يتناول المقال تاريخ مدرسة إربد الثانوية للبنين الأولى و مسيرتها التعليمية و دورها الثقافي و الوطني البارز .
مدرسة إربد الثانوية للبنين ( الأولى ) : قلعة المعرفة الشامخة فوق تل إربد
بقلم : قيصر صالح الغرايبه
تُشكل مدرسة إربد الثانوية للبنين ( الأولى ) ، المتربعة بشموخ على قمة تل إربد التاريخي في وسط المدينة ، علامة فارقة في تاريخ التعليم الوطني وبوتقة انصهرت فيها أجيال من رجالات الأردن الأبرار . لم تكن هذه المدرسة مجرد مؤسسة تعليمية تؤدي غرضاً تدريسياً عابراً ، بل كانت منارة فكرية وحضارية وحصناً وطنياً أسهم في صياغة الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي في شمال الأردن وفي عموم البلاد منذ تأسيسها في العهد العثماني وحتى يومنا هذا . وتُعد من أقدم وأعرق المدارس التاريخية والتراثية في المدينة ، وتحظى باهتمام ضمن مشروعات الحفاظ على الهوية المعمارية والتاريخية لوسط إربد .
طبيعة الدراسة والمرحلة التعليمية :
تقتصر الدراسة حالياً في هذه المدرسة العريقة على المرحلة الثانوية حصراً ، وتحديداً لتدريس الفرع العلمي ، حيث تشكل حاضنة أكاديمية متخصصة لإعداد جيل متميز من الطلبة في حقول العلوم المختلفة .
تأسيس المدرسة والجذور الأولى :
تأسست مدرسة إربد الثانوية الشاملة للبنين في بداية عهد إمارة شرقي الأردن وكانت من خلال مساهمات الأهالي ، فأهالي مدينة إربد يقدمون الأرض المناسبة للمدرسة ومعاش المعلم أو المعلمة وكافة المصاريف المتعلقة للمدرسة من بناء وأثاث ولوازم . وفي عام 1922 م ، أشرف نبيه العظمة متصرف إربد على جمع التبرعات من الأهالي لتوسيع المدرسة فمن المعلوم أن حال المعارف عند تأسيس الإمارة كان متواضعاً . وفي عام 1927 م ، أصبحت مدرسة ثانوية كاملة .
بناء المدرسة على الجانب الشرقي من التل ( المبنى التاريخي القديم ) :
يقع مبنى إربد القديم ( حالياً مدرسة حسن كامل الصباح ) على الجانب الشرقي من تل إربد الأثري إلى جانب السرايا ( التي تحولت الآن إلى متحف ) .
وتوجد روايات عديدة حول تاريخ بناء المدرسة ، فتذكر ( سالنامة : مصطلح من أصل فارسي يتكون من مقطعين : « سال » وتعني السنة أو العام ، و« نامه » وتعني الكتاب أو الرسالة « الكتاب او التقرير السنوي » ، ودخلت لاحقاً إلى القاموس التركي العثماني ) ولاية سوريا عام 1882 م المدارس الرشدية في الولاية ومن هذه المدارس مدرسة في إربد وعدد طلابها ( 150 ) طالباً . ويشير الرحالة أوليفانت عند مروره في إربد أنه توجد محاولات للتعليم وذلك بإنشاء مدرسة فيها .
ووجد نقش في قاعة المكتبة بمبنى المدرسة الرشدية قديماً يشير إلى أن الأهالي قاموا بتأسيسه ، مع العلم أن هذا المبنى أُنشئ في عهد السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1901 م ، وكما تشير الدراسات إلى أن مبنى ( مدرسة حسن كامل الصباح ) تم بناؤه على عدة مراحل . وكان البناء مكوناً من ثلاث غرف وبهو بوسطه نافورة ماء بالإضافة إلى حديقة . ومن الجدير بالذكر أن الطلاب الذين كانوا ينهون دراستهم في مدرسة إربد يذهبون إلى دمشق لإكمال الدراسة .
الانتقال إلى المبنى الحديث على الجانب الغربي :
ظلت المدرسة في مبناها القديم حتى عام 1943 م ليتم نقلها إلى الجانب الغربي من تل إربد ببناء حديث ( وما يزال لغاية اليوم ) ، ليصبح المبنى القديم مدرسة للبنات ، وفي عام 1958 م تم نقل مدرسة البنات إلى موقع آخر ، واُفتتح في المبنى القديم مدرسة باسم ( حسن كامل الصباح ) والتي ما زالت حتى يومنا هذا .
يبلغ طول البناء الجديد ستين متراً وبعرض سبعة عشر متراً ، ويتألف من طابقين ، إضافة إلى مبنى مستقل للصالة الرياضية ، ومبانٍ للمقصف والمختبر والمرافق الصحية ومسرح كبير . وقد أطلق عليها عدة تسميات عبر تاريخها مثل : تجهيز إربد ، مدرسة إربد التجهيزية ، وثانوية إربد المتوسطة ، إلى أن استقر الاسم رسمياً على مدرسة إربد الثانوية للبنين ( الأولى ) . وفي العام الدراسي ( 1942 - 1943 م ) ، أطلق عليها اسم ثانوية إربد .
الرعيل الأول من المعلمين والإدارة :
يذكر التاريخ التربوي لنشأة المدرسة جهود الرعيل الأول من المعلمين الذين درّسوا بين فصولها ، ومنهم : الشيخ عبد الحميد السائح ، ويوسف الغرايبه ، وعزت الحابس ، وخليل الساطي ، وإسبر بشور ، وغيرهم الكثير من الاسماء قد لا يتسع المجال لذكرهم ، في حين كان يتولى إدارتها في تلك الفترات المبكرة أعلام مثل المدير عبد القادر التنير ، لتتوالى بعد ذلك القيادات التربوية الحكيمة التي قادت مسيرة الصرح عبر العقود .
صرح تخرجت منه قامات الوطن :
على مدار عقود طويلة ، فتحت مدرسة إربد الثانوية أبوابها لكونها الحاضنة الأولى لطلبة العلم ، فتخرجت منها أجيال متلاحقة تقلدت أرفع المناصب في الدولة الأردنية من وزراء وقادة عسكريين ومفكرين وأدباء وشعراء وأكاديميين بارزين . ويبرز من أسماء الخريجيين الأعلام الذين كان لهم دور محوري في الحياة العامة والوطنية :
فوزي الملقي
وصفي التل
عبد الرؤوف الروابدة
ذوقان الهنداوي
فهد جرادات
سالم مساعدة
حمد الفرحان
سعيد التل
فضل الدلقموني
عزت جرادات
عبد الرزاق طبيشات
شفيق ارشيدات
بشير الصباغ
خليل السالم
صلاح أبو زيد
صادق الشرع
فوزي غرايبة
طلال الحسن
عارف البطاينة
عبد المجيد الشريدة
قاسم أبو عين
واصف عازر
محمد الخطيب
علي محافظة
سعد حجازي
التوثيق التاريخي والجهد المنهجي :
تخليداً لهذا الإرث العظيم ، حظيت المدرسة بجهد توثيقي بارز تمثل في إصدار الكتاب التوثيقي الموسوم بـ " مدرسة إربد الثانوية ودورها في الحياة الثقافية والعامة الأردنية " من تأليف الباحث فتحي محمد درادكة ، وإشراف ومراجعة المؤرخ علي محافظة ، وبمتابعة من رئيس اللجنة الفنية التربوية لتطوير ثانوية إربد للبنين عزت جرادات . وقد شكل هذا الإصدار سجلاً تاريخياً جامعاً يوثق محطات المسيرة التعليمية للمدرسة ، واحتوى في ملحقاته على قرص مدمج ( سي دي ) يضم أرشيفاً ضخماً يوثق أسماء جميع طلبة المدرسة وشعبهم منذ العام 1932 م وحتى العام 1989 م ، إضافة إلى أسماء الطلبة العشرة الأوائل فيها منذ العام 1967 م .
الدور الثقافي والاجتماعي والوطني :
لم تقتصر رسالة المدرسة على الجانب الأكاديمي البحت ، بل تجاوزته لتكون المحرك الأساسي للحياة الثقافية والعامة في مدينة إربد وعموم محافظات الشمال ( إربد والمفرق وجرش وعجلون ) . فقد شهدت جدرانها وساحاتها ندوات فكرية ومحاضرات ومناظرات وعروضاً مسرحية أُقيمت على مسرحها . كما لعبت دوراً وطنياً بارزاً في قيادة الحركة الوطنية ، فعندما مرّ الجيش العراقي في العام 1948 م متجهاً إلى فلسطين ، خرجت المدرسة بطلابها ومدرسيها لتحيته ، وشارك طلابها بفاعلية في المظاهرات المنددة بالحركة الصهيونية .
أبرز المدراء الذين تعاقبوا على إدارتها :
تعاقب على إدارة هذا الصرح العريق عبر مسيرته الطويلة نخبة من الأعلام التربويين والقيادات الإدارية الكفؤة الذين تركوا بصمات واضحة ، ونذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر :
1 ) عبد القادر التنير ، من المدراء الأوائل في مسيرة المدرسة التاريخية .
2 ) قاسم غزاوي ، أدار المدرسة في حقبة الستينيات وشهدت تميزاً أكاديمياً كبيراً .
3 ) مصطفى الدبوبي ، من الأسماء البارزة التي تركت أثراً طيباً في الانضباط والإدارة .
4 ) منصور مناصرة ، أدار المدرسة خلال حقبة الثمانينيات وحققت في عهده نتائج متقدمة جداً .
5 ) عاطف خليل ، قاد مسيرة المدرسة في محطات توثيقية وتطويرية هامة ومتابعة إصدار الكتاب التوثيقي .
6 ) وائل بني عيسى ، من المدراء المتميزين الذين قادوا إدارة المدرسة في الفترة المعاصرة لتطوير بيئتها التربوية .
7 ) رائد البطاح ، مدير المدرسة في فترات سابقة ، والحاصل على جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي .
8 ) ماجد الروسان ، من القيادات الإدارية والتربوية البارزة التي أسهمت في مسيرة المدرسة .
9 ) محمد كنعان ، ترك بصمات واضحة في مسيرة الإدارة والعطاء التربوي .
10 ) أبو زهير ، ممن تركوا ذكريات عطرة وإدارة حازمة في حقبة السبعينيات .
11 ) عبد الكريم الغرايبه ، من القيادات التربوية التاريخية التي أدارت دفة الإدارة بحكمة .
12 ) محمد طشطوش ، ممن أسهموا في تعزيز الأنشطة المنهجية واللامنهجية .
13 ) أحمد الشرمان ، عُرف بقوة شخصيته وحرصه الشديد على تحصيل الطلاب العلمي .
14 ) محمود الجراح ، تميز في فترة إدارته بتطوير مرافق المدرسة والمحافظة على رونقها التراثي .
15 ) فايز المومني ، ترك بصمة واضحة في تفعيل دور المجالس المحلية والآباء والمعلمين .
16 ) نايف تلجي ، عُرف بحبه للغة العربية وتنظيم الأمسيات الثقافية داخل أسوار المدرسة .
17 ) عبد الله بني هاني ، قاد المدرسة في مرحلة انتقالية شهدت تحديثاً في المختبرات والوسائل .
18 ) محمد العكور ، تميز بحسن القيادة والإدارة التربوية الحكيمة .
19 ) خالد العودات ، عُرف بصرامته وحرصه على التفوق الأكاديمي للطلبة .
20 ) حسني الزعبي ، أسهم في توثيق جانب من تاريخ الأنشطة الطلابية والرياضية .
21 ) يوسف العمري ، تميز بعلاقاته الطيبة مع المجتمع المحلي وأهالي إربد .
22 ) علي البطاينة ، أدار المدرسة بكفاءة عالية خلال مواسم التحديات التطويرية .
( وأعتذر كل الاعتذار لمن لم يتم ذكر اسمه وذلك بسبب السهو ، بالإضافة إلى العديد من التربويين الأجلاء والرواد الأوائل الذين سهروا على إدارة هذه القلعة العلمية وأسهموا في تخريج أجيال الوطن ، رحم الله من توفي منهم ومد في عمر من بقي ) .
الهندسة والمكانة الرمزية :
يُضفي موقع المدرسة فوق تل إربد هيبة خاصة ، فالتحام البناء العريق بتاريخ التل الأثري يعكس عمق الاستمرارية الحضارية للمكان . تصميمها المعماري القديم بغرفه الواسعة ، وممراتها التي شهدت خطوات الأجيال ، وساحاتها المرتفعة التي تطل على تفاصيل المدينة ، تجعل منها معلماً تراثياً وعمرانياً يستحق الحفظ والتوثيق ، باعتبارها شاهداً حياً على تطور التعليم النظامي في شمال الأردن وضمن مشروع " إحياء المدارس الأمهات " . ( ملاحظة : يتوفر فيها مدخل ومرافق مهيأة لذوي الاحتياجات الخاصة ) .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) درادكة ، فتحي محمد . ( 2007 م ) . مدرسة إربد الثانوية ودورها في الحياة الثقافية والعامة الأردنية . إربد ، الأردن .
- 2 ) سالنامة ولاية سوريا : ( 1882 م ) .
- 3 ) أرشيف وزارة التربية والتعليم الأردنية ومديرية التربية والتعليم لواء قصبة إربد .
- 4 ) الوثائق والسجلات التاريخية لبلدية إربد الكبرى ومتحف السرايا .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.