يستعرض هذا المقال ، الأهمية التاريخية والحضارية لمدينة أم الجمال الأثرية في الأردن .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
جوهرة المفرق وموقعها الاستراتيجي في البادية الشمالية :
تتوسّط أراضي البادية الشمالية في المملكة الأردنية الهاشمية واحدة من أعظم الشواهد المعمارية والحضارية التي خلفتها عصور التاريخ المتعاقبة ، إنها مدينة أم الجمال الأثرية التي تقع في شمال شرقي الأردن على بعد 86 كيلومترا من العاصمة عمان على الطريق الواصل لبغداد وقريباً من الحدود السورية . هذه المدينة الفريدة التي تُعرف بعدة أسماء تاريخية مثل ( كانثا ) و ( بيت جمل ) ولقب ( الواحة السوداء ) نسبةً إلى صخورها البازلتية البركانية الداكنة والأحجار الكثيرة المستخدمة في بنائها ، تمثل متحفاً مفتوحاً ينبض بعبق الماضي السحيق وحكايات القوافل التجارية العابرة .
الجذور التاريخية وتتابع الحضارات الإنسانية :
يرجع تاريخ هذه المدينة العريقة إلى العصر الروماني البيزنطي ، وقد بنيت في إحدى مستوطنات النبطيين القديمة من الطوب البازلتي الأسود المدعم بقوالب مستطيلة من البازلت أيضاً وازدهرت في القرن الأول قبل الميلاد . وفي بادئ الأمر ، كانت أم الجمال مركزاً صغيراً ازداد أهمية بازدهار التجارة على خط البترا - الشام ، وتعتبر إحدى المدن في حلف الديكابولس حيث كانت تعرف باسم ( كانثا ) الذي أقيم أيام اليونان والرومان وعرفت أيضاً بـ ( بيت جمل ) لكثرة القوافل التجارية التي كانت تمر بها ، وكان يضم عشر مدن في المنطقة الواقعة عند ملتقى حدود الأردن وسوريا وفلسطين .
وقد تعاقبت عليها الحضارات لترسخ مكانتها ، إذ يستمر حضور التاريخ في أم الجمال في الفترة الرومانية المبكرة بداية القرن الثاني الميلادي حيث أخذت بعداً عسكرياً لحماية الطرق الرئيسة للإمبراطورية ، والتي من أهمها طريق تراجان الذي يصل بصرى الشام وميناء العقبة . ثم تتوسع أم الجمال في الفترة الرومانية المتأخرة ويتم تحصينها بالأسوار المحيطة ، لكن هذا لم يمنع تدميرها على أيدي التنوخيين ومملكة تدمر عام 270 - 273 ميلادي . ومع تعاقب العصور ، يعتقد أن الأمويين سكنوا هذه المدينة بشكل كثيف ، ويبدو أنها تعرضت لزلزال قبل أن ينتقل مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد إبان الخلافة العباسية مما أدى إلى هجرها تدريجياً .
العبقرية المعمارية وهندسة الحجارة البازلتية وإدارة المياه :
تنفرد أم الجمال بمعمارها الذي يضم أروع البوابات الحجرية واستغلالها للطبيعة البركانية الصعبة بأفضل وسيلة عبر استخدام كتل الحجر البازلتي الأسود لتشييد المباني والمنازل والأسوار . كما توجد في المدينة بقايا حصون حضنت في داخلها كنائس كثيرة بين كبيرة وصغيرة وأحواض ماء مسقوفة أو مكشوفة فضلاً عن بقايا موقع عسكري روماني وآثار للكنائس البيزنطية والإسلامية المبكرة التي تعكس تتابع الاستيطان البشري وأهميته العمرانية عبر مختلف العصور .
ولما كانت المدينة بعيدة عن أي مصدر طبيعي للمياه ، فقد أبدع سكانها في توفيرها رغم صعوبة ذلك ، حيث تزخر بأعداد كبيرة من أحواض المياه للاستخدام الخاص والعام ، ويُرجح وجود بعض القنوات لجر المياه من تحت الأرض أن هؤلاء الناس كانوا يحصلون على المياه عن طريق سحبها من أماكن بعيدة بواسطة هذه القنوات المعقدة والمستدامة . فضلاً عن ذلك ، عُثر في أم الجمال على فسيفساء قديمة تمثل نهر الأردن وعلى جانبيه المدن والقرى التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس ، والمذبح النبطي المكتوب باللغتين النبطية والإغريقية ، وكذلك نصيبة قبر فهر بن سلي مؤدب جذيمة ملك تنوخ باللغتين الإغريقية والنبطية .
ملتقى الطرق التجارية وعالمية التراث :
اشتهرت أم الجمال تاريخياً أنها كانت ملتقى للطرق التي ربطت فلسطين والأردن بسوريا والعراق ، حيث تقع على طول طريق تراجان وتشكل محطة في منتصف الطريق الذي يصل بين فيلادلفيا ( عمان ) وبصرى أو دمشق ، ومن الأزرق عبر وادي السرحان إلى الجزيرة العربية التجاري . وتكللت هذه المكانة التاريخية الرفيعة بإنجاز وطني يتمثل في إدراج المدينة رسمياً على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو في عام 2024 ميلادي لتتألق عالمياً كموقع أثري استثنائي .
:
ظلّت أم الجمال عصية على النسيان رغم قسوة الزلازل وعوامل الزمن ، شامخة بأحجارها السوداء وبواباتها المعمارية لتؤكد قدرة الإنسان عبر التاريخ على قهر التحديات وصنع الحضارة . إن هذا الإرث الإنساني العظيم بات اليوم منارة عالمية تستقطب الأنظار وتسجل حضورها المستحق على خارطة السياحة والثقافة الدولية ، مما يحتم علينا جميعاً مواصلة صونه ورعايته ليبقى للأجيال القادمة شاهداً حياً على عظمة المجد التاريخي الممتد في ربوع الوطن .











قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) ** الموسوعات والشبكات المعلوماتية ** :
- ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، مادة ( أم الجمال ) . منصة المعماري والتراث ( Archiqoo ) ، مادة ( أم الجمال ) . 2 ) ** التقارير الصحفية والإعلامية ** : وكالة الأناضول للأنباء ، تقرير إخباري ومقال بعنوان : ( « أم الجمال » بالأردن .. « واحة سوداء » عامرة بالتراث الحضاري ) ، تاريخ النشر : 6 / 1 / 2022 م . شبكة زاد الأردن الإخبارية ، تقرير تاريخي بعنوان : ( مدينة أم الجمال الأثرية الأردنية واحة سوداء تفوح بعبق التراث والحضارة ) . التلفزيون الأردني ، برنامج يسعد صباحك ، تغطية ميدانية خاصة حول إدراج أم الجمال على لائحة التراث العالمي . 3 ) ** التقارير الرسمية والمواقع الحكومية ** : وزارة السياحة والآثار الأردنية ، البيان الرسمي حول : ( إدراج موقع أم الجمال الأثري على لائحة التراث العالمي ) ، صادر في يوليو 2024 م . دائرة الآثار العامة الأردنية ، التقارير التوثيقية والميدانية حول أعمال التنقيب والترميم في مواقع البادية الشمالية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.