لوح وقصبة …. حكاية التنوير في كتاتيب شرق الأردن تعد الكتاتيب في شرق الأردن نافذة جوهرية لفهم التطور الثقافي والاجتماعي الذي عاشته المنطقة ، فهي لم تكن مجرد أماكن لفك الحروف ، بل كانت حجر الزاوية في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية خلال فترات التحول السياسي الكبرى . إن كلمة الكُتّاب بضم الكاف تشير لغوياً ومكانياً إلى الموضع الذي يتعلم فيه الصبيان ، وهي ظاهرة تعليمية عرفها العرب قديماً واستمرت بقوة حتى منتصف القرن العشرين .
لوح وقصبة .... حكاية التنوير في كتاتيب شرق الأردن
تعد الكتاتيب في شرق الأردن نافذة جوهرية لفهم التطور الثقافي والاجتماعي الذي عاشته المنطقة ، فهي لم تكن مجرد أماكن لفك الحروف ، بل كانت حجر الزاوية في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية خلال فترات التحول السياسي الكبرى . إن كلمة الكُتّاب بضم الكاف تشير لغوياً ومكانياً إلى الموضع الذي يتعلم فيه الصبيان ، وهي ظاهرة تعليمية عرفها العرب قديماً واستمرت بقوة حتى منتصف القرن العشرين .
الجذور التاريخية والشرعية : مدرسة الأمة الأولى :
تعود أصول الكتاتيب في الدولة الإسلامية إلى عصور مبكرة ، حيث ارتبطت بنشر الدعوة وتعليم القرآن الكريم . وفي شرق الأردن ، وخاصة خلال العهد العثماني ما بين عامي 1517 و 1917 م ، استلهمت الكتاتيب هذا الإرث لتكون مراكز لحفظ القرآن والسنة النبوية ومبادئ الشريعة ، مما جعلها تخرج عظماء الفقهاء والحفظة الذين حافظوا على نسيج الأمة الروحي في ظل ندرة المدارس الرسمية التي لم تكن تحظى بالرعاية الكافية من جانب الحكومات آنذاك .
أشهر المعلمين وجنسياتهم في الكتاتيب : فسيفساء عربية :
لم يقتصر التعليم في الكتاتيب على الأردنيين فقط ، بل كان هناك تنوع في، جنسيات المعلمين ، مما أغنى التجربة التعليمية في الحواضر والبادية :
الأردنيون : وهم الغالبية العظمى من أبناء العائلات والعشائر الذين تلقوا العلم في دمشق أو الحجاز أو القدس وعادوا لتعليم أبناء جلدتهم .
الأزهريون : علماء قدموا من مصر واستقروا في المدن الكبرى كالسلط وعمان .
السوريون واللبنانيون : برز أثرهم في مناطق الشمال مثل إربد والرمثا نظراً للتداخل الجغرافي والثقافي .
المغاربة والحجازيون : ممن استقروا في معان والكرك أثناء رحلات الحج أو التجارة .
ومن الأسماء التي خلدها التاريخ الأردني في هذا الميدان : الشيخ علي سكر ، الشيخ يوسف الزيادات ، الشيخ محمد أمين القرالة ، والشيخ عبد الحليم زيد الكيلاني .
أعمار الأولاد وهل اقتصر التعليم في الكتاتيب على الذكور فقط ؟
كانت الكتاتيب تستقبل الأطفال في سن مبكرة ، تبدأ عادة من سن الخامسة أو السادسة وتستمر حتى سن الثانية عشرة . أما بالنسبة للإناث ، فالحقيقة التاريخية تشير إلى أن الكتاتيب لم تكن حكراً على الذكور ، فقد وجدت كتاتيب خاصة بالفتيات تديرها امرأة متعلمة تسمى الشيخة ، وكانت تدرس البنات في بيتها مبادئ القراءة وحفظ القرآن الكريم ، بالإضافة إلى تعليمهم الآداب العامة والمهارات المنزلية .
المواد الدراسية : منهج متكامل ببساطة
لم يكن المنهج عشوائياً ، بل ركز على أربعة محاور أساسية تضمن بناء الشخصية :
1 ) القرآن الكريم : حفظاً وتجويداً وتفسيراً مبسطاً .
2 ) اللغة العربية : مبادئ القراءة ، الكتابة ، وقواعد الخط العربي مثل الرقعة والنسخ .
3 ) الحساب : العمليات الأربع الضرورية التي يحتاجها الفرد في المعاملات التجارية والزراعية .
4 ) الدين والسيرة : تعليم الصلاة ، والوضوء ، وقصص الأنبياء ، والآداب الشرعية المعمول بها .
قصة بيضة ورغيف : راتب المعلم واقتصاد الكتاتيب :
لم تكن هناك رواتب رسمية من الدولة لمعلمي الكتاتيب ، بل اعتمد المعلم في رزقه على ما يقدمه الأهالي كنوع من التكافل . وهنا برزت قصة بيضة ورغيف ، حيث كان من العادات المتبعة أن يحمل كل طالب معه يومياً رغيفاً من الخبز أو بيضة أو قليلاً من السمن ليقدمها للشيخ كجزء من أجرته اليومية . بالإضافة إلى ذلك ، كانت هناك الخميسية وهي مبلغ نقدي بسيط يدفع كل يوم خميس . أما الجائزة الكبرى للشيخ ، فكانت عند ختم الطالب للقرآن ، حيث يمنح الشيخ كسوة جديدة أو مبلغاً مالياً يجمعه الأهل تقديراً له .
مكان إقامة المعلمين والدور الاجتماعي :
غالباً ما كان المعلم يقيم في غرفة ملحقة بالمسجد ، أو في مضافة القرية . وفي كثير من الأحيان ، كان الأهالي يتناوبون على استضافة الشيخ في بيوتهم وتقديم الطعام له . ولم يكن معلم الكتاب مجرد مدرس ، بل كان شخصية محورية في القرية أو المدينة ، فهو المرجع الديني ، والمصلح الاجتماعي ، وكاتب الرسائل للأهالي ، وعاقد الأنكحة ( عقود الزواج ) والمبايعات .
أدوات الدراسة في الكتاتيب :
استخدم الطلبة اللوح الخشبي الذي يطلى بالطين الأبيض ليسهل الكتابة عليه بالحبر المصنوع من الصوف المحروق ، وعند انتهاء الدرس ، يغسل اللوح ليعاد استخدامه في اليوم التالي .
وهكذا ، ندرك أن صمود هذه الكتاتيب في الأردن ، وتحديداً في تلك الحقبة المفصلية ما بين عامي 1905 م و 1955 م ، لم يكن مجرد استمرار لنظام تعليمي بسيط ، بل كان ملحمة وعي وطني واجتماعي تغلغلت في وجدان الإنسان الأردني وقادته بخطى ثابتة نحو مدارج الحداثة . إنها قصة كفاح جيل استثنائي ، آمن بأن سراج المعرفة لا ينطفئ بقلة الموارد ، فعلمنا بوقار شيوخه وصبر صبيته أن رحلة العلم قد تبدأ ببيضة ورغيف ، لكنها بالضرورة تنتهي ببناء وطن شامخ وبزوغ فجر دولة لا تغيب عنها شمس المعرفة . لقد كانت تلك الألواح الخشبية هي الدستور الأول الذي خطَّ عليه الأردنيون قيم الانتماء ، لتبقى الكتاتيبُ الجذرَ الضارب في عمق الأرض ، والذي أورق اليوم نهضة تعليمية نفخر بها أمام العالم .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.