يُوثق المقال عادات الولادة والنفاس في التراث الشعبي الأردني ، مُسلطاً الضوء على دور الداية وعادة تقديم «النَّقْل» وحلو النفاس بوصفها رموزاً للتكافل الاجتماعي والمحبة بين الأسر .

النَّقْل وحلو النفاس في الموروث الشعبي الأردني : حكاية التكافل والفرح بقدوم المولود

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​لم تكن الولادة في المجتمع الأردني القديم حدثاً عائلياً عابراً ، بل كانت مناسبة اجتماعية تتسع فيها دائرة الفرح لتشمل الأقارب والجيران وأهل الحارة ، وتتجلى فيها معاني التراحم والتكافل والتعاون بين النساء والأسر . وقد ارتبطت هذه المناسبة بعادات وتقاليد متوارثة وثقتها منصات التراث الوطني الأردني ، وعمّرتها الذاكرة الجماعية بعبق الأصالة وحرص المجتمع على رعاية الأم النفساء ومشاركة أسرتها فرحة استقبال المولود الجديد ، وهي رعاية تشبه في دلالاتها الإنسانية العميقة ما تتبناه مختلف الثقافات الإنسانية عبر التاريخ من طقوس لضمان تعافي الأم الجسدي والنفسي خلال فترة النفاس التي تُدرج عالمياً ضمن أسابيع التعافي الأولى .

​وقد احتلت «الداية» مكانة محورية في هذا المشهد الإنساني والاجتماعي بوصفها السيدة المسؤولة عن توليد النساء ومتابعة المرأة الحامل وفحصها والاطمئنان عليها في كل حين وتحديد موعد ولادتها ، إذ لا ينتهي دورها حتى اليوم السابع من عمر المولود . كما كانت توجه الرعاية والنصائح للنساء الحوامل ، وتمتلك خبرات متوارثة في معرفة تفاصيل الحمل وتقدير أحواله ، فضلاً عن ما يحمله حضورها من تقدير واحترام كبيرين في منطقتها ، حيث كانت تُستدعى أحياناً إلى المناطق المجاورة عند حالات الولادة المفاجئة في أوقات متأخرة من الليل مع حقيبتها المجهزة بمستلزماتها البسيطة .

​ومن بين هذه العادات الشعبية المتصلة بمرحلة الاستقبال والتي تستحق التوثيق والاهتمام ، تبرز عادة «النَّقْل» أو «حلو النفاس» ، وهي من مظاهر الضيافة والتهنئة التي عُرفت في بعض مناطق الأردن ، ولا سيما في محافظة المفرق ، حيث احتفظت الذاكرة الشعبية بتفاصيلها وأشكالها المميزة بوصفها رمزاً للعطاء والمحبة .

​النَّقْل : حلوى تحمل رسالة المحبة :

​كان النَّقْل يُعَدّ من أبرز مظاهر الاحتفاء بالمرأة التي وضعت مولودها ، إذ تتولى إحدى نساء العائلة أو الحارة تجهيز حلوى النفاس والمكسرات أو السكاكر الشعبية على هيئة صُرَر صغيرة ، توضع داخل أكياس قماشية مزركشة وجميلة ، ثم تُقدَّم للنفساء والزائرات في إطار الزيارة والمباركة والاطمئنان على صحتها وصحة مولودها .

​ولم تكن قيمة هذه الحلوى في مكوناتها وحدها ، بل في المعاني الاجتماعية التي تحملها ، فهي هدية رمزية تعبّر عن المحبة والمودة وتُوزّع كجزء من الكرم وإشهار البشارة بقدوم المولود ، لتؤكد أن الأم الجديدة ليست وحدها في مرحلة تحتاج فيها إلى الرعاية والاهتمام ، بل تحيط بها نساء الأسرة والجيران ، يشاركنها فرحتها ويقدمن لها ما يستطعن من المساعدة .

​وقد وثّق موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي هذه العادة ضمن السجلات الرسمية لتوثيق المفردات التراثية والاجتماعية في شمال المملكة وباديتها ، مشيراً إلى تقديم حلو النفاس ، المعروف باسم «النَّقْل» ، على هيئة صُرَر صغيرة داخل أكياس مزركشة .

​زيارة النفساء : تقليد اجتماعي يتجاوز التهنئة :

​كانت زيارة النفساء جزءاً من منظومة اجتماعية متكاملة ، تبدأ بالاطمئنان على الأم والمولود ، وتقديم التهاني والنصائح المتعلقة برعاية الطفل ، ولا تنتهي عند حدود الزيارة العابرة ، بل تمتد إلى تقديم الهدايا والمساعدة في شؤون المنزل والاستعداد لاستقبال المهنئين .

​وتشير الروايات التراثية الموثقة في محافظة المفرق إلى أن النساء كنّ يبدأن بزيارة أولية بعد عودة المرأة إلى بيتها ، ثم تتوالى الزيارات بعد عدة أيام ، حاملةً معها الهدايا وحلو النفاس ومشروب بهار النفاس . وعادة ما يعقب ذلك تنظيم جلسات "قهوة المباركة" التي يُعزم فيها الأقارب والجيران والأصدقاء لتبادل التهاني .

​وهنا تتجلى خصوصية المجتمع التقليدي ، إذ كانت المرأة تجد في محيطها الاجتماعي شبكة من العلاقات التي تسندها في مرحلة ما بعد الولادة ، وتخفف عنها أعباء المنزل ، وتمنحها الشعور بالأمان والانتماء .

​بهار النفاس والقرفة : ضيافة لها طابعها الخاص :

​لم تقتصر ضيافة النفساء على حلو النفاس ، بل ارتبطت بها مشروبات وأطعمة شعبية اشتهرت في عدد من مناطق الأردن ؛ ومن أبرزها قرفة النفاس أو بهار النفاس ، الذي عُرف في محافظة المفرق حيث كانت تُحضَّر خلطات شعبية من التوابل ، من بينها القرفة والزنجبيل واليانسون والخولنجان ، وتُغلى بالماء ثم تُقدَّم ساخنة للزائرات في وعاء خاص يُعرف باسم «الجنطاس» ، وتُزيَّن بالمكسرات مثل الجوز واللوز والفستق والمطبقينيات .

​وكانت هذه الضيافة مناسبة لتبادل التهاني والأحاديث واستذكار أخبار العائلة والجيران ، فيما كانت بعض الزائرات يقدمن «النقوط» – أي المبالغ المالية التي تُهدى بمناسبة الولادة أو الهدايا العينية كالسمن البلدي والطعام – وضعت غالباً على الجنطاس إكراماً للأم والمولود .

​وتذكر المصادر التراثية أن الزائرة كانت تعبّر عن تهنئتها بعبارات مألوفة ، مثل : «الحمد لله على السلامة» و«مبروك ما أجاكي» ، وهي عبارات تختصر مشاعر الفرح والدعاء بسلامة الأم والطفل .

​ومن المهم هنا التمييز بين العادات الاجتماعية الموروثة والمعلومات الطبية ، فالمشروبات والأطعمة الشعبية تمثل جزءاً من تاريخ الضيافة ، ولا ينبغي اعتبارها علاجاً طبياً أو بديلاً عن الرعاية الصحية المناسبة للأم بعد الولادة .

​عادة أردنية تتنوع من منطقة إلى أخرى :

​لم تكن عادات الولادة والنفاس متطابقة في جميع مناطق الأردن ، بل اختلفت تفاصيلها وأسماؤها وأنواع الأطعمة المقدمة فيها باختلاف البيئة المحلية والعادات العائلية والإمكانات الاقتصادية .

​ففي محافظة البلقاء ، مثلاً ، توثق المصادر الشعبية تقديم أطعمة خاصة للنفساء لتقويتها ودر الحليب ، مثل شوربة الفريكة والمعاليق وعجة البيض بالسمن البلدي والحلاوة بالسمن البلدي ، إلى جانب مشروبات وضيافات ترتبط بزيارة المهنئين . وفي محافظة عجلون ، تذكر الروايات التراثية أن النساء كنّ يحضرن الطعام للنفساء ، ويقدمن لها الحلاوة والعسل ، فيما يتناول الضيوف الشاي الممزوج بالقرفة والجوز .

​أما في حوارة شمال الأردن ، فقد ارتبطت مرحلة النفاس بعادات محلية أخرى ، منها تقديم العسل والسمسم والسمن للنفساء ، وإحضار الأطعمة المنزلية والهدايا عند زيارتها . وتُظهر هذه الشواهد المستمدة من السجلات الرسمية للتراث الأردني غير المادي أن المجتمع الأردني اشترك في المعاني الكبرى للتهنئة والتكافل ، مع احتفاظ كل منطقة بخصوصيتها التراثية الفريدة .

​من ذاكرة الأمهات والجدات إلى ذاكرة الأجيال :

​إن النَّقْل وحلو النفاس ليسا مجرد حلوى شعبية ارتبطت بمناسبة الولادة ، بل هما شاهدان على جانب من تاريخ الحياة اليومية في الأردن ، وعلى الدور الذي أدته النساء في حفظ العادات ونقلها من جيل إلى آخر .

​ففي زمن كانت فيه العلاقات بين الجيران أكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية ، كانت هذه الممارسات تعكس ثقافة المشاركة ، وتؤكد أن الأفراح والمناسبات الخاصة لا تخص أصحابها وحدهم ، بل تصبح شأناً اجتماعياً تتقاسمه الأسرة والمحيط القريب .

​ومع تغير أنماط الحياة ، وتبدل أساليب الضيافة والرعاية ، تراجعت بعض هذه العادات أو تغيرت صورها ، لكن توثيقها في مدونات التاريخ الاجتماعي ومنصات التراث الوطني يظل ضرورة ثقافية تحفظ أسماءها وتفاصيلها ودلالاتها ، وتتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى جانب من حياة الأجداد والجدات .

​إن صيانة هذا الموروث لا تعني بالضرورة إعادة ممارسة جميع تفاصيله كما كانت في الماضي ، بل تعني فهمه وتوثيقه واحترام ما يحمله من قيم إنسانية واجتماعية أصيلة .

​وهكذا يبقى النَّقْل في ذاكرة المجتمع الأردني أكثر من حلوى تُهدى للنفساء ، إنه حكاية محبة وتكافل ، ورسالة فرح صغيرة كانت تنتقل من بيت إلى آخر ، لتقول إن قدوم مولود جديد مناسبة تتسع لها القلوب قبل البيوت .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) وزارة الثقافة الأردنية ، موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي ، زيارة النفساء ، محافظة المفرق .
  3. 2  ) وزارة الثقافة الأردنية ، موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي ، قرفة النفاس ، محافظة المفرق .
  4. 3  ) وزارة الثقافة الأردنية ، موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي ، عادات الولادة ، محافظة البلقاء ، والطب الشعبي في محافظة عجلون .
  5. 4  ) وزارة الثقافة الأردنية ، موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي ، طقوس الولادة عند الأردنيين : قرية حوارة في أواسط القرن العشرين نموذجاً .
  6. 5  ) وزارة الثقافة الأردنية ، موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي ، الداية وتقاليد الولادة في المجتمع الأردني .
  7. 6  ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( أبحاث ومقالات في توثيق التاريخ الاجتماعي والتراث الأردني ) .