يُستحضر في هذا المقال عبق الزمن الجميل وتفاصيل الحياة الأردنية البسيطة ، مُستذكراً ذكريات دكاكين الحارات وحلوياتها التراثية في إطار مجتمعي دافئ ومترابط .
زمن حامض حلو : ذكريات أردنية دافئة على خط البساطة والحنين
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
في زحمة الحياة المعاصرة وتتسارع خطاها بين شاشات الهواتف المحمولة والتقنيات الرقمية المذهلة ، يقف الإنسان أحياناً على ضفاف الذاكرة ليستنشق عبق الماضي الجميل ، مستعيتاً تفاصيل أيام كانت فيها الحياة بسيطة بساطة قلوب الناس ، وعميقة عمق جذورهم في هذه الأرض الطيبة . وحين نعود بالذاكرة إلى الوراء ، لا نملك إلا أن نستحضر مشهداً أردنياً أصيلاً ينبض بالدفء والحنين ، حيث كانت تفاصيل الأيام تحكي قصة مجتمع متكافل ومتحاب .
ولعل مصطلح ( الحامض حلو ) يلخص بدقة متناهية فلسفة تلك الأيام وطبيعتها ؛ فهو تعبير مجازي عميق يعبر عن المزيج المتوازن بين قسوة الظروف المعيشية وشظف العيش ( الجانب ( الحامض ) المتمثل في الفقر ، والبرد القارس ، وقلة الإمكانات ، وبساطة وسائل الحياة ) وبين حلاوة الروح ، ودفء العلاقات الاجتماعية ، وصدق القلوب ، وتكافل الجيران ، وبساطة الطموحات ( الجانب ( الحلو ) المتمثل في صفاء النفوس ، والتئام الأسر ، والفرح الصادق بأبسط التفاصيل ) . وهو يعكس تلك الثنائية المؤثرة التي جعلت تلك الأيام ، رغم قسوتها ، أشهى وأطيب في ذاكرة من عاشوها ، لتتصل هذه الذاكرة بحكايات الدكاكين والحلويات الشعبية التي شكلت وجدان الأجيال شيباً وشباباً ، حيث كانت ( القضامة ، والفيصلية ، والحامض حلو ) على قلوب الناس عسلاً ، وتلك هي حلويات ونقرشة البساطة المرتبطة بدكاكين القرى والمدن وأزقة الحارات المكتظة ببهجة الطفولة .
ولم تكن تلك الحلويات والملبسات مجرد أطعم عابرة ، بل كانت تُعرض بكل ألقها في مرطبانات زجاجية شفافة ولافتة للنظر على واجهات دكاكين الحي ، حيث يتفنن صاحب الدكانه في صفّها لتجذب عيون الصغار قبل الكبار . وكانت هذه الملبسات والسكاكر تُباع أحياناً مغلفَة بطبقة شفافه رقيقة تصطف على شكل حبل طويل يتدلى من سقف الدكان أو رفوفه ، وكان الأطفال يطلقون عليها في ذلك الزمن الجميل اسم ( حلو حبال ) .
وللملبس في ذاكرة دكاكين الماضي أسرار ومسميات وتنوعات فريدة تعكس بساطة الصنعة وتدرج الأذواق ؛ فكان ملبس ( الحامض حلو ) - الذي تغنى به الفنان عبد الجبار الدراجي في أغنيته الشهيرة ( حامض حلو يا لومي يا لومي ) - يُعرض في تلك المرطبانات البراقة ، ويتم شراؤه بالعدد برائحته ونكهته المميزة ، حيث يكمش الأطفال كميات منه ويضعونها في جيوب البنطلونات ليحملوا معهم طعم الطفولة الفريد . وقد تطورت صناعته لاحقاً بإضافة السمسم وبيع عبر شرائط معلقة ليُعرف باسم ( الدروبس ) ، لكن يبقى للملبس القديم عبقه الخاص .
أما حين نتأمل الفروقات الدقيقة بين مسميات الملبس وأنواعه في ذاكرة الأجداد ، فإنها تبرز بوضوح في الحجم والطعم واللون ومناسبات الاستخدام ؛ فبينما يتميز ( الحامض حلو ) بطعمه اللاذع الممتزج بالحلاوة والنكهات الحامضة الفواحة وألوانه المتعددة الزاهية ، تبرز ( الفيصلية ) ( أو الملبس على قضامة ) التي تفوح رائحتها العطرة من محلات شهناز بالزرقاء ومحلات عزيزية بوسط البلد ، وهي عبارة عن حبات ملبس مغلفة بطبقة سكرية بيضاء مفرحة وزهرية وأحياناً زرقاء ، وتأخذ حبة الحمص أو القضامة قلباً لها ، وتكون حاضرة في الذاكرة عند أول حلقة شعر للطفل حيث تُرش حباتها على رأسه عربون فرح .
ولكن إذا زاد حجم حبات الملبس أو الفيصلية وخشّت تفاصيلها نتيجة تراكب طبقات السكر عليها أثناء التصنيع اليدوي التقليدي ، كان الناس يطلقون عليها اسم ( المخشرم ) أو ( المخشرمة ) ، وهي التي تميزت بخشونة ملمسها وتضاعف حجمها مقارنة بحبات الملبس الناعمة . وفي السياق ذاته ، لم تكن دكاكين الحي تخلو من أصناف أخرى انتشرت انتشاراً واسعاً وأقبل الناس على شرائها بكميات كبيرة لروعتها وجمال طعمها ، بعضها كان يُصنع محلياً في الأردن والبعض الآخر كان يُستورد من الشقيقة سوريا ؛ ومن أبرزها ( الكعكبان ) بحباته المميزة ، إضافة إلى تلك السكاكر التراثية القادمة من حارات دمشق القديمة كالشاغور وباب سريجة ، والتي كان اسمها الأصلي ( الفندان ) قبل أن يُطلق عليها شعبياً اسم ( قباقيب غوار ) تيمناً بشخصية غوار الطوشة وقبقابها الشهير . وفي المقابل ، فإن ( القضامة ) بقيت الصنف المستقل بأنواعها المتعددة كالقضامة الصفراء المطحونة مع نبات الزعتر والقلية ، والإستانبولية ، والمغبرة الناعمة التي عشقها الختيارية ، لتبقى هذه المسميات جميعها عقوداً زاهية تزيّن دكاكين الحي الشعبي .
وتتداعى هذه المشاهد المرتبطة بنقاشات الدكاكين وحلويات الطفولة لتتصل بمحطات أخرى في ذاكرة المكان والزمان ؛ فلم تكن المسافات تقاس بالأميال الحديثة قدر ما كانت تقاس بجهد الرحلة ، فكانت ( الشونة الشمالية ) تُعد لدى أهل العاصمة آخر الدنيا ، و ( فكر واربح ) أهم برامج المسابقات التي يترقبها الجميع بشغف . ولم يكن أحد يعلم بعد أن هناك فاكهة تتطابق بالاسم مع منظف الأحذية الشهير ( الكيوي ) ، أو أن يأتي يوم نخلع فيه جهاز الهاتف من شروشه وتمديداته لنحمله بجيوبنا أينما ذهبنا !
وكانت ( القضامة المالحة ) توصف دواءً شعبياً للمغص ، والأولاد يقبّلون يد الجار بكل احترام صباح العيد ، والبوط الصيني يتربع في مقدمة أحلام الطلبة المتفوقين والرياضيين . وفي الصحافة ، كانت جريدة ( أخبار الأسبوع ) لصاحبها المرحوم عبد الحفيظ محمد من أهم الصحف وأجرأها على الإطلاق ، بينما كانت ( ألمانيا ) تُعد بلد الأحلام والسفر المرتجى .
أما الإذاعة الأردنية فحفرت أصوات روادها في وجداننا ، حين تصحو صباحاً على صوت ( مازن القبج ) أو ( سمراء عبد المجيد ) ، وتسمع ظهراً ( كوثر النشاشيبي ) ، وتترقب مساءً صوت ( إراهيم السمان ) . وحين كانت ( مدينة الأهلي للألعاب السياحية ) في رأس العين هي وجهة الأثرياء والمتنزهين ، والسفر إلى صويلح يحتاج إلى تحضير وترتيب قبل يومين كاملين ، وكانت الجامعة الأردنية تنهض منفرداً كصرح علمي عريق بلا شقيقات من الجامعات الرسمية الكثر اليوم .
ومن هذه المحطات المكانية ننتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية ودفء البيوت ؛ وحين كانت أقلام الحبر الأحمر هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن مشاعر الحب والعاطفة قبل اختراع الموبايلات والرسائل الإلكترونية ، كانت المكتبات تبيع دفاتر خاصة للرسائل أوراقها مزوّقة بالورد الناعم . أما الورد الطبيعي ذاته ، فكان يُباع حصراً في جبل عمّان الذي عُرف كحي أرستقراطي باذخ في ذلك الزمان .
وكانت جوازات السفر تُكتب بخط اليد المتقن ، والسفر إلى الشام يتم عبر قطار الحجاز أو الحافلات البسيطة ، في حين كانت قمصان ( النص كم ) للرجال تُعتبر لدى بعض العائلات المحافظة عيباً وتخدش الحياء العام . وفي داخل البيوت العامرة بالبركة ، كانت تكاد لا تخلو من فرن ( أبو ذان وأبو حجر ) الحديدي ، والأمهات يعجنّ طحين القمح في ساعات الفجر الأولى ليخبزنه طازجاً في الصباح . وكانت الأغنام تدق بأجراسها معلنة أن بائع الحليب صار في الحي ، فيما كان مسلسل ( وين الغلط ) لدريد ونهاد يجمع العائلات مساءً ، ومباريات الأسطورة ( محمد علي كلاي ) تجمع الجيران والأصدقاء في سهرات الثلاثاء الممتعة ، وكان ( نبيل التلّي ) أفضل لاعب هجوم في تاريخ كرة القدم الأردنية .
وفي مناسبات الفرح أو العزاء ، كانت الناس تتبادل التهانئ وتقدم الواجب عبر كيس سكر كبير يُعرف بـ ( أبو خط أحمر ) بوزن مئة كيلو غرام ، وكانت الأمهات يحممّن الصغار في ( اللكن ) النحاسي أو البلاستيكي البسيط ، و ( القرشلّة ) هي الهدية الدارجة التي يحملها الناس لزيارة المرضى في البيوت أو المستشفيات .
أما ( الإنترنت ) فلم يكن سوى رجم بالغيب لم يتوقعه أحذق العرّافين والمستشرفين ، ولو حدّثتَ أحداً يومها عن ( العدسات اللاصقة ) لاعتبرك مرتدّاً أو زنديقاً تستحق الرجم ، وأما ( الماسنجر ) فلو حملته للناس لصار لك شيعة وأتباع من شدة الدهشة !
وحين كان مذاق الأيام أشهى ، ومذاق الشمس في أفواهنا أطيب ، والبرد القارس يجعل أكفّ التلاميذ حمراء ترتجف فيفركونها ببعضها دفئاً ، كان المبدع ( زهير النوباني ) في دور ( مقبول العقدي ) يمثل أعتى رمز للشر الدرامي ، وذلك قبل أن يعرف الناس أن في الغيب رجلاً يُدعى ( جورج بوش ) وتتوالى متغيرات العالم الكبرى .
كانت لهجات الناس أحلى ، وقلوبهم أكبر ، وطموحاتهم بسيطة ومسكينة وساذجة لا تعرف التعقيد . الموظفون ينامون مبكرين قبل العاشرة ليلاً ، والحزبيون يلتقون سراً في المجالس الضيقة ، والزوجة في يوم الجمعة تخبئ كبدة الدجاجة وقوانصها لتقليها لزوجها دلالة خاصة على تدليله وإكرامه . والشمس كانت أكثر صرامة وحرارة في التعامل مع الصائمين ، والثلج لم يكن يخلف موعده السنوي المنتظر .
لقد كانت الحياة أكثر فقرا وبرداً والجوع فيها حاضراً في الماديات ، لكنها كانت دائماً خضراء يانعة بالمحبة والتضامن والتكافل الاجتماعي . وحين تسألني يا صاحبي بصدق وحنين : ( البلد بخير ؟ ) ، تجيبنا القلوب العامرة بالأصالة أن عراقة هذا الإنسان الأردني وانتمائه العميق لأرضه تظل الضمانة الباقية لأن الخير في الناس باقٍ ما بقي الأجداد في خاطرة الأحفاد .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( أبحاث ومقالات في توثيق التاريخ الاجتماعي والتراث الأردني ) .
- 2 ) صفحة الدكتور نبيل العماري على موقع التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك ) .
- 3 ) وزارة الثقافة الأردنية ، موقع التراث الثقافي الأردني غير المادي ، ذكريات دكاكين القرى والمدن الأردنية .
- 4 ) أرشيف الذاكرة الشعبية الشفوية في الأردن ، توثيق العادات والتقاليد الشعبية وحلويات الطفولة التراثية .
- 5 ) دراسات في التراث الشعبي الأردني وذاكرة المكان والحلويات الشعبية الشامية والمحلية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.