يُعدّ برنامج " المناهل " التعليمي الأردني أيقونةً فكريةً وتربويةً خالدةً استمدّت جذورها من برامج عالمية لتغرس قواعد اللغة العربية بأسلوب مشوق ترك أثراً عميقاً في وجدان الأجيال العربية .
برنامج المناهل : الفكرة والصولات التأصيلية والأثر الواسع في وجدان الأجيال
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين يتأمل المرء محطات الإعلام الهادف في تاريخنا المعاصر ، تطل عليه أعمال تلفزيونية خالدة صاغت الوعي التربوي والثقافي بأطياف الفرح والمعرفة . ومن بين درر التلفزيون الأردني الخالدة ، يبرز برنامج المناهل التعليمي كأيقونة فكرية فريدة أسرت قلوب الملايين في الأردن وخارج حدود الوطن العربي . إنها حكاية برنامج عابر للزمان والمكان ؛ استمد جذوره من أفكار عالمية مبتكرة ليطوعها ببراعة تامة مع روح لغة الضاد وثقافة المجتمع العربي ، مصداقاً لقول الله تعالى في محكم كتابه : { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً } .
جذور الفكرة : الاقتباس الذكي والنموذج الأمريكي الملهم
لا تنفصل فكرة برنامج المناهل عن مساعي التطوير التربوي العالمي ؛ فقد استُلهمت فكرته الأساسية وتصميمه التربوي المبتكر من البرنامج التعليمي الأمريكي الشهير المعروف باسم ذا إلكتريك كومباني ( The Electric Company ) ، والذي أثبت نجاحاً منقطع النظير في دمج الترفيه بالتعليم المنهجي للأطفال . غير أن عبقرية القائمين على التلفزيون الأردني ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك تمثلت في عدم الاكتفاء بمجرد النقل الحرفي ، بل قاموا بعملية توطين إبداعي واسترشاد ثقافي متكاملة ؛ حيث تحولت الفكرة لتتمركز كلياً حول قواعد اللغة العربية الفصحى ، والإملاء ، والنحو ، والصرف ، والآداب اللغوية ، مبتعدين عن الجمود التقليدي لتغدو اللغة العربية مادة حية متدفقة بالتشويق والمتعة والجاذبية .
لقد عُرفت تلك المساحات المبتكرة داخل استوديوهات التصوير الأردنية ، وتحديداً الديكورات التراثية والحديثة المتقنة التي صُممت لتمثل بيئة عربية افتراضية نابضة بالحياة قطعها فريق العمل في مسيره التعليمي ، بـ " فضاء المعرفة الكبرى " ؛ وهي الحاضنة الطبيعية التي استقر فيها أبطال البرنامج وشخصياته المحبوبة ، ليتخذهم المشاهدون رفقاء وأساتذة في دروب التعلم . وهكذا استهل البرنامج رحلته المديدة طارقاً أبواب كل منزل عربي ، محولاً جفاء القواعد النحوية الصعبة إلى وعي عميق باللغة والانتماء الهوياتي ، مستشعرين عظمة المعنى القرآني في التفكر بأهمية العلم والبيان : { الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } .
مدة العرض ، عدد الحلقات ، وسنوات العمل والإنتاج :
انطلق هذا الصرح التربوي الفريد في عام 1987 من استوديوهات الشركة الأردنية للإنتاج التلفزيوني والإذاعي والسينمائي ، مستمراً في تقديم رسالته السامية لعدة سنوات من العمل الجاد والمتواصل الذي ترك بصمة لا تُنسى في الخريطة البرامعية العربية . وقد بلغ إجمالي حلقات البرنامج 130 حلقة موزعة على أجزاء ومواسم متتالية ، شكلت في مجموعها موسوعة مرئية متكاملة لتعليم القواعد والتهجئة والآداب اللغوية بأسلوب مشوق ومبتكر .
أبرز الممثلين الأردنيين والشخصيات والفقرات الفريدة في البرنامج :
تميز برنامج المناهل بتركيبة درامية وفنية متفرّدة جمعت نخبة من ألمع نجوم الدراما والمسرح الأردنيين الذين قدموا أداءً رفيع المستوى ، تخللته فقرات متنوعة تركت بصمات لا تُنسى في الذاكرة :
1 ) نخبة الممثلين الأردنيين ( أداء درامي راقٍ ) : ضم العمل كوكبة لامعة من الممثلين الأردنيين البارزين الذين أضفوا حيوية محببة على المواقف التعليمية ، وفي مقدمتهم الفنان القدير ربيع شهاب ، والفنانة أمل دباس ، والفنان تيسير عطية ، والفنانة ريم سعادة ، والفنان أحمد قوادري ، والفنان حسين أبو حمد ، إلى جانب الكاتب والفنان الكبير هشام يانس ( كبير الكتّاب وأحد أبرز صناع العمل ) ، والذين قدموا دروس النحو والصرف والتهجئة عبر صراعات كوميدية هادفة ومواقف درامية ممتعة مع الأخطاء اللغوية .
2 ) أبرز الفقرات والشخصيات : اشتمل البرنامج على فقرات ومحاور شهيرة مثل مغامرات أبي الحروف ، ومطبخ فرحان ، والفريق السري ، وشخصيات زيد وعمرو ، وخربوط ، إلى جانب استعراض قواعد الإملاء ، والتمييز بين الحروف المتشابهة ، وتصحيح الأخطاء الشائعة في النطق والكتابة ، والأناشيد التربوية المصورة التي رسخت القواعد في أذهان الناشئة بيسر تام .
3 ) حكمة العرض والتشويق البصري : تميزت منهجية العرض بخبرة تربوية عميقة وتبصر واسع في تبسيط العلوم اللغوية الصعبة ، متيحة للأطفال تلقي دروس بليغة في حب لغة الضاد والاعتزاز بالتراث الثقافي العربي .
الانتشار الواسع والجوائز الرفيعة والتقدير العربي :
لم يقتصر نجاح برنامج المناهل على النطاق المحلي الأردني ، بل تجاوز الحدود الإقليمية ليحقق انتشاراً واسعاً ومذهلاً في مختلف أرجاء الوطن العربي ؛ إذ حرصت معظم محطات التلفزيون العربية في حقبة الثمانينيات والتسعينيات على بث الحلقات نظراً لقيمتها التربوية العالية ونظافة محتواها الفني . ونتيجة لهذا التميز الميداني والتربوي ، حصد البرنامج العديد من الجوائز والتكريمات الإقليمية والدولية في مهرجانات التلفزيون والإنتاج البرامجي ، تقديراً لدوره الريادي في حماية اللغة العربية الفصحى وتقديم نموذج تلفزيوني فريد يجمع بين الأصالة المعرفية والابتكار الإخراجي .
الأثر العميق على المجتمع الأردني والعربي :
تغلغل برنامج المناهل بعمق داخل الوجدان المجتمعي الأردني والعربي ، لدرجة أن الأجيال التي نشأت على متابعة حلقاته ما زالت تستحضر تفاصيلها وأناشيدها بدقة متناهية . وقد تمثل أثره المجتمعي فيما يلي :
1 ) ترسيخ حب اللغة العربية : نجح البرنامج في كسر حاجز الرهبة بين الأطفال واللغة الفصحى ، محولاً النحو والقواعد إلى مادة محببة قريبة من القلوب .
2 ) الارتقاء بالذائقة الإعلامية : قدم نموذجاً تربوياً يحتذى به في الإعلام الهادف الذي يحترم عقل المشاهد وينمي قدراته الفكرية واللغوية .
3 ) بناء الهوية الثقافية الواعية : ترك بصمات خالدة في تعزيز الانتماء للعروبة ولغة القرآن الكريم في خضم التحديات الثقافية المعاصرة .
كلمة أخيرة :
عالم من البيان واللغة الخالدة !
إن برنامج المناهل يتجاوز مفهوم البرامج التلفزيونية العابرة أو الحصص المدرسية المعتادة ، لتستقر كعمل تربوي وإعلامي يستحق أسمى عبارات الثناء ، وشاهد حي على قدرة الإعلام الهادف على تهذيب النفوس وصقل الألسنة مستندةً إلى روح الفصحى والمحبة والمثابرة . ومن يمعن النظر في استرجاع هذه التجربة لا يسعه سوى الوقوف إجلالاً وإكباراً أمام منجز وطني خالد صان براءة الطفولة وسلامة اللغة بقلوب تفيض بالحنين وذاكرة أبدية لا تشيخ .
ألم تدرك بعد مدى سحر تلك التجربة الخالدة التي تجسد قصة ارتقاء الإنسان نحو الفصاحة والنقاء في أرجاء الوطن العربي الواسع ؟
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) أرشيف مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردني : توثيق برامج التعليم المدرسي والثقافي .
- 2 ) أرشيف مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية : توثيق إنتاج برنامج المناهل التعليمي .
- 3 ) الدراسات التربوية والإعلامية التوثيقية المتعلقة بتاريخ برامج الأطفال التعليمية وتطوير مناهج اللغة العربية في الوطن العربي .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.