يتناول المقال القيمة التاريخية والأثرية لـ " مسلة الملك ميشع " ( 840 ق.م ) المكتشفة في ذيبان وسط الأردن والمحفوظة حالياً في متحف اللوفر بباريس . وسلط المقال الضوء على مضمون النقش البازلتي الذي يوثق انتصار المملكة المؤابية على بني إسرائيل ، إلى جانب إبراز العبقرية الإدارية للملك في النهوض بالبنية التحتية ، والزراعة ، وتأمين المياه . كما استعرض التحقيق القصة الدرامية لتكسير المسلة بفعل شائعات " كنز الذهب " قبل شرائها وترميمها ، مختتماً بالإشارة إلى الجهود والآمال الأردنية المستمرة لاستعادة هذا الإرث السيادي والتاريخي الأصيل إلى موطنه .

من قيود الأسر إلى صدارة الحكم : سيرة الرقيق العسكري وصناعة التاريخ الإسلامي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تسير عجلة التاريخ البشري في مسارات مألوفة تارة ، ومباغتة تارة أخرى ، بيد أن ظاهرة الرقيق العسكري في الفضاء الحضاري الإسلامي تظل المشهد الأكثر دهشة وغرابة . إنها قصة تكسر المنطق التقليدي للأشياء ، فكيف تحولت تلك السواعد التي كبلتها يوماً قيود النخاسة إلى جدار الصد الصلب لحماية الثغور ، واليد الضاربة التي تقود الجيوش ، والجباه التي توجت ببريق السلطة ؟ إن الغوص في هذا المبحث يتجاوز مجرد سرد حكايات الماضي ، ليضعنا أمام تفكيك عميق لفلسفة بناء الدول ، وهندسة النظم العسكرية والإدارية التي أعادت رسم خارطة الشرق الأوسط لقرون طويلة .

الفصل الأول : الرق في الإسلام .. الفلسفة والسياق :

مفهوم الرق وجذوره الغابرة :

​في المعاجم ، يُعرف الرق لغة بالعبودية ، وفي الاصطلاح هو عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر . وتفكيك هذه الظاهرة يقتضي العودة إلى بداياتها الأولى لدى الأمم البدائية ، يوم كان الأسر في غمرات الحروب المورد الأساسي لتغذية هذا النظام ، حيث كان المهزوم يقف بين خياري القتل أو الاسترقاق .

​ولم تكن حواضر العالم القديم بمعزل عن هذا العرف السائد ، ففي حضارة ما بين النهرين ، وضعت شريعة حمورابي بنوداً صارمة لتنظيم شؤون العبيد . وفي حضارة الإغريق ، نظر الفيلسوف أرسطو إلى الرق بوصفه قانوناً طبيعياً ، زاعماً أن قوماً خُلقوا للسيادة وآخرين خُلقوا للتبعية . أما في حضارة الفراعنة ، فقد سُخر الأرقاء لبناء الصروح العملاقة ، في حين بلغت الظاهرة ذروتها في حضارة الرومان حيث تحول العبيد إلى آلات بشرية في المزارع ومادة دموية للتسلية في حلبات المصارعة .

الأديان السماوية وموقف الإسلام الثوري :

​عرفت الرسالات السماوية السابقة هذا النظام ، ففي اليهودية تضمنت الأسفار تشريعات تنظم شؤون الرقيق . وجاءت المسيحية لتنشر قيم المحبة والإخاء دون أن تصطدم مباشرة بالواقع القانوني للإمبراطورية الرومانية الذي كرس الاستعباد .

​وعندما أشرق نور الإسلام في ربوع الجزيرة العربية ، كانت تجارة الرقيق ركناً راسخاً في البنية الاقتصادية والاجتماعية للعرب قبل الإسلام . هنا ، جاء الموقف الإسلامي بمثابة ثورة تشريعية متدرجة ، إذ لم يلغِ هذا النظام بقرار مفاجئ تجنباً للتصدع الاقتصادي ، بل جفف منابعه التي انحصرت في أسرى الحروب المشروعة ، وفتح في المقابل مسارات واسعة للحرية .

​ولقد ابتكر الإسلام طرقاً متعددة لتحرير الأرقاء ، منها :

1 . العتق : وهو التحرير المباشر طلباً لمرضاة الله ، وجعله كفارة للخطايا .

2 . المكاتبة : وهي عقد مالي يشتري به العبد حريته بكسب يده .

3 . التدبير : وهو ربط حرية العبد برحيل سيده عن الدنيا .

4 . التبعيض : عتق جزء من العبد المشترك بين الشركاء .

5 . أم ولد : وهي الأمة التي تنجب من سيدها ، فتغدو حرة بمجرد وفاته .

6 . مصارف الزكاة : إذ خُصص سهم معلوم لفك الرقاب من مال الزكاة .

7 . ضرب العبد : فجعل التعدي بالضرب المبرح سبباً موجباً لعتق العبد شرعاً .

​هذا التحول التشريعي غيّر بالضرورة طبيعة الأعمال التي يزاولها الرقيق ، فبعد أن عانى الرقيق في الحضارات القديمة وطأة السخرة ، ولدى العرب قبل الإسلام مشقة الرعي والخدمة ، ارتقى بهم الإسلام ليغدوا شركاء في عمارة الأرض تجارة ، وزراعة ، وفكراً ، وتربية .

الفصل الثاني : الرقيق العسكري .. نشأة الظاهرة ومساراتها :

من عواصف العباسية إلى قمم الأيوبية :

​يُقصد بالرقيق العسكري أولئك الفتية الذين يجلبون صغاراً ، فيُفطمون على الفروسية والتربية العسكرية والثقافية ، لتشكيل جيش نظامي خالص الولاء لولي الأمر . وقد بزغت أصول الرقيق العسكري وبداياته المنظمة في العصر العباسي ، وتحديداً في كنف الخليفة المعتصم بالله الذي استجلب الأتراك ليتخذهم درعاً وسيفاً في وجه الصراعات العربية والفارسية المحتدمة .

​تنامت هذه الظاهرة عبر العصور حتى بلغت الدولة الأيوبية ، فصنع السلطان نجم الدين أيوب بها انعطافة كبرى . وكانت بلاد القبشاك شمال البحر الأسود وأصقاع آسيا الوسطى هي المعين والمناطق التي كان الأيوبيون يجلبون منها الرقيق .

​ولعل الأسباب التي دعت الدولة الأيوبية إلى استخدام الرقيق العسكري تكمن في رغبة السلاطين في إيجاد عصبة عسكرية صلبة تذود عن الدولة أمام الزحف الصليبي ، وتكبح جماح الطامحين من أمراء البيت الأيوبي . ومن هنا ، برز دورهم جلياً في الحياة السياسية والعسكرية ، ففي المضمار السياسي ، تعاظم شأنهم حتى أفل نجم الأيوبيين على أيديهم ، وفي الميدان العسكري ، كانوا هم الإعصار الذي حطم طموحات لويس التاسع في المنصورة .

الفصل الثالث : في لجة الدولة المملوكية .. السيف والسيادة :

شرعية الحكم وهندسة الجيش :

​مثلت دولة المماليك الذروة السامقة لظاهرة الرقيق العسكري . وعلى الرغم من أزمة شرعية نظام الحكم التي واجهتهم في مستهل أمرهم لكونهم حديثي عهد بالرق ، إلا أن الملاحم الكبرى التي سطروها بدمائهم في كسر زحف المغول والصليبيين وهبتهم شرعية تاريخية لا تُنازع .

​وقد انتظم الجيش المملوكي في فئات وأنواع متعددة من الرقيق العسكري تفاوتت أثمان كل فئة منها بحسب المهارة والعرق ، نذكر منها :


​وتمايزت جنسيات الرقيق العسكري في الدولة المملوكية لتشمل الأتراك وهم عماد المماليك البحرية_ ومجتمعاتهم ، والجركس أو الشراكسة الذين شيدوا صرح دولة المماليك البرجية ، فضلاً عن التركمان ، والأكراد ، والروم ، والتتار ، والعبيد السود .

​وكان هؤلاء يخضعون لسلم ترقية صارم يبتدئ من مملوك مجلب في غرف الطباق ، ليرتقي بالجهد والبسالة إلى رتب عسكرية رفيعة كأمير مائة مقدم ألف . وقد تسلحوا بأسلحة فردية هجومية كالسيوف ، والرماح ، والأقواس والسهام ، وأسلحة فردية وقائية كالدروع ، والخوذ ، والتروس . بل إنهم تجاوزوا حدود الميدان ليتغلغلوا في صلب الإدارة المملوكية ويتقلدوا أرفع الوظائف الديوانية كالحجاب والوزارة .

الفصل الرابع : النبض الاقتصادي والاجتماعي للمماليك :

الاقتصاد ومظاهر الحياة الاجتماعية :

​لحفظ ولائهم المطلق ، أغدقت الدولة نفقات ضخمة للرقيق العسكري ، فمنحتهم الإقطاعات وهي مساحات زراعية يؤول ريعها إليهم ، فضلاً عن النفقات النقدية الجامكية ، والنفقات العينية من الكسوة والخيل . ولأجل استدامة هذا الإنفاق الباذخ ، كانت الدولة تلجأ حيناً بعد حين إلى المصادرات التي تطال كبار أرباب الأموال .

​واجتماعياً ، تأنق سوق تجارة وتاجر الرقيق الخواجا الذي كان يتقلب في أعطاف الحظوة لدى السلاطين . وكانت تربية المماليك تخضع لمنهاج دقيق في أماكن إقامة خاصة تدعى الطباق في جنبات القلعة ، ليتعلموا فيها الفروسية وآداب الشريعة . ولتزجية الوقت ، شاعت ألعاب الرقيق العسكري كألعاب القبق الرماية ولعب الكرة البولو .

​وعلى الرغم من اندماجهم في المجتمع الإسلامي ، فقد احتفظ هؤلاء ببعض العادات والتقاليد المستقاة من مواطنهم الأصلية ، والتي انعكس بوضوح على ملابس الرقيق العسكري من حيث طراز الأقبية ونوعية الأقمشة الفارهة التي كرست تمايزهم الطبقي .

​إن ملحمة الرقيق العسكري في الدولة الإسلامية تبرهن على عبقرية النظام الحضاري الإسلامي الذي صهر شتات الأعراق في بوتقة واحدة . لقد تحول هؤلاء الفتية الذين قذفت بهم أقدار النخاسة إلى أسواق البيع ، ليكونوا هم الدرع الحصين الذي ذاد عن حمى الحضارة الإسلامية ضد أعتى الطغاة ، مبرهنين للزمان أن الكفاءة والتربية هما الوقود الحقيقي لصناعة القادة وبناء الأمجاد .

قائمة المصادر والمراجع :

​1 . ابن تغري بردي ، جمال الدين أبي المحاسن يوسف ت 874 هـ : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، تحقيق محمد حسين شمس الدين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1992 م .

2 . ابن واصل ، مفرّج بن سالم ت 697 هـ : مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب ، تحقيق حسنين محمد ربيع ، دار الكتب والوثائق القومية ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 2004 م .

3 . المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي ت 845 هـ : السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق محمد عبد القادر عطا ، الطبعة الأولى ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1997 م .

4 . الباشا ، حسن : الفنون والوظائف على الآثار في العصر المملوكي ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1965 م .

5 . عاشور ، سعيد عبد الفتاح : العصر المماليكي في مصر والشام ، الطبعة الثانية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1976 م .

6 . زيادة ، نقولا : دمشق في عصر المماليك ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بيروت ، 1966 م .

7 . سالم ، السيد عبد العزيز : تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1981 م .

8 . العريني ، السيد الباز : المماليك ، دار النهضة العربية ، بيروت , 1967 م .

9 . طقوش ، محمد سهيل : تاريخ دولة المماليك في مصر والشام ، الطبعة الأولى ، دار النفائس ، بيروت ، 1997 م .

10 . حتاملة ، محمد عبده : النظم الإسلامية ، الطبعة الأولى ، دار المناهج للنشر والتوزيع ، عمان ، 2000 م .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 . ابن تغري بردي ، جمال الدين أبي المحاسن يوسف ت 874 هـ : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، تحقيق محمد حسين شمس الدين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1992 م .
  3. 2 . ابن واصل ، مفرّج بن سالم ت 697 هـ : مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب ، تحقيق حسنين محمد ربيع ، دار الكتب والوثائق القومية ، مطبعة دار الكتب ، القاهرة ، 2004 م .
  4. 3 . المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي ت 845 هـ : السلوك لمعرفة دول الملوك ، تحقيق محمد عبد القادر عطا ، الطبعة الأولى ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1997 م .
  5. 4 . الباشا ، حسن : الفنون والوظائف على الآثار في العصر المملوكي ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1965 م .
  6. 5 . عاشور ، سعيد عبد الفتاح : العصر المماليكي في مصر والشام ، الطبعة الثانية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1976 م .
  7. 6 . زيادة ، نقولا : دمشق في عصر المماليك ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بيروت ، 1966 م .
  8. 7 . سالم ، السيد عبد العزيز : تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1981 م .
  9. 8 . العريني ، السيد الباز : المماليك ، دار النهضة العربية ، بيروت , 1967 م .
  10. 9 . طقوش ، محمد سهيل : تاريخ دولة المماليك في مصر والشام ، الطبعة الأولى ، دار النفائس ، بيروت ، 1997 م .
  11. 10 . حتاملة ، محمد عبده : النظم الإسلامية ، الطبعة الأولى ، دار المناهج للنشر والتوزيع ، عمان ، 2000 م .