يُقدم المقال مسحاً تاريخياً وديموغرافياً شاملاً لخريطة الأعراق والشعوب في الشرق الأوسط ، متتبعاً أسباب تشكلها واستقرارها وتطوراتها الجيوسياسية منذ بزوغ الإسلام ولغاية العصر الحديث .
الأعراق والشعوب في الشرق الأوسط منذ بزوغ الإسلام ولغاية العصر الحديث
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُمثّل منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر أقاليم العالم تعقيداً وتداخلاً من الناحية التاريخية والديموغرافية والحضارية ، حيث تُعدّ الحاضنة البشرية الأولى ومهد الحضارات الكبرى وولادة الإنسانية التي امتدت عبر مساحتها الشاسعة الرابطة بين قارات العالم القديم . فمنذ بزوغ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي وانطلاق الفتوحات والحركات الكبرى ، تحوّلت هذه المنطقة إلى ساحة انصهار عالمية استقطبت واستقبلت هجرات ومجموعات إثنية متعددة الأصول ، شهدت معها المنطقة تحولات اجتماعية وديموغرافية عميقة تفاعلت فيها الشعوب الأصلية مع القوى المتعاقبة عبر التاريخ . وإن فهم هذا التنوع يستدعي الغوص في عدسة الحضارات العريقة ، والتقاليد والتعددية الدينية والفكرية ، وشبكات التجارة العالمية ، والسلالات الحاكمة التي وثقتها المراجع والموسوعات التاريخية الكبرى وكتب الأنساب وسجلات النفوس التاريخية ، وتحديد الإطار الجغرافي والمفاهيمي للمنطقة لتتبع خريطة هذه الشعوب ومسببات قدومها واستقرارها الدائم .
التحديد الجغرافي والمفاهيمي لـ "الشرق الأوسط" :
تُعدّ تسمية " الشرق الأوسط " مصطلحاً جغرافياً وسياسياً حديثاً نشأ في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ( واستُخدم رسمياً في أدبيات الاستراتيجية البريطانية والأمريكية ) . وقبل شياع هذا المصطلح ، كان يُطلق على هذه المنطقة تاريخياً اسم " الشرق الأدنى " ، وكان يُقصد به أساساً حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقي ، شاملاً مصر ، وبلاد الشام ، وبلاد الرافدين ( العراق ) ، والأناضول .
ومع تطور الأبعاد الجيوسياسية في العصر الحديث ، اتسع مفهوم الشرق الأوسط في أطره الموسعة ( Greater Middle East ) ليمتد من شواطئ المحيط الأطلسي والمغرب العربي غرباً ، وصولاً إلى حدود التماس مع شبه القارة الهندية والباكستان وأفغانستان ووسط آسيا شرقاً . هذا الممر الجغرافي الشاسع كان على مر العصور مسرحاً لتدفقات بشرية استثنائية فرضتها المسببات العسكرية ، والاقتصادية ، والدينية .
المشهد العرقي والديني قبيل البعثة الإسلامية ( خلفية تاريخية ) :
قبل انطلاق الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي ، كانت التعددية التوحيدية والدينية والحضارية قد تعمقت في المنطقة المقسمة بين إمبراطوريتين عظمتين أثرتا في توزيع السكان :
الإمبراطورية البيزنطية : سيطرت على بلاد الشام ، ومصر ، والأناضول ، حيث انتشرت الثقافة الإغريقية والرومانية والديانة المسيحية في المراكز الحضرية ، بينما تألفت الغالبية السكانية في الأرياف والمدن الداخلية من شعوب سامية يتحدثون الآرامية ( السريان ) في الشام والرافدين ، والقبطية ( امتداد اللغة المصرية القديمة ) في مصر .
الإمبراطورية الساسانية : سيطرت على الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين ( العراق ) ، حيث ساد المكون الفارسي والديانة الزردشتية ، إلى جانب مجتمعات آرامية ويهودية ومسيحية متجذرة في السواد ( العراق ) .
شبه الجزيرة العربية والتخوم : ساد العنصر العربي في شبه الجزيرة ، وامتدت قبائله شمالاً لتشكل إمارات وممالك التخوم المتاخمة للإمبراطوريتين ( كالغساسنة في الشام والمناذرة في العراق ) .
خريطة الشعوب وأكبر المجموعات العرقية والدينية في الشرق الأوسط :
تتشكل خريطة الشرق الأوسط من نسيج متكامل ينقسم إلى كبرى القوميات والشعوب ، إلى جانب طيف واسع من الشعوب الأصلية والجماعات الإثنية والدينية الموثقة في السجلات التاريخية والتصنيفات الديموغرافية الكبرى :
أولاً : القوميات والمجموعات العرقية الكبرى :
العرب : أكبر عرقية في الشرق الأوسط ، حيث يشكلون الغالبية العظمى من سكان المنطقة امتداداً من الخليج إلى المحيط ، وتجمعهم اللغة العربية والثقافة المشتركة . وانطلقوا مع الفتوحات الإسلامية واستوطنوا بلاد الشام ، والعراق ، ومصر ، وشمال إفريقيا ، حيث جرت عملية " التعريب " واندماج الشعوب الأصلية . كما يبرز البدو كشعوب عربية متنقلة عمرت الصحارى والبوادي عبر التاريخ .
الفرس : عرقية هندوأوروبية تشكل غالبية سكان إيران ، ولهم تاريخ حضاري قديم ولغة خاصة ( الفارسية ) . لعبوا دوراً محورياً في إدارة الدولة الإسلامية وعلومها ، وشكلت الدولة الصفوية هويتهم الحديثة .
الأتراك : شعب قومي يتحدث اللغة التركية ، ويشكلون أغلبية سكان تركيا مع امتداد تاريخي عريق في المنطقة منذ السلاجقة والمماليك وحتى الدولة العثمانية .
الأكراد : عرقية هندوأوروبية عريقة تعيش في منطقة جبلية متصلة بين العراق ، تركيا ، إيران ، وسوريا . اعتنقوا الإسلام ولعبوا أدواراً عسكرية وسياسية بارزة ( أبرزهم صلاح الدين الأيوبي ) .
الأذربيجانيون : شعب ذو أصول تركية يعيش في أذربيجان وشمال غرب إيران ، ويتحدثون اللغة الأذربيجانية .
البشتون : عرقية إيرانية شرقية تشكل الأغلبية في أفغانستان وتتواجد بكثافة في باكستان والتخوم الشرقية للشرق الأوسط الموسع .
ثانياً : الشعوب والجماعات الإثنية والجبلية الممتدة :
اللـور : شعب إيراني يعيش غرب إيران ، قريبون ثقافياً ولغوياً من الأكراد والفرس .
البلوش : عرقية تعيش في إقليم بلوشستان الممتد بين باكستان ، إيران ، وأفغانستان ، ولهم لغتهم الخاصة .
التركمان : شعب من أصول تركية يعيشون كأقليات في العراق ، سوريا ، وإيران ، بجانب بلدهم الأم تركمانستان .
الأفشار : قبيلة وعرقية من أصول تركمانية / تركية ، يتواجدون بشكل أساسي في إيران وأجزاء من تركيا وأفغانستان .
الشركس : شعوب قوقازية هُجّرت من موطنها الأصلي في القرن التاسع عشر واستقرت في بلاد الشام وتركيا ، ويتميزون بثقافتهم وعاداتهم الخاصة .
الأرمن والجورجيون : شعوب عريقة تعود أصولها إلى القوقاز ، يتواجدون في أرمينيا وجورجيا وجاليات مختلفة بحواضر الشرق الأوسط .
الآشوريون ( والكلدان والسريان ) : من أقدم الشعوب السامية في المنطقة ، يعود تاريخهم لحضارة آشور وبلاد الرافدين القديمة ، وهم مسيحيون يحافظون على إرثهم التاريخي ولغتهم الآرامية .
الغجر ( القرابين ): مجموعات بشرية متنقلة امتدت تاريخياً في مختلف حواضر وبوادي الشرق الأوسط .
ثالثاً : المكونات والشعوب العرقية الدينية والأقليات الأصيلة :
الأرثوذكس والأقباط : طوائف مسيحية شرقية عريقة ، ممتدة تاريخياً في مصر ، بلاد الشام ، والعراق ، حيث يمثل الأقباط الامتداد الديموغرافي والحضاري للمصريين القدماء في مصر .
اليهود : مجموعة عرقية دينية ظهرت قديماً في أرض كنعان ( فلسطين ) ، وتواجدت جالياتها التاريخية العريقة في مختلف حواضر الشرق الأوسط ( بغداد ، القاهرة ، دمشق ، اليمن ) حتى منتصف القرن العشرين .
الدروز : طائفة دينية وإثنية عربية نشأت في العهد الفاطمي وتعيش أساساً في جبال لبنان ، سوريا ، وشمال فلسطين .
الإيزيديون : مجموعة دينية وعرقية قديمة يتحدثون الكردية ، ويعيشون تاريخياً في شمال العراق ( سنجار ) .
الشبك : مجموعة عرقية ودينية صغيرة تعيش في سهل نينوى شمال العراق ، ولهم عادات لغوية ودينية مميزة .
اليارسانية ( الكاكائية والأهل الحق ) : طائفة دينية وثقافية كردية قديمة ، يتواجد أتباعها في غرب إيران وشرق العراق .
المندائيون ( الصابئة ): من أقدم الأديان التوحيدية والسامية في العراق ، يتركزون حول ضفاف الأنهار لممارسة طقوس التعميد .
أسباب ودوافع قدوم الأعراق والشعوب واستقرارها :
لم يكن استقرار الأعراق الوافدة في منطقة الشرق الأوسط وليد المصادفة ، بل جاء نتيجة لنظم سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية تشكلت عبر القرون المتعاقبة :
1 ) الظاهرة العسكرية ونظام "الرقيق العسكري" ( المماليك والإنكشارية ) :
تُعدّ المؤسسة العسكرية إحدى أكبر القنوات التي استجلبت عناصر إثنية جديدة إلى أحشاء الشرق الأوسط :
العنصر التركي في العصر العباسي : بدأ الاستجلاب المنظم للجند الترك من فرغانة ووسط آسيا في عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله ( 218 _ 227 هـ ) ، الذي بنى لهم مدينة سامراء ليعزلهم عن بقية السكان .
العهد الأيوبي والتوسع المملوكي : بلغت هذه الظاهرة ذروتها في العصر الأيوبي ، ولا سيما في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب ، الذي أكثر من شراء المملوكين من أصول تركية وقبجاقية أسكنهم جزيرة الروضة بمصر ( المماليك البحرية ) . وتطورت إلى المماليك البرجية من أصول قوقازية وشراكسة وسلافية .
الجيش الإنكشاري ونظام "الدفشرمة" العثماني : تأسست النواة الصلبة للجيش العثماني عبر نظام الإنكشارية معتمداً على ضريبة كُتبت على أهل الذمة في القوقاز والبلقان تُعرف بـ " ضريبة الدم " أو " الدفشرمة " ( Devşirme ) ، حيث يُجمع الصبيان ويُربون تربية عسكرية صارمة ، واستقر العديد منهم وتصاهروا مع السكان المحليين .
2 ) رحلات الحج والمجاورات الدينية :
شكلت فريضة الحج إلى مكة المكرمة والزيارة للمدينة المنورة والقدس الشريف محركاً رئيساً للاستقرار الديمغرافي ، إذ فضل العديد من العلماء والتجار القادمين من مناطق نائية ( كداغستان ، والهند ، وتركستان ، وشمال إفريقيا ) " المجاورة " والاستقرار في الحواضر الكبرى الواقعة على طريق الحج .
3 ) الهجرات السياسية والقسرية وحركات اللجوء :
شهد الشرق الأوسط موجات هجرة جماعية بسبب حروب وتغيرات جيوسياسية ، مثل مهجر شعوب القوقاز القسري على يد الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر وإعادة توطينهم في ولايات الشام ، وإعادة توزيع المكونات الأرمنية واليونانية إبان الحرب العالمية الأولى .
4 ) تجارة الرقيق والتنوع الاقتصادي :
لعبت تجارة الرقيق التقليدية ( الأفريقي والآسيوي ) إلى جانب التنافس على الموارد الاقتصادية وطرق التجارة دوراً في نقل أعداد من السكان لاستخدامهم في الزراعة والأعمال الحرفية ، ومع تطبيق أحكام العتق الإسلامية والاندماج الاجتماعي انصهرت هذه الفئات كلياً في المجتمعات المحلية .
الجغرافيا تصنع التاريخ :
لم تكن الجبال والأنهار والبحار والصحارى مجرد معالم طبيعية صامتة أو حدوداً جامدة على الخرائط المصطنعة ، بل أدت دوراً أساسياً في تحديد مسارات الهجرة وطرق التجارة ، ورسم حدود النفوذ ، وتشكيل طبيعة العلاقات بين الأمم والشعوب . ولهذا ظل الشرق الأوسط عبر القرون ملتقى فريداً للحضارات والثقافات وميدانًا مفتوحاً للتحولات الكبرى .
الخلاصة والتطور الحديث :
تطور المشهد الديمغرافي والسياسي في الشرق الأوسط عبر مراحل مفصلية متصلة :
العصر الإسلامي المبكر والوسيط : تميز بالانصهار الثقافي واللغوي ( التعريب والأسلمة ) مع بقاء التعددية العرقية والدينية تحت مظلة الخلافة ونظام الحماية ورعايا الدولة ( أهل الذمة ) .
العصر العثماني والصفوي : تميز بتقسيم المنطقة إلى نفوذ تركي _ سني ونفوذ فارسي _ شيعي ، مع نظام " الملل " العثماني الذي سمح للأقليات الدينية والإثنية بإدارة شؤونها الذاتية .
العصر الحديث : مع سقوط الدولة العثمانية وظهور الاستعمار الأوروبي وتقسيم المنطقة وفق اتفاقية سايكس _ بيكو ورسم الحدود المصطنعة ، برزت التحديات الكبرى المتعلقة بصعود القوميات ( العربية ، والتركية ، والفارسية ، والكردية ) وتحول التنوع العرقي أحياناً إلى بؤر للنزاعات السياسية والاجتماعية حول الهوية والسيادة .
يبقى التنوع الإثني والديني نتاج حصيلة معقدة تداخلت فيها المؤسسات العسكرية ، والمسارات الدينية ، والتدخلات الدولية ، ليغدو هذا التعدد أحد أهم عناصر الثراء والتاريخ في الشرق الأوسط .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) ابن أثير ، علي بن محمد الشيباني . الكامل في التاريخ . تحقيق : عمر عبد السلام تدمري . بيروت : دار الكتاب العربي ، 1997 م .
- 2 ) المسعودي ، علي بن الحسين . مروج الذهب ومعادن الجوهر . تحقيق : د . محمد محيي الدين عبد الحميد . القاهرة : دار الفكر ، 1973 م .
- 3 ) اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب . تاريخ اليعقوبي . بيروت : دار صادر ، 2010 م .
- 4 ) دواود ، فاروق . الشعوب والقوميات في الشرق الأوسط : دراسة تاريخية وجغرافية . عمان : دار الشروق للنشر والتوزيع ، 2005 م .
- 5 ) صالح ، عبد العزيز . تاريخ الشرق الأدنى القديم . القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية ، 2012 م .
- 6 ) العلي ، صالح أحمد . امتداد العرب في صدر الإسلام والعهود الراشدة والأموية . بيروت : شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، 2000 م .
- 7 ) أوليري ، دي لاسي . الإسلام على مفترق الطرق : دراسة في الأقوام والشعوب الشرقية . ترجمة : د . فؤاد حسنين علي . القاهرة : دار الفكر العربي ، 1998 م .
- 8 ) لويس ، برنارد . الشرق الأوسط : 2000 عام من التاريخ من بزوغ المسيحية إلى العصر الحديث . ترجمة : قاسم عبده قاسم . القاهرة : عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ، 2002 م .
- 9 ) Hourani , Albert . A History of the Arab Peoples . Cambridge : Harvard University Press , 1991 .
- 10 ) Hitti , Philip K . History of the Arabs : From the Earliest Times to the Present . London : Palgrave Macmillan , 2002 .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.