تجسد رحلة المعلم عبر العصور التاريخية والحضارات الإنسانية والإسلامية وصولاً إلى العصر الحديث دوراً عظيماً ومكانة رفيعة في بناء العقول وتهذيب الأجيال .

رحلة عبر الزمن : أسماء المعلم ودوره العظيم في الحضارات الإنسانية

​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تنوعت الأسماء ، والألقاب ، والكنى التي أُطلقت على المعلم عبر العصور التاريخية المختلفة تيمناً بدوره العظيم ، ومكانته الاجتماعية الرفيعة ، ونوعية العلوم التي يقدمها ، باعتباره حجر الأساس في بناء الحضارات ، ونقل المعارف ، والعلوم ، والأخلاق من جيل إلى جيل . ولم تقتصر هذه المكانة العالية على دورهم الأساسي ، بل انعكست بوضوح في ثراء الألقاب التي نالوها في مختلف الحضارات والبيئات المدرسية ، وصولاً إلى ابتكارات التلاميذ العفوية في الفصول الدراسية التي تصنع شهرة المعلمين .

​تطور اسم ومسمى المعلم عبر العصور التاريخية : تسلسل زمني :

​تأخذنا الرحلة عبر الزمن لنرى كيف تنقل اسم المعلم وتطور من لغة الكهنة القدامى إلى ألقاب الرقي الفكري في العصور الحديثة .

​في بلاد الرافدين ( السومريون والبابلية ) : أُطلق على المعلم أو الحكيم اسم ( أوميا - Um-mia ) والتي تعني الخبير أو الأستاذ أو صاحب المعرفة العميقة . وفي الفترات المبكرة ، كان الكهنة والسحرة هم أول من مارس مهنة التعليم داخل المعابد الملحقة بالمدارس الأولى التي عُرفت بـ ( بيت الألواح - إدوبها ) .

​في مصر القديمة : أُطلق على المعلم لقب ( سباو - Sba ) والتي تعني حرفياً ( النجم ) ، دلالة على دوره في إنارة عقول الأجيال وهدايتهم . كما أُطلق عليهم ألقاب أخرى تعكس الاحترام الشديد مثل ( الحكيم ) أو ( كاتب القصر ) نظراً لاقترابهم من مراكز صنع القرار والإدارة .

​في اليونان القديمة : ظهر مسمى ( بيداجوجوس - Paidagogos ) ، وهو في الأصل المرافق الموثوق الذي يصحب الطفل للمدرسة ويشرف على سلوكه ( قائد الطفل ) . أما المعلم الفيلسوف والعالم فكان يُلقب بـ ( داسكالوس - Daskalos ) أو الحكيم .

​في الإمبراطورية الرومانية : انتقلت المسميات إلى اللاتينية ، فأُطلق على المعلم اسم ( ماجيستر - Magister ) والتي تعني السيد أو الخبير المتمكن من مادته .

​في الحضارة الإسلامية : تنوعت أسماء ومسميات المعلم بحسب رتبته ومكانته التعليمية :

​( المؤدب ) : معلم الصغار في الكتاتيب أو من يتولون تهذيب أولاد الملوك والخلفاء والأمراء .

​( الشيخ ) أو ( الفقيه ) : الشيخ وقاراً لأهل العلم والصلاح ، والفقيه لمن تعمق في العلوم الشرعية .

​( المُقْرئ ) : معلم القرآن الكريم والقراءات في المجالس والمساجد .

​( الأستاذ ) : كلمة ذات أصول تعني الماهر بالشيء ، وهو الأكمل في الأحوال والمعارف .

​( المُعيد ) و ( المُفيد ) و ( المُملي ) : في المدارس الكبرى لإعادة شرح دروس الشيوخ وإملاء العلوم .

​في أوروبا العصور الوسطى : هيمن نظام الأديرة والكنيسة ، وكان المعلم يُلقب بـ ( السكولاستيك - Scholastic ) أي المعلم المدرسي ، وتطور لاحقاً ليعرف بـ ( الأستاذ الجامعي - Professor ) مع نشأة أولى الجامعات الأوروبية .

​في العصر الحديث والمعاصر : تطور مسمى المعلم ليأخذ أبعاداً تخصصية وتربوية ، فيُسمى ( المعلم ) أو ( المُربّي ) في مراحل التعليم الأساسي والثانوي ، و ( البروفيسور ) في التعليم العالي ، و ( المُوَجّه ) أو ( المشرف التربوي ) ، وصار يُنظر إليه حديثاً كـ ( ميسِّر للتعلم ) يوجه عقول الأجيال نحو النقد البناء والإبداع .

​دور المعلم ومكانته في العصور الإسلامية : من عصر الرسول إلى نهاية العصر العثماني :

​شهد التعليم في الحضارة الإسلامية عبر عصورها المختلفة تطوراً مؤسسياً وفكرياً هائلاً جعل من المعلم ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع ونشر المعرفة ، وقد مرّت مسيرته بعدة محطات بارزة :

​المعلم في عصر النبوة والعهد الراشدي : مثّل النبي محمد صلى الله عليه وسلم المعلم الأول للبشرية في الإسلام ، حيث أرسى منهجاً تربوياً يقوم على التيسير ، والحسنى ، والقدوة الحسنة ، وتوثيق العلم بالقراءة والكتابة ( كما حدث في فداء أسرى بدر لتعليم الصبيان ) . واستمر الخلفاء الراشدون في إجلال المعلمين ، وتوجيه الصحابة لنشر العلم في الأمصار ، فكان معاذ بن جبل وعمار بن ياسر وغيرهم معلمين وقضاة في المناطق المفتوحة .

​المعلم في العصر الأموي : اتسع نطاق الدولة ، وبدأت تظهر مجالس العلم والكتاتيب المنظمة ، وبرز معلمو الصبيان ( المؤدبون ) الذين أُسندت إليهم مهمة تعليم أبناء الخلفاء والأمراء القرآن الكريم وأيام العرب والأشعار ، ومن أشهرهم المؤدبون الكبار في دمشق وحواضر الشام .

​المعلم في العصر العباسي ( العصر الذهبي للتعليم ) : بلغ المعلم شأناً عظيماً مع تأسيس المساجد الكبرى ، وحلقات العلم ، ودار الحكمة ، والمدارس النظامية والمستنصرية . وتنوعت مسميات المعلمين بتنوع تخصصاتهم ، مثل :

​( شيخ الحلقـة ) : معلم العلوم الشرعية واللغوية في المساجد .

​( المُملي ) : المعلم الذي يملي الأحاديث والأحكام على الحضور ليكتبوها .

​( المُعيد ) : المساعد العلمي الذي يوضح للطلاب تفاصيل ما ألقاه الأستاذ الكبير .

​( المؤدب الخاص ) : مربي الأمراء والوزراء في قصور الخلافة .

​المعلم في العصرين المملوكي والعثماني : استمرت رسالة المعلم رغم التحولات السياسية ، حيث انتشرت المدارسة والخوانق والكتاتيب في القاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول . وفي العصر العثماني ، ارتبط المعلم بنظم المدارس الإدارية والشرعية ، وظل معلّم الكتاتيب ( المُحفّظ أو الشيخ ) يحظى باحترام أهالي الحي وتقديرهم العميق لكونه حافظاً لهوية المجتمع الدينية والثقافية .

​هيكلة التعليم في بلاد الرافدين وحضارات الشرق القديم :

​في بلد العلم والحضارات وأول المدارس التي عرفها التاريخ ، جاء ذكر المعلم في أحد الألواح المسمارية بعبارة خالدة تؤكد أن الأستاذ هو باني الإنسانية الحقيقي وموجه خطاها نحو النور .

​المكانة والألقاب : لقد تمتع المعلمون ببلاد الرافدين بمركز مرموق يفوق في مراتبه أحياناً رتبة الكهنة والضباط والولاة . وكان مدير المدرسة يُسمى ( أَب المدرسة ) ويُلقب بـ ( الأستاذ ) ، بينما يُسمى المعلم ( اليا ) والتي تعني ( العلامة أو الأستاذ ) . أما التلاميذ فيُطلق عليهم ( أبناء المدارس ) أو ( أبناء بيت الألواح ) .

​هيكلة ( بيت الألواح ) ( إي - دوبّا ) :

​مديرها هو الـ ( أومّيا ) أي بمعنى ( الخبير ) ، أو يُسمى ( آدا - أي - دوبّا ) أي ( أب بيت الألواح ) .

​يساعده ( شيش - جال ) أي بمعنى ( الأخ الكبير ) ، مع وجود المراقب والمعاقب لإدارة الانضباط بحزم .

​المعلمون الاختصاصيون في بيت الألواح : معلم ( كاتب ) الحساب ( دوبشار - نيشيد ) ، معلم أعمال المساحة ( دوبشار - آشاجا ) ، ومعلم اللغة السومرية ( دوبشار كينجيرا ) ، إلى جانب معلمي الموسيقى والفنون .

​أرسطو : تلميذ أفلاطون والمعلم الأول ونموذج الفيلسوف :

​تجسد مسيرة الفيلسوف اليوناني أرسطو امتداداً تاريخياً رفيعاً لدور المعلم وصانع العقول من خلال إسهاماته التي وضعت أسس العلوم المختلفة .

​النشأة والتكوين : وُلد أرسطو سنة 384 ق . م في مدينة ( أستاغيرا ) ، وساعدته نشأته بقرب البلاط الملكي على الاحتكاك المبكر بالعلوم الطبيعية والأحياء والتشريح . وعندما بلغ السابعة عشرة ، ارتحل إلى أثينا والتحق بـ ( أكاديمية أفلاطون ) وظل يتلقى العلم فيها لمدة عشرين عاماً حتى وفاة أستاذه أفلاطون ، وأظهر نبوغاً وروحاً نقدية عالية .

​لقب ( المعلم الأول ) : يُعد أرسطو المؤسس الحقيقي لعلم المنطق في الفلسفة والأخلاق ، وأول من صنف المعارف البشرية ونظمها ، فنال بجدارة لقب ( المعلم الأول ) في التراث الفلسفي والإسلامي .

​معلم الإسكندر الأكبر : تجسد الدور القيادي والسياسي للمعلم حين اختير أرسطو ليكون معلماً للأمير المقدوني ( الإسكندر الأكبر ) لتوجيه قادة المستقبل .

​مدرسة ( اللوقيون ) والمشّائين : أسس مدرسته الخاصة ( اللوقيون ) عام 335 ق . م ، وعُرف أتباعها بـ ( المشّائين ) لاعتياده المشي برفقة تلامذته أثناء إلقاء النقاشات العلمية الحية .

​فلسفته ورؤيته للطبيعة والواقع : يرى أفلاطون أن أعلى درجات الواقع تتألف مما نفكر به بواسطة عقولنا وأن ما حولنا ليس إلا انعكاساً لعالم الأفكار ، بينما يرى أرسطو أن أعلى درجات الواقع هي ما ندركه بواسطة حواسنا ، وأن ماهو موجود في النفس البشرية ليس إلا انعكاساً لأشياء الطبيعة التي تشكل وحدها العالم الحقيقي ، فما من شيء يمكن أن يوجد في الوعي قبل أن تدركه الحواس . كما وضع فهماً مدهشاً للسببية والعلل الأربعة .

​سلم الطبيعة والأخلاق : قسّم أرسطو الكائنات الحية ، معتبراً أن الإنسان يقع في أعلى السلم لامتلاكه ( نفس نباتية ) للتغذية والنمو ، و ( نفس حسية ) للإدراك والحركة كالحيوان ، إضافة إلى قدرة استثنائية فريدة على ( التفكير العقلاني ) . وفي علم الأخلاق ، حدد أرسطو أنواع السعادة وركز على تنمية القدرات والعيش بتوازن وفق القاعدة الذهبية : خير الأمور أوسطها .

​رؤيته للفن والتراجيديا : تساءل أرسطو عن سبب الإقبال على التراجيديا في المسرحيات الإغريقية ، وأجاب بأنها تحقق ( التطهير ) والتخلص من المكنونات السيئة والتشويشات الشعورية المرتبطة بالخوف ، ولجعلنا أكثر تعاطفاً وإشفاقاً ، وتقديم حقائق عميقة عن جوهر الحياة .

​ألقاب المعلم عبر الحضارات المختلفة :

​تعددت ألقاب المعلمين في شتى بقاع الأرض لتبرز القيمة الروحية والاجتماعية السامية لهذه المهنة الخالدة .

​في الصين القديمة : الحكيم أو المعلم ، مثل الفيلسوف ( كونفوشيوس ) الذي عُرف بالمعلم الأعظم لغرس الفضيلة والأخلاق الحميدة .

​في الهند : مصطلح ( غورو - Guru ) يعني ( المُبدد للظلام والنور الهادي ) ، ويشمل المعلم الروحي والفكري معاً .

​في العصور الوسطى الأوروبية : المُعلّم الحرفي خبير الصنعة والمهارة اليدوية في نظام الطوائف الحرفية .

​في العصر الحديث والمعاصر : مصطلح ( الخوجة ) الذي شاع حتى منتصف القرن العشرين وعكس هيبة المعلم وبساطته ، إلى جانب لقب ( الأستاذ ) الأكثر رسوخاً للدلالة على الوقار والمكانة العلمية العالية .

​امتداد المسيرة التربوية في العصر الحديث وثائق أول مئة معلم :

​شهدت الحركة التعليمية في الأردن منذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 م محطات مفصلية انطلقت مع قدوم المؤسسين ، ووثقها الكتاب المرجعي ( أول مئة معلم ) لتخليد جهود الرعيل الأول .

​رواد العشرينيات والثلاثينيات ومدراء المعارف : مثل علي خلقي الشرايري ، وأديب عباسي ، وحسن النعيمي ، وخليل الساكت ، ومحمد علي الصالح ، وعباس خماش .

​الفوج الأول من خريجي مدرسة السلط الثانوية : عام 1926 م : أحمد الظاهر ، عبد الرحمن الواكد ، علي مسمار ، داود تفاحة .

​خريجو مدرسة تجهيز إربد عام 1927 م : علي الهنداوي ، فضل الدلقموني ، محمد الفرحان العبيدات .

​رواد الرعيل الأول والوزراء التربويون : ذوقان الهنداوي ، حكمت الساكت ، الحاج سلامة العبيني ، عبد الرؤوف الروابدة ، سعيد التل .

​المعلمات الرائدات في تاريخ الأردن :

​زينب علي أبو غنيمة : أول فتاة أردنية تلتحق بدار المعلمات في أول مدرسة ثانوية حكومية عام 1922 م ، وأول معلمة ثانوية أردنية .

​ميسّر فيضي بارود : مديرة مدرسة إناث السلط عام 1922 م وعمان عام 1924 م .

​آمنة علي أبو غنيمة : معلمة متميزة منحها الملك الحسين وسام التربية والتعليم عام 1975 م .

​معلمات رائدات أخريات : ليا جريس حداد ، أولغا أسعد شقير ، أفلين نخلة حداد ، حليمة عارف جعفر ، سمية حنفي جارالله ، فاطمة سعيد مراد ، وليا موسى ميخائيل يني .

​إن المعلم الذي يفني أيام عمره في تعليم الأجيال ومنحها الثقافة والمعرفة ، واجبنا نحوه احترامه وتقديره ، وألا يتم تجاهله أو تجاوزه مهما مضت الأيام . فللمعلم حق في أن ينتقد طالبه حتى لو بلغ أعلى المراتب في العلم ، وله احترام كاحترام الوالدين ، ومن لا يحترم معلمه يقع في خطأ فادح ، لذا كان لزاماً على الآباء والأمهات غرس ذلك في نفوس الأبناء .

​لولا المعلم لما استطاع أحد أن يقرأ الحروف أو يحسب الأرقام ، وله الفضل في التربية مثله مثل الأب والأم ، لأنه يرسخ في طلبته السلوك القويم ، وطريقة التصرف الصحيحة ، ويدربهم على التعامل الراقي والانضباط في الدراسة والكلام ، فهو بحق موسوعة شاملة وامتداد لعظم رسالة المعلمين عبر التاريخ الإنساني الطويل .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) كتاب ( أول مئة معلم في تاريخ الأردن المعاصر ) ، الصادر عن جامعة العلوم الإسلامية العالمية ودائرة المكتبة الوطنية الأردنية .
  3. 2 ) المصادر التاريخية والتراثية الخاصة بمدارس بلاد الرافدين وحضارة الوادي والشرق القديم ( الألواح المسمارية والدراسات السومرية ) .
  4. 3 ) التراث الفلسفي اليوناني والإسلامي ( مؤلفات أرسطو ودراسات الفلسفة العربية والمقارنة ) .
  5. 4 ) أدبيات التربية والتعليم في التاريخ الإسلامي وعصور النبوة والخلافة الراسوية والأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية .