( 1998 م ) . لاهاي .
- 18 ) الهيئة العامة للإحصاء والموانئ . التقارير السنوية لشركة البحر الأحمر الدولية ووزارة النقل والخدمات اللوجستية . الرياض : المملكة العربية السعودية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.