يُعدُ المقالُ قراءةً موضوعيةً لذكرى السابعِ من أكتوبر ، مستعرضاً المأساةَ الإنسانيةَ في غزةَ ، ومؤكداً على أنَ الأردنَ كانَ وما زالَ سَنَداً ثابتاً ودعماً حقيقياً لفلسطينَ في شتّى المحافلِ الدوليةِ .
الذكـرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر : قراءة هادئة في مسار الأزمات والتداعيات
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تمر اليوم الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر ( تشرين الأول ) عام 2023 م ، والتي تُعرف في الأدبيات الفلسطينية والعربية بـ ( عملية طوفان الأقصى ) ، وهي المحطة الكبرى التي غيرت بشكل جذري وجه المنطقة برمتها . بعيداً عن لغة الانفعال أو الخطابات الحماسية ، يبدو من المهم اليوم وقفة هادئة لقراءة الواقع بموضوعية ووضوح ، وتفكيك ما خلّفته هذه الأزمة من آثار عميقة على المستويات الإنسانية والسياسية والاستراتيجية .
1 ) المشهد الإنساني والمعاناة المستمرة :
الكارثة البشرية غير المسبوقة : لا يمكن الحديث عن هذه الذكرى دون الوقوف بحجم الألم الإنساني الهائل في قطاع غزة ، حيث خلّفت الحرب المستمرة دماراً شاملاً طال البنية التحتية ، والمستشفيات ، والمقرات الخدمية ، وشردت مئات الآلاف من السكان عدة مرات .
الأزمة الاقتصادية والمعيشية : تحول قطاع غزة إلى منطقة منكوبة تعاني من شح حاد في الغذاء ، والدواء ، والمياه الصالحة للشرب ، وسط مطالبات دولية مستمرة بضرورة فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية بلا عوائق .
الامتداد الإقليمي للألم : امتدت تداعيات الحرب لتشمل جبهات أخرى ، أبرزها لبنان ، مخلفة خسائر بشرية واقتصادية كبيرة ونزوح مئات الآلاف من منازلهم ، مما ضاعف من فاتورة الصراع الإنسانية .
2 ) الدور الأردني الراسخ : صمام الأمان والسند الدائم لفلسطين :
الأردن سند تاريخي ووجودي : لقد كان الأردن ، وما زال ، وسيبقى صمام الأمان الحقيقي لفلسطين ، والمدافع الصلب عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في كافة المحافل الدولية والإقليمية والعربية . إن الروابط الأخوية والتاريخية والدموية التي تجمع الشعبين الأردني والفلسطيني جعلت من القضية الفلسطينية قضية أردنية مركزية ووجودية لا تقبل المساومة .
القيادة الهاشمية والدفاع الدبلوماسي المستميت : قاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين جهوداً دبلوماسية استثنائية ومكثفة على مستوى العالم أجمع لوقف العدوان الغاشم على قطاع غزة ، والتحذير المستمر من خطورة توسع دائرة الصراع . وقد حمل الجلالة على الدوام رسالة الحق الفلسطيني ، مؤكداً في كل القمم والمحافل الدولية على ضرورة نيل الشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .
الرفض القاطع لمشاريع التهجير : انطلق الموقف الأردني الرسمي والشعبي منذ اللحظة الأولى من رفض قاطع ومطلق لكل محاولات تهجير الفلسطينيين قسراً ، واعتبرت القيادة والحكومة الأردنية ذلك خطاً أحمر وتهديداً وجودياً بمثابة إعلان حرب ، مما أفشل العديد من المخططات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن أو حقوق أبنائها .
الجسر الإنساني والإغاثي المتواصل : برز الدور الأردني الشعبي والرسمي بوضوح عبر تسيير قوافل المساعدات الإغاثية والطبية البرية الهائلة ، وتنظيم عمليات الإنزال الجوي الميدانية الجريئة التي نفذتها القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي فوق قطاع غزة ، لكسر الحصار وإيصال المساعدات العاجلة للمستشفيات والمحتاجين .
المستشفيات الميدانية والجهد الطبي المستمر : استمر عمل المستشفيات الميدانية الأردنية في غزة ونابلس في تقديم الخدمات العلاجية والجراحية وإجراء العمليات الدقيقة لمئات الآلاف من الجرحى والمصابين رغم الظروف الأمنية البالغة القسوة والخطورة .
حماية السيادة الوطنية والتلاحم الشعبي الواسع : تصدى الجيش العربي الأردني بكل كفاءة للأجسام الطائرة والصواريخ العابرة للأجواء حفاظاً على أمن الوطن وسلامة أراضيه ، بالتوازي مع هبة شعبية واسعة ومستمرة من مختلف المؤسسات والنقابات والمواطنين الأردنيين لجمع التبرعات وإطلاق الحملات التضامنية التي تعكس أصالة الموقف الأردني وثباته .
3 ) التحولات السياسية والاستراتيجية :
إعادة القضية إلى الواجهة : نجح هذا الحدث المفاجئ في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي والدبلوماسي بعد سنوات طويلة من التهميش وتراجع الحضور على أجندة صناع القرار العالمي .
مأزق الأمن الإقليمي : أسقط السابع من أكتوبر الكثير من المفاهيم الأمنية السائدة في المنطقة ، وأثبت أن استمرار الصراع دون حل عادل والشامل لن يحقق الاستقرار لأي طرف ، بل يظل فتيلًا قابلاً للانفجار في أي لحظة .
الانقسام الدولي والتغير في الرأي العام : شهد العالم تحولاً تدريجياً في الرأي العام العالمي ، لاسيما بين الأجيال الشابة وفي الجامعات الغربية ، حيث تعاظمت الأصوات المطالبة بالعدالة للشعب الفلسطيني وإيجاد أفق سياسي حقيقي .
4 ) دروس للمستقبل ومنطق الحلول :
استحالة العودة إلى الوراء : أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن خيار ( إدارة الصراع ) والوضع القائم لن يعد صالحاً للاستمرار ، وأن محاولات تهميش الحقوق الأساسية للشعوب تفشل على المدى الطويل .
ضرورة الحل السياسي : يجمع المراقبون اليوم على أن مخرجات أي حرب مهما طالت لا بد أن تنتهي إلى طاولة المفاوضات . الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر القوة العسكرية وحدها ، بل عبر مسار سياسي جاد يضمن إنهاء الاحتلال ويحقق الأمن والسلام للجميع .
خلاصة القول : إن ذكرى السابع من أكتوبر ليست مجرد تاريخ لاستذكار الصدام العسكري ، بل هي تذكير دائم بضرورة معالجة جذور الأزمة ، والاعتراف بأن السلام العادل والشامل هو المخرج الوحيد لمنطقة تعبت من دوامة الحروب والدمار ، وأن الأردن سيبقى السند الوفي والدرع المتين المدافع عن فلسطين وأهلها الأحرار حتى نيل حقوقهم المغتصبة .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) تقارير الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الإنسانية حول الأوضاع في قطاع غزة ولبنان ( 2023 م - 2026 م ) .
- 2 ) البيانات الرسمية الصادرة عن الديوان الملكي الهاشمي ووزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية بشأن تطورات القضية الفلسطينية ودعم الأهل في غزة .
- 3 ) التقارير الإخبارية والتوثيقية الرسمية لنشاطات القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي في إيصال المساعدات الإنسانية وتشغيل المستشفيات الميدانية .
- 4 ) الدراسات التحليلية الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بشأن خلفيات الموقف الأردني ومحدداته من العدوان على غزة .
- 5 ) مقالات وتحليلات مجلة المجلة بشأن معادلة الغضب والتوازن في السياسة الأردنية ما بعد أحداث السابع من أكتوبر .
- 6 ) مقالات وتحليلات شبكة الجزيرة الإعلامية ( مقالات الرأي والتغطيات الخاصة بملف الموقف الأردني من الحرب على غزة ) .
- 7 ) موسوعة ويكيبيديا الحرة ، مادة ( عملية طوفان الأقصى ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.