يُوثق المقال عادات تراثية أردنية أصيلة في بلدة حوارة بشمال الأردن ، حيث كانت البيوت ترفع رايات بيضاء فوق عتباتها العلوية لإعلان المناسبات السعيدة والمحطات الاجتماعية المختلفة .

لغة السطوح والرايات في التراث الأردني : حين تتحدث البيوت بالفرح والسلام

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​خلال أيام الطفولة ، و في فترة السبعينات تحديدا ، و أثناء السير في أزقة و حارات وطرقات قريتنا ( بلدة حوارة - إربد ) التي كانت البيوت فيها مبنية من الحجارة والطين و لها بوابات كبيرة وعالية ، كانت تتكشف أمام الأعين حكاية بصرية ناطقة ، إذ تُرصد رايات بيضاء صغيرة مزركشة منصوبة فوق حنت باب دار من دور قريتنا ( وهو العتبة العلوية أو الإطار المعماري المحدّب الذي يعلو مدخل الدار أو بوابتها الرئيسية ، و يُعد مكانه البارز أول ما يقع عليه بصر المارّة في الأزقة ) ، و تعلو سارياتها ريش النعام . وحين كنت أعود أنا إلى البيت أسأل أمي ( رحمها الله ) بلهجتي الفلاحية الحوارية ( الحورانية الشمالية ) : " ليش دار ابو فلان حاطين فوق حنت دارهم علم ابيض ( راية ) ملون ( مزركش ) وعليه ريش نعام ، شو المناسبة ؟ " ، لتأتي الإجابة العفوية الحانية واضحة جلية : " بكون عندهم فرح بختان ( طهور ) ، وهذا إعلان و إشهار للعملية والتي قد تكون لأكثر من واحد ... طهره ياشلبي وناولوه لأمه " .

​تلك الذكرى الطفولية الحية والأسئلة البريئة لم تكن سوى نافذة تطل بنا على عالم اجتماعي متكامل وثقافة بصرية عميقة ، فقد تجاوزت تلك الرايات حدود الفرح الفردي لتصبح جزءاً من لغة أهل القرية وتعابيرهم اليومية في مشاركة الأفراح والأتراح .

​بيوت الحجارة والطين : حين تتحدث الأبواب والسطوح :

​1  ) الأعراس ومناسبات الفرح والطهور : كما كانت تجيب الأمهات في قريتنا ، فإن هذه الرايات تُرفع إعلاناً وإشهاراً لفرحة كبرى ، مثل حفلات " الطهور " ( الختان ) لأبناء الدار – والتي ربما شملت أكثر من طفل في آن واحد على أهازيج " طهره ياشلبي وناولوه لأمه " – أو لإعلان مواسم الأعراس والزفاف ، ليعلم القاصي والداني أن الباب مفتوح والبيت عامر بالسرور .

​2  ) إنجاز الأعمال الكبرى وبناء الدار : امتدت دلالات الراية البيضاء لتعلن عن إنجاز مجتمعي أو عائلي عظيم ، كإتمام بناء بيت جديد بجهود الأهل والعزوة ، أو صب سقف الدار بالباطون ، شكراً لله على التوفيق والتمام . ومن هنا اشتُقت المعاني المرتبطة بـ " بيّض الله وجهك يا فلان " أو " الراية البيضاء لك يا فلان " تكريماً وتقديراً لهذا الإنجاز .

​3  ) عودة الغائب والشفاء والفرج : لم تقتصر المناسبات على البناء والأفراح المعتادة ، بل كانت الراية البيضاء ترفع تعبيراً عن فرحة عودة المسافر أو الغائب ، أو شفاء مريض طال وقوفه على فراش المرض ، أو حتى خروج عزيز من السجن ، أو قدوم مولود جديد قامت أمه بسلامة . كما تبرز أهمية هذه الرايات في لحظات الفرج الكبرى ، إذ تُرفع إعلاناً بخروج شخص كان مظلوماً من السجن وإعلان براءته بعد أن قضى فترة هناك ، لتتحول القرية برمتها إلى عائلة واحدة تفرح لإنصاف المظلوم وعودته سالماً .

​4  ) بشارة الحج : تجسدت أسمى معاني الفرح الديني والاجتماعي في رحلة الحج ، فمنذ القديم ، لم تكن رحلة الحج مجرد أيام عابرة ، بل كانت ملحمة سفر شاقة تستغرق أشهراً طويلة في زمن خلا من وسائل الاتصال . لذلك ، رفع أهل البيت الراية البيضاء فوق الدار كإشارة عمليّة للجيران وعابري السبيل ؛ ومما يُروى في هذا السياق أن رفع الراية البيضاء فوق بيت الحاج كان في بعض المناطق وسيلة للتعريف بأن صاحب البيت قد سافر إلى الحج ، مما كان يدفع الجيران والأقارب إلى الاهتمام بأهل بيته ومساعدتهم وقضاء حوائجهم عند الحاجة . ومع مرور الزمن ، تحولت الراية البيضاء لتصبح رمزاً للفرح بالحج واستقبال الحجاج ، وبقيت عادة تراثية جميلة تحمل معاني المحبة والتكافل والتآزر بين الناس ، قائلين بلسان الحال والمقال : " اللهم أعده علينا أعوامًا عديدة وأزمنةً مديدة ، بالخير واليمن والبركات ، وتقبل الله من الحجاج حجهم وسعيهم " .

​أصالة التكافل في مواجهة تباعد الزمان :

​في مجتمع تكافلي متساند كالمجتمع الأردني القديم ، لم تكن هذه الرايات مجرد زينة بصرية عابرة ، بل كانت " دعوة ضمنية صامتة " لأبناء القرية والحي للمبادرة بالواجب والمشاركة في السامر والتهاليل ، وتقدير أصحاب الدار وفاءً وتأكيداً على روح الأسرة الواحدة ، بعكس واقع اليوم الذي بات فيه المرء أحياناً لا يدري عن حال جاره حتى لو مابين مرض أو جوع .

​إن استذكار هذه الممارسات التراثية العريقة ، وتلك الأسئلة الطفولية البريئة في أزقة حوارة وشمال الأردن ، يعيد لنا رسم لوحة نابضة بالحياة للأصالة التي تركها لنا الأجداد . لتبقى هذه الرايات الخفاقة دروباً مضيئة تروى للأحفاد عن عراقة الإنسان الأردني ، وانتمائه العميق لأرضه ، وتقاليد الإنسانية الرفيعة التي حفظت للناس ودّهم وتراحمهم .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) الذاكرة الشعبية الشفوية والروايات المتوارثة في شمال الأردن ( منطقة حوارة ) .
  3. 2  ) الموروث الثقافي والاجتماعي لعادات وتقاليد الريف الأردني .
  4. 3  ) أدبيات التوثيق والتاريخ الاجتماعي المحلي الأردني .
  5. 4  ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( أبحاث ومقالات في توثيق التاريخ الاجتماعي والتراث الأردني ) .
  6. 5  ) دراسات في التراث الشعبي الأردني وملامح الحياة اليومية في القرى الشمالية .