تُجسد مغامرات نيلز رحلة تربوية وإنسانية فريدة لتحول طفل شقي إلى رمز للخير والنقاء عبر استكشاف ربوع السويد .

مغامرات نيلز : سحر الطفولة ورحلة التحول في ربوع لابلاند

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​حين يتأمل المرء ذكريات الطفولة البريئة ، تطل عليه أعمال خالدة حفرت في الوجدان أعمق الأثر . وعلى تخوم السويد الممتدة نحو الشمال البارد ، حيث تتناغم الطبيعة الساحرة مع خبايا الأساطير القديمة ، تقبع قصة كرتونية فريدة أسرت قلوب ملايين المشاهدين حول العالم . إنها حكاية مغامرات نيلز ؛ تلك التحفة الفنية التي صاغت بحرارة حكاية طفل شقي تحول بفعل القدر إلى كائن صغير يعايش الطبيعة عن قرب ، متجاوزاً قسوة الطباع وظلمات النفس لتتفتح بصيرته على جمال الوجود ، مصداقاً لقول الله تعالى في كتابه العزيز : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَليلاً } .

​جذور الحكاية : كيف انطلقت رحلة التحول العجيبة ؟

​لا تبدأ قصة نيلز هولغيرسون وليدة الصدفة ، بل تعود جذورها الإبداعية إلى رواية الأديبة السويدية الشهيرة سلمى سلغرلاف ( Selma Lagerlöf ) الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1906 م تقديراً لمساهمتها الأدبية الفريدة . في البداية ، واجه المسؤولون تحديات جمة تمثلت في ضجر أطفال السويد وعدم رغبتهم في حضور دروس الجغرافيا وقلة اهتمامهم بالمادة ، لكن الكاتبة ابتكرت حلولاً ملهمة تمثلت في القيام بجولة شاملة عبر مختلف أنحاء السويد لاستكشاف مناظرها الطبيعية الخلابة وثقافاتها المتنوعة ، مما أضفى عمقاً وغنىً بالغين على روايتها التي صُدرت في الأصل على جزئين مستقلين ( الأول سنة 1906 م والثاني سنة 1907 م ) . في ذلك الحين ، ظهر بطلنا فتىً شريراً ومتمرداً يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً ، دأب على إيذاء حيوانات المزرعة والعبث بالطبيعة وكل ما حوله باهتمام منعدم بعواقب أفعاله ، إلى أن قبض عليه قزم سحري ( ممثلاً لقوى خفية ) ليقضي بعقوبته محولاً إياه إلى جنية صغيرة أو قزم بالغ الصغر لا يتجاوز حجم كف اليد ، ليجد الصبي نفسه فجأة قادراً على النطق وفهم لغة الطيور والحيوانات التي طالما قسا عليها مسبقاً .

​لقد عُرفت تلك المساحات الشاسعة في شمال السويد ، وتحديداً إقليم لابلاند الساحر الممتد وسط طبيعة بكر وجبال شاهقة قطعها السرب الطائر في مسيره ، بـ " فضاء المغامرة الكبرى " ؛ وهي الحاضنة الطبيعية التي استقر فيها نيلز برفقة أوزة منزلية ( أو أوزة المزرعة المدللة ) المُسماة " مورتون " ( أو مورتين ) المنضمة إلى سرب من الأوز البري تحت إمرة الإوزة الحكيمة " آكا " ( أو أكسة ) ، ليتخذها رفيقاً ودوداً وصديقاً في دربه . وهكذا استهل الصغير رحلته المديدة طائراً في العلاء فوق الغابات المترامية والبحيرات الصافية ، محولاً جفاء الطفولة المشاكسة إلى وعي عميق بالمسؤولية والانتماء المكاني ، مستشعرين عظمة المعنى القرآني في التفكر بخلق السماوات والأرض : { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } .

​تفاصيل درامية ومظاهر فريدة في رحلة نيلز :

​لم يقتصر حضور مغامرات نيلز على إطار التسلية البريئة فحسب ، بل تجسد العمل كنموذج تربوي وحضاري فريد انعكس في تفاصيل القيم الإنسانية والعبر المستخلصة :

​1  ) الصداقة والوفاء النادر ( علاقة نيلز بمورتون ) : حافظ نيلز طوال رحلة مغامراته على رابطة وفاء استثنائية ربطته بالوز " مورتون " ، ذلك الطائر النبيل الذي حمل رفيقه الصغير على جناحيه طيلة أطوار الرحلة المضنية ، مجسداً أسمى معاني التضحية والمؤاخاة الحقة انطلاقاً من قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } .

2  ) مواجهة المخاطر والشر ( الثعلب سمير أو شمشون ) : اتسمت مجريات القصة بصراعات محتدمة ومشوقة مع مخاطر البيئة البرية والحيوانات الضارية ، إلى جانب الثعلب الماكر " سمير " ( أو شمشون ) الذي واصل تعقب سرب الأوز البري بلا هوادة ؛ إذ تعرض نيلز خلالها للاختطاف من قبل الغربان وسوء المعاملة بتحريض من الثعلب قبل أن ينجو بنفسه مستعيناً بالحيل التي اكتسبها ، مبدياً شجاعة مفرطة وذكاءً حاداً لحماية صحبه الجدد ، تجسيداً لحقيقة الصراع الأبدي بين قوى الخير والشر .

3  ) حكمة القيادة والطبيعة : تميزت القائدة الحكيمة للأسر " آكا " بخبرة عميقة وتبصر واسع في إدارة رحلة الهجرة الموسمية باتجاه الشمال ، متيحة لنيلز تلقي دروس بليغة في الاعتماد على النفس ، والتعلق بالوطن ، وصيانة التوازن البيئي الفريد الذي تحميه وتصونه الطبيعة الاسكندنافية .

​المحطات النابضة بالعبر : مدن وقلاع أنموذجاً :

​بين طيات المحطات التاريخية والجغرافية المحتفظة بملامح ذلك المسير البديع ، تبرز المدن والقرى السويدية متألقة كاللآئي المزينّة لمتن الرواية . وحين يجوب المرء دروب تلك العوالم ، ولا سيما المعالم الساحرة التي تنقل عبرها نيلز والجمهور متجرعين جمال الطبيعة السويدية ( متمثلة في الغابات الكثيفة والبحيرات المائية الصافية والجبال الشامخة ) ، حيث تتماهى الأساطير الشعبية بالدراما الإنسانية لتغدو شاهداً حياً على تعاقب العصور ، أو يرتاد المسار الطويل الممتد عبر جبال لابلاند الوعرة ، تأسر الإنسان تلك المشاهد العاطفية النافذة بعيداً عن صخب الحياة اليومية :

​1  ) المدن العائمة والتاريخ الجغرافي : تتوسط مسار المحطات مدن أثرية فريدة في حواضر الشمال الأوروبي ، حيث كان التوقف في كل محطة ( وكلما انتقلوا من بقعة إلى أخرى ) يعرّف الأطفال بتضاريس البلاد وتاريخها وثقافتها في قالب شيق ومسلٍ ، لتشهد الشواخص المعمارية والطرقات الحجرية على تحول بطل القصة من طفل مشاكس إلى منقذ بسيل من الشجاعة لأهل قريته والحيوانات .

2  ) الدروس الأخلاقية والعودة إلى الحجم الطبيعي : تخللت هذه الرحلة مواقف إنسانية عميقة غمرتها مشاعر التوبة الصادقة والأسف على ما سلف من أخطاء ، حيث تجسدت لحظات استعادة نيلز لحجمه الطبيعي ورجوعه إلى أحضان والديه غارقاً في الندم على أفعاله السابقة ، وذلك عقب إثباته لطيبة قلبه ، وشهامته ، وجدارة تعديل سلوكه تجاه المحيطين به ، واستعداده للتضحية في سبيل الآخرين ، استذكاراً لمضمون الجزاء والتحول الأخلاقي النبيل .

3  ) التقاليد الحية : لم يقتصر الأثر المترتب على حدود المغامرة وحدها ، بل امتد ليغرس قيماً اجتماعية رفيعة تركت بصمات خالدة في وجدان الأجيال المتعاقبة ؛ فقد أثمر نجاح الرواية عن إحياء شغف مادة الجغرافيا في قلوب الأطفال لتغدو مادة خصبة بالبهجة والاكتشاف ، وتتوج هذه المسيرة بتحويل مغامرات نيلز في عام 1980 م إلى مسلسل كرتوني ياباني مؤلف من 52 حلقة عزز انتشار العمل وضاعف جاذبيته أمام شرائح واسعة من الجمهور ، مكرساً نيلز ومورتون كأيقونتين للتعلم والمغامرة .

​الهوية والوجدان : كيف صاغ العمل وجدان الأجيال ؟

​على امتداد عقود طويلة ، تغلغلت شخصية نيلز بعمق داخل الوجدان العربي والعالمي ، لدرجة أن الأجيال التي نشأت على متابعة هذه السلسلة ما زالت تستحضر تفاصيلها بدقة متناهية في خضم عالم معاصر متسارع الخطى . وبات هذا العمل يمثل اليوم نموذجاً ساطعاً ومضيئاً للتربية الواعية والتأمل الواعي في بديع خلق الله تعالى من غير أي تنازل عن الثوابت القيمية ؛ فالمتابعون هم أوفياء لرسالة الفن رفيع المستوى ، وفي ذات الوقت حراس أمناء لذكريات الطفولة الساحرة ، متشبثين بالعروة الوثقى التي لا تنفصم عراها ، حيث تلتقي رحاب الخيال بغزارة المعرفة لتفتح أمام مدارك الأطفال آفاقاً مستجدة لرؤية عالمهم المحيط .

​كلمة أخيرة :

​رحلة في زوايا الزمن الجميل !

​إن مغامرات نيلز تتجاوز مفهوم البرامج الكرتونية العابرة أو قصص الأطفال المعتادة ، لتستقر كعمل أدبي يستحق أسمى عبارات الثناء ، وشاهد حي على قدرة التربية والرحلات الباطنية للإنسان على تهذيب النفوس وصقل الطباع مستندةً إلى روح التسامح والمحبة . ومن يمعن النظر في استرجاع هذه الحكاية لا يسعه سوى الوقوف إجلالاً وإكباراً أمام منجز خالد صان براءة الطفولة بقلوب تفيض بالحنين وذاكرة أبدية لا تشيخ .

​ألم تدرك بعد مدى سحر تلك الرحلة الخيالية التي تجسد قصة ارتقاء الإنسان نحو النقاء والخير في أقصى الشمال ؟

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) رواية : مغامرات نيلز المدهشة ( Nils Holgerssons underbara resa genom Sverige ) ، تأليف : سلمى سلغرلاف ( Selma Lagerlöf ) ، الجزء الأول 1906 م ، والجزء الثاني 1907 م .
  3. 2  ) أرشيف جُوائز نوبل : توثيق منح جائزة نوبل للآداب عام 1906 م للأديبة السويدية سلمى سلغرلاف .
  4. 3  ) أرشيف تاريخ إنتاج الرسوم المتحركة : توثيق إطلاق المسلسل الكرتوني الياباني ( أنمي ) لقصة مغامرات نيلز في عام 1980 م ( مكون من 52 حلقة ) .
  5. 4  ) الدراسات النقدية والتاريخية التوثيقية المتعلقة بأدب الأطفال الاسكندنافي وتطور المناهج الجغرافية في المدارس السويدية .